خارطة بلاد الأصول الإثنية لطوائف اليهود

هذه الخارطة لا تشير إلى أماكن تواجد اليهود حول العالم. إنّما إلى أصولهم الإثنية.

يُعتقد أنّ هذه المجموعات الثقافية والعرقية كانت قد نشأت ببطء بعد الشتات اليهودي من فلسطين والمجتمعات اليهودية الأخرى. وتفترض الرواية الأوروپيّة أنّه وبعد تشتّت اليهود تحت الحكم الروماني، استقرّ الكثيرون في أجزاء مختلفة من العالم المعروف. كما يُعتقد أن ظهور الهوية اليهودية الأشكنازيّة والسفارديّة قد نشأ تقريباً في حوالي 800 ق.م.

مع ذلك، تتعارض الوقائع التاريخية مع الفرضية الأوروپية، سيّما وأنّ العديد من شعوب جنوب أوروپا الآريوسيّة كانت قد تحوّلت إلى اليهودية للخلاص الاضطهاد الكاثوليكي خلال القرنين السابع والثامن، أي أنّهم فضّلوا التحوّل إلى اليهودية عن التحوّل إلى الكاثوليكيّة. أمّا المؤسّسة المزراحيّة فكانت قد نشأت في بابل في العراق خلال العهد السلوقي حوالي 250 ق.م، لليهود العرب من طيء، اللّذين كانوا يرجعون في الأساس إلى مرجعيّة سياسيّة في خيبر في الحجاز. وعلى ما يبدو فإنّ العهد السلوقي قد شهد تحوّل نسبة كبيرة من طيء عن عبادة القمر إلى عبادة الله فصاروا يهوداً.

خارطة بلاد الأصول الإثنية لطوائف اليهود
خارطة بلاد الأصول الإثنية لطوائف اليهود

الأشكناز אשכנז يعرفون باسم اليهود الألمان ويهود الجرمان. وهم من نسل مواطنيّ “الإمبراطورية الرومانية المقدّسة للشعب الألماني”، وهذه الأخيرة هي دولة نشأت سنة 800 وانتهت سنة 1806 وكانت قد تأسّست بتنصيب البابا ليو الثالث للملك شارلمان كإمبراطور، ودعا إلى اعتبار المملكة الفرانكية الكارولنجية بمثابة إعادة إحياء للإمبراطورية الرومانية الغربية، لمقاومة مساعي البيزنطيّين الرامية إلى قيادة إعادة إحياء الإمبراطورية الرومانية بعد 3 قرون من اضمحلالها. وبهذا اتّحدت إيطاليا بالمملكة الفرانكية ونال اليهود فيها المواطنة الرومانية-الفرانكية.

السفارد ספרד ويُعرفون باسم اليهود الإبيريّون نسبة إلى اسم شبه جزيرة إبيريا. وهم نسل مواطنيّ إمارة قرطبة وما تلاها من ممالك العرب في إبيريا، وكان مركزهم الديني في مدينة غرناطة. وبعد طردهم عن إبيريا انتشروا في شتات حول البحر المتوسّط، حيث استقبلتهم الدول المسلمة آنذاك كلاجئين على أراضيها. تُعتبر الفترة السفاردية من التاريخ هي عصر اليهود الذهبي، وتبدأ من سنة 711 مع سقوط مملكة طليطلة الكاثوليكية لصالح العرب المسلمين؛ وحتّى القرن 12 حين صارت الأندلس جزء من خلافة الموحّدين المغربية.

مزراح המִזְרָח ويعرفون باسم اليهود الشرقيّون أو يهود المشرق نسبة إلى منطقة المشرق العربي. وتشمل هذه التسمية كلّ الطوائف اليهودية القديمة بما فيها طوائف البخاريّين والجبل. وبالعموم يتبع المزراحيّون اليوم المذهب السفاردي، إلا يهود اليمن، فلهم مذهبهم الخاص. وفي أيّام الأندلس كان استعمل اليهود تسمية مزراحي على اليهودي العربي الوافد من خارج إبيريا (من الشرق)، في مقابل تسمية سفاردي لمن تحوّل إلى اليهودية من الآريوسيين الإبيريّين خلال القرنين السابع والثامن.

گروزنيّون גרוזינים هم اليهود الجورجيّون. وجميعهم اليوم مواطنون إسرائيليّون. وكانوا قد نزحوا إلى فلسطين خلال الفترة ما بين 1863 و1916. وكانت جورجيا في تلك الفترة هي ساحة حرب ما بين الإمبراطوريّتين الروسية والعثمانية، فنالوا اللّجوء في العثمانية.

يهود إيطاليا איטלקים هم اليهود المنحدرين من عائلات إيطاليّة أصليّة، وغير وافدين. أي أنّهم من سلالة من كان مواطناً في الإمبراطوريّة الرومانيّة منذ سنة 138، حين أبطل الإمبراطور أنطونيوس بيوس قوانين اضطهاد اليهود التي سنّها سلفه هادريان، كاره اليهود.

اليَشوڤ (المستوطنون) הישוב، وهم من كانوا من المواطنين العثمانيّين في فلسطين، من اليمنيّين ومن اللاجئين اللادينو (الإسپان) واليديشيّين والأشكناز النازحين عن روسيا وشرق أوروپا سنة 1882.

السامريّون שומרונים، ويعرفون محليّاً باسم شومريم (السومريّون) أي الأصلاء أو الراسخون بلغتهم. ويُعتقد أنّهم أقدم اليهود في فلسطين ويعود استيطانهم فيها إلى القرن العاشر قبل الميلاد بحسب الفرضية الإسرائيلية التي تفترض أنّهم وفدوا من منطقة الجزيرة الفراتيّة. أمّا الفرضيّة السامريّة المحلّية فتعتقد أنّ تاريخ هجرتهم يعود إلى القرن 18 ق.م بحسب الفرضيّة السامريّة. على الرغم من عدم وجود آثار يهودية في فلسطين أقدم من القرن 6 ق.م.

العِدَه ويُعرفون باسم البَدَتْز وهم يهود أرثوذكس حريديّون وأصحاب حركة ناطوري قرطا נָטוֹרֵי קַרְתָּא التي تطالب من القدس بحلّ دولة إسرائيل واستعادة فلسطين كدولة عربية. وهم في الأصل من يهود المجر ويهود ليتوانيا.

يهود كايفونگ 開封猶太族 وهم يهود مدينة كايفونگ 开封 شرق الصين. وهم على ما يبدو من نسل يهود مزراحيّين من وسط آسيا، نالهم النفي خلال القرن العاشر أو السابع، من موطنهم إلى منطقة خُنان 河南 الصينيّة. وتعدادهم اليوم لا يتجاوز الألف شخص فلربّما هم نسل شخص واحد؛ ناله النفي أو هاجر واستقرّ في الصين وحافظ نسله على ديانته وعاداته.

يهود كوچي കൊച്ചിയിലെ ജൂതന്മാർ وهم يهود كِرلا، ذات المنطقة التي تحوي على مسيحيّين سريان يعتقدون بأنّهم نسل مهاجرين من العراق في أيّام المسيحيّة المبكّرة، بسبب حمل بعض عائلاتهم للقب البغدادي. وكذلك هم اليهود في مَلابار يعتقدون بأنّهم في كِرلا منذ أيّام الملك سليمان. عموماً، تشير الوقائع إلى أنّ يهوداً من اللادينو نزحوا عن إمارة غرناطة سنة 1492 ثمّ استقرّوا في مدينة كوچي، فلقّبهم المحلّيّون بعبارة اليهود الأجانب (پرادِسي) واشتغلوا بالتجارة مع الأوروپيّين بحكم إجادتهم للّغة الإسپانيّة. ثمّ انضمّ لهم يهود عرب هاجروا فعلاً عن العراق خلال القرن 19 وما زالت اللّغة العربية حيّة بينهم إلى اليوم.

بيت إسرائيل ቤተ እስራኤል وهم يهود إثيوپيا. يُعتقد أنّهم في إثيوپيا من أيّام مملكة أكسوم، كما تقول الأسطورة الشعبية بأنّهم من نسل الملك “منليك الأول بن سليمان” ملك سبأ بعد وفاة والدته الملكة بلقيس، وهو الملك الذي استقلّ بإثيوپيا عن اليمن. ما يدفع للاعتقاد الشائع بأنّ إسرائيل التاريخيّة هي جزء من إثيوپيا المعاصرة وليست فلسطين. أمّا جينيّاً فهم بأغلبهم على التحوّر A-Y23865 الذي يشير إلى أنّهم محلّيّون يشاركن محيطهم الجينات الإثيوپيّة والكوشية وجنوب العربيّة، بينما يتشارك 20٪ منهم فقط جينات عربيّة كنعانية تعود إلى عصر البرونز. عموماً، هم هاجروا جميعاً إلى إسرائيل خلال الفترة ما بين 1979 و1985.

بني يعقوب (أبأيودايا) Abayudaya هم طائفة يهودية تشكّلت في مدينة مباله شرق أوغندا سنة 1919. وهم نسل وجماعة سياسي اسمه سِمي ككُنگُلُ Semei Kakungulu. سنة 1880 تحوّل ككُنگُلُ إلى المسيحية طمعاً بأن تُنصّبه بريطانيا ملكاً على جزء من أوغندا. سنة 1913 تحوّل إلى المذهب الملكي (الملكاني) السرياني، ثمّ سنة 1919 وقع في خلاف مع كنيسة “مجتمع الله القدير” الملكانيّة بسبب الختان. إذ قرأ ككُنگُلُ في العهد القديم عن أمر موسى بالختان ورغب بختان ابنه. لكن الكنيسة اعترضت ورأت أنّ هذا تشبّه باليهود، فخرج ككُنگُلُ عن الكنيسة وقال “أنا يهودي” وأمر أتباعه بترك الكنيسة والتحوّل إلى اليهودية.

صورة لتدريس الحاخام آشي في أكاديمية السورة في بابل
صورة لتدريس الحاخام آشي في أكاديمية السورة في بابل

بكلّ حال، من جهتي أعتقد أن تاريخ الديانة اليهوديّة ونشوء مؤسّستها يبدأ فعلاً في العراق، ولا أقصد هنا وقائع الأحداث الأسطوريّة، إنّما أقصد المأسسة ونشوء الهيكليّة الدينيّة. وهي فترة الأحبار הֲלָכָה التي يتحدّث عنها التراث العربيّ، وتسمّى كذلك فترة الحكماء חז”ל في الأدب العبري. وتبدأ هذه الفترة حوالي سنة 250 ق.م حين نشأ مجلس للديانة اليهودية في بابل واستمرّت في المدينة حتى القرن السادس، حين هُجرت بابل بعد حوالي تسع قرون من نشوء المؤسّسة اليهوديّة. 

في هذه المؤسّسة البابلية كُتب التلمود، وهذا سبب تبنّي اللّغة العبريّة للحرف الآرامي المربّع، وهو الحرف الذي كان سائداً في العراق في فترة نشوء المؤسّسة في القرن الثالث قبل الميلاد. وكان التلمود قد جُمع فعلاً خلال عهد أئمّة السبورا סבורא ما بين سنوات 550 و 630. ولهذا نلاحظ التشابه العميق بين العبرية والسومريّة، لهجة جنوب العراق ولهجة بابل كذلك، ما يفسّر فترة انشقاق العبريّة عن الآراميّة (البابليّة). مع اعتبار أنّ كلّ طوائف اليهود في منطقة الشام في تلك الفترة كانت من طيء وبقيت قراهم من طيء حتّى فترة متأخرة من القرون الوسطى.

وإذا كان الحال هكذا، فإنّ اليهود الأصلاء، من غير المتحوّلين إلى اليهودية، هم فعلاً عرب عاربة، ومن طيء. والأجدر بهم برأيي أن يعودوا إلى جذورهم العربية فيتّحدثن اللّغة العربية ويحتفلون بآدابها. تماماً كما كانوا في العصور العربيّة الذهبيّة.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *