ميشيل إكوشار، أداة نشطة للقوة الاستعمارية الفرنسية!

في الحديث عن تصميم وتخطيط مدينة دمشق يتردّد كثيراً اسم المهندس الفرنسي ميشيل إيكوشار، فمن هو هذا الرجل؟ ومخطّطاته لم تزل تُستعمل من طرف محافظة دمشق لتنظيم المدينة؛ حتّى بعد مضيّ تسعين سنة على رسمها.

ميشيل إكوشاغ Michel Écochard هو معماري ومهندس مدني فرنسي من مواليد پاريس سنة 1905. وتخرّج من مدرسة الفنون الجميلة الپاريسية سنة 1929. وكان قد نال تدريباً كآثاري أثناء دراسته للعمارة (1) وهو اهتمامه الذي رحل به إلى سوريا. إذ، سنة 1932 وعقب تخرّجه مباشرة؛ دعته الإدارة الانتدابية الفرنسية على سوريا للمشاركة في فريق ترميم عدّة مباني أثرية سوريّة مهمّة، هي: معبد بعل في تدمر، والمسجد العمري في بصرى، وقصر العظم في دمشق، وكانت الحكومة قد استملكت هذه المباني عقب احتلال سوريا مباشرة سنة 1920 (2).

المهندس ميشيل إكوشاغ في تدمر سنة 1929، عن Institute for Generic Architecture.
المهندس ميشيل إكوشاغ في تدمر سنة 1929، عن Institute for Generic Architecture.

بعد انتهائه من المشاركة في مشروع قصر العظم، شارك الآثاري جان سوفاجيه Jean Sauvaget في مشروع دراسة المباني الأيّوبية في مدينة دمشق، وهو المشروع الذي ساهم لاحقاً في تخطيط مدينة دمشق.

وهذا سرد لأهمّ النقاط في مسيرة حياة ميشيل إكوشاغ المهنيّة:

  • سنة 1929 بعمر 24 سنة وكان لم يتخرّج بعد، انتقل إكوشاغ إلى سوريا للمشاركة في البعثات الأثرية فيها.
  • سنة 1930 اشتغل في دمشق على ترميم بعض المباني الأثرية فيها كعضو في فرق الترميم الحكومية الفرنسية.
  • سنة 1932 نال وظيفة مهندس معماري استشاري في الحكومة السورية، ثمّ؛
  • سنة 1940 نال ترقية فصار مدير مكتب تخطيط المدن في سوريا. وفي ذلك المكتب أطلق مشروع إعادة تخطيط المدن الرئيسية في سوريا بما فيها مدينة بيروت. واستمرّ في منصبه هذا أربع سنوات انتهت سنة 1944.
  • سنة 1932 كُلّف إكوشاغ بتصميم متحف أنطاكية الأثري، وهو المتحف الذي احتوى أغلب المكتشفات الأثرية السورية آنذاك. 
  • سنة 1936 كُلّف إكوشاغ بتصميم المتحف الوطني في دمشق، وهو المتحف الذي نُقلت إليه جميع الآثار السورية في عهد الانتداب الفرنسي.
  • سنة 1936 كُلّف إكوشاغ بتنفيذ تخطيط مدني لمدينة دمشق في سوريا، واعتمد لتنفيذ مخطّطه على المخطّطات الطبوغرافية التي كان قد وضعها سنة 1934 المهندس كلود ديرافورد Claude Duraffourd بالإضافة إلى نتائج دراسته السابقة حول المباني الأيّوبية في دمشق (3).
  • سنة 1943 نفّذ أوّل تخطيط مدني لمدينة بيروت، لبنان.
  • سنة 1946 انتقل إكوشاغ إلى الدار البيضاء واستلم منصب مدير قسم التخطيط العمراني في إدارة المحمية الفرنسية في المغرب. وبقي في هذا المنصب ست سنوات انتهت سنة 1952. وقام في تلك الفترة بتغيير تخطيط مدينة الدار البيضاء من التخطيط الشعاعي (النمط الفرنسي) إلى النظام الخطّي (النمط الأميركي).
  • سنة 1953 شارك في المؤتمر الدولي للعمارة الحديثة CIAM وقدّم مع المهندس المعماري جورج كانديليس Γεώργιος Κανδύλης أطروحة جادل فيها ضدّ العقيدة المعمارية الأساسيّة التي تُلزم المهندس المعماري بضرورة مراعاة الثقافة المحلّية والمناخ في تصاميمه. أدى هذا الطرح المعارض للمنطق والطبيعة إلى جدل كبير بين المهندسين المعماريّين الحداثيّين حول العالم وأثار في النهاية انقساماً كبيراً وشرخاً في مدارس المعماريّين وخلافات انتهت بحلّ منظمة CIAM سنة 1959 (4)(5)(6).
  • سنة 1954 شارك في تصميم الكلية الپروتستانتية الفرنسية للبنات في بيروت، لبنان.
  • سنة 1954 شارك في تصميم جامعة كراتشي في پاكستان.
  • سنة 1959 كُلّف بتصميم كلية الأخوة ماريست في صيدا، لبنان.
  • سنة 1960 كُلّف بتصميم المبنى الجديد للمدرسة الكبرى الفرنسية اللبنانية École de la Mission Laïque في بيروت.
  • سنة 1960 كُلّف بتصميم مبنى متحف الكويت، وهو ذات التصميم الذي استعمل سنة 2017 لبناء متحف اللوڤر في أبوظبي، الإمارات العربية المتّحدة. أمّا متحف الكويت فقد ناله قصف حرب الخليج سنة 1991. 
  • سنة 1961 كُلّف بتصميم جامعة أبيدجان في ساحل العاج.
  • سنة 1963 كُلّف بتصميم مركز التعليم العالي في الكونگو في مدينة برازافيل، جمهورية الكونغو.
  • سنة 1963 كُلّف بتصميم جامعة ياوندي في الكاميرون.
  • سنة 1967 عاد إكوشاغ إلى فرنسا لتصميم بيت الثقافة في مدينة نانتير، وهو اليوم مسرح Nanterre-Amandiers.
  • سنة 1968 كلّفت الحكومة السورية إكوشاغ لإعداد مخطّط تنظيمي جديد لمدينة دمشق. تضمّن تخطيط لطريق يربط أوتوستراد درعا-دمشق الدولي مع أوتوستراد دمشق-حلب الدولي، وهو ما يعرفه الدمشقيّون باسم الطريق المتحلّق الجنوبي.
مخطط إكوشاغ لتطوير مدينة دمشق سنة 1936
مخطط إكوشاغ لتطوير مدينة دمشق سنة 1936

من هذا السرد أجد أنّ ما يقال في سوريا عن حرص ميشيل إكوشاغ على صيانة البيئة المحلّية والحفاظ على هويّتها هو قول مخالف للواقع. إذ أنّ هذا الرجل حمل عقيدة تحرّر المعماري من ضرورة احترام الثقافة المحلّية ومراعاة المناخ المحلّي في تصاميمه. إكوشاغ دعى إلى عدم احترام التراث المحلّي واعتبر أنّ هذا السلوك في من مذاهب التحديث والتطوير. وهذا مخالف لعقلية الآثاري، ويتعارض تماماً مع مبادئ الحفاظ على التراث.

وكان إكوشاغ قد تصادم مع المهندس المغربي إيلي الزاقوري Elie Azagury حين اعترض الأخير على بناء أبراج سكنية شاهقة في منطقة تراثية، ووصفها بأنّها ”أداة نشطة للقوة الاستعمارية الفرنسية.” وهو في الواقع وصف مناسب لعقلية إكوشاغ التي اشتغل بناء عليها في كل المواقع التي كانت تحت سلطة الإدارة الاستعمارية الفرنسية في السابق (7). والزاقوري كان من خرّيجي مدرسة الفنون الجميلة الپاريسية التي تخرّج منها إكوشاغ.

بعد انشقاق سنة 1953 في منظمة مؤتمر CIAM تجمّعت جماعة إكوشاغ في مجموعة أطلقت على نفسها اسم “مجموعة المعماريين المغاربة الحديثين” Groupe des Architectes Modernes Marocains واختصاراً GAMMA ولم يكن في المجموعة أي مهندس معماري مغربي، لكنّ المجموعة نالت تسميتها لأنّ إكوشاغ كان قد استخدم أعماله في الدار البيضاء كمثال في مجادلاته في المؤتمر، ولأنّ المجموعة بدأت أعمالها في المغرب.

Carrières centrales à Casablanca. Réalisation d'un ensemble de trames à rez-de-chaussée et immeubles
Carrières centrales à Casablanca. Réalisation d’un ensemble de trames à rez-de-chaussée et immeubles

ومع بداية تأسيسها كلّف إكوشاغ مجموعته GAMMA بتصميم مساكن للعمّال والمهاجرين من الريف المغربي في الحي المحمدي في الدار البيضاء (8). وكانت هذه المرّة الأولى التي تبني فيها الحكومة الفرنسية مساكناً للمغاربة بدلاً عن أن تحصر خدماتها بالمستوطنين الفرنسيّين فقط. وكانت فرنسا قد استخدمت هذه المساكن فعلاً لقمع الحركة الوطنية المغربية التي كانت قد ثارت وخرجت في مظاهرات عقب اغتيال المناضل والزعيم العمّالي التونسي فرحات حشاد سنة 1952 (9).

إيلي الزاقوري كان من مهندسي GAMMA ثمّ تصادم مع إكوشاغ وخرج من المجموعة على إثر انحياز ميشيل إكوشاغ الواضح إلى الممارسات الاستعمارية الفرنسية في المغرب. وعليه فأنا أشكّك في مدرسة هذا الرجل كلّها في سوريا وما خطّطه ونفّذه في المشرق. هذا بالإضافة إلى أنّ “منجزات” إكوشاغ ومخطّطاته التنظيمية في سوريا حدثت وكان لم يزل في عشرينيّاته، حديث التخرّج وبلا خبرة عمليّة كافية لإعادة تخطيط مدن شديدة القِدم كدمشق.

المراجع:

1 Mariabruna Fabrizi. (2016). “Understanding the Grid /1: Michel Ecochard’s Planning and Building…”

2 Marion von Osten. “Michel Ecochard”. Trans-cultural Modernism. Retrieved 26 March 2014.

3 سمير عنحوري. التطور العمراني في مدينة دمشق (1860-1960).

4 “The Gamma Grid | Model House”. transculturalmodernism.org. Retrieved 2019.

5 Pedret, Annie. “TEAM 10 Introduction”. 2019.

6 Aziza Chnaoui. (2010). “Depoliticizing Group GAMMA: contesting modernism in Morocco”. In Lu, Duanfang (ed.). Third World Modernism: Architecture, Development and Identity. Routledge.

7 Aziza Chaouni. (2014). “Interview with Elie Azagury”. Journal of Architectural Education. 68 (2): 210–216.

8 “Adaptations of Vernacular Modernism in Casablanca”. Retrieved 2020

9 “Casablanca 1952: Architecture For the Anti-Colonial Struggle or the Counter-Revolution”. THE FUNAMBULIST MAGAZINE. 2018

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *