الغضب: الشعور الضال

Drawing @ilokunst IG

كما هي منشورة على مدوّنة ليس اختياراً

قبل عدّة ملايين من السنين بدأنا أوّل مشاعر الغضب. كنّا حيوانات تسعى لحماية وجودها من الموت، فابتدعت عقولنا برنامج الغضب. لحظات ثورة تختلف عن الخوف والذعر والحزن، إنّما هي لحظات يستهلك فيها الجسم الحيّ كميّة كبيرة من الطاقة لمواجهة خطر أكبر والقضاء عليه. الغضب هو أحد أبسط العواطف التي وبسبب قِدمها، نتشارك وجودها نحن البشر مع الكثير من الكائنات الحية على هذا الكوكب… قد لا نتشارك الغضب مع العناكب مثلاً، لكنّ دلفيناً غاضباً قادرٌ على هزم قرش ضخم قاتل. ويتميّز الإنسان عن العديد من غيره من المخلوقات بحفظ ذاكرة طويلة الأمد للغضب. إذ قد يبق الغضب مستعراً في قلب إنسان لأشهر وربّما لسنوات، حتّى ينام في سبات ثمّ يستيقظ من جديد كلحظته الأولى.

ومع ذلك، من الواضح لمعظم الناس أنّه كان من الممكن تجنّب العديد من المآسي، لو أُزيل عامل الغضب من المعادلة. لولا الغضب، لربّما نلجم ألسنتنا ولا ننتقد صديقاً لنا، وبذلك لا نلحق الضرر بالصداقة ما بيننا. وبالمثل، ربما حافظ شاه خوارزم على مملكته، وكذلك على حياة الملايين من شعبه، لو كان هو أو جنكيز خان قد حافظوا على تصرّفات أكثر هدوء. وعلى الرغم من أنّ الغضب قد يكون مفيداً في برّية الأرض الفتيّة، إلا أنّه يبدو اليوم أنّه سبب العديد من مشاكل البشرية، إن لم يكن معظمها. لأنّه يولّد المزيد من الغضب، وينتشر مثل شيء يشبه الڤيروس، ويلتهب بالعقول والعلاقات محوّلاً كلّ شيء إلى هباب.

الغضب هو حالة عاطفيّة غير سعيدة ناتجة عن الشعور بأنّ شيئاً منّا قد تمّ انتهاكه. على عكس الخوف أو الحزن، فإنّ تأثير الغضب هو تحفيز لنا على العمل على مواجهة مصدر الضيق والانتهاك. على سبيل المثال، غالباً ما نشعر أنّ لغضبنا هدف يجب تحقيقه. وهذا هو سبب ارتباط الانتقام بالغضب ارتباطاً وثيقاً. الناس الذين لا يغضبون لا يسعون للانتقام. عندما نغضب من أنفسنا، فإنّنا غالباً ما نفرض عقوبات على شخصنا. عندما تزعجنا الأشياء غير الحيّة، فإننا نُستفزّ حد تدميرها ورميها بعيداً. وهكذا، عندما ندرك خطأً ما، يظهر الغضب على أنّه المشاعر غير السارّة التي توجّهنا إلى العمل ضدّ هذا الخطأ.

سمة الغضب التفاعلية تعني أنّه أسلوب تفكير أناني، متمحور حول الذات. نحن نغضب ردّاً على أخطاء نراها ترتبط بنا. مع ذلك، غالباً ما نشعر بالغضب لأسباب لا ترتبط بنا بشكل مباشر. مثلاً قد تشعر بالغضب إذا رأيت شخصاً ينال لكمة على فمه… تماماً كما لو أنّك أنت من يتلقّى هذه اللّكمة. ماذا يحرّك هذا الغضب؟ في الواقع، غضبك هنا هو رد فعل تلقائي حين يستشعر عقلك خطراً قد يصل إليك. أي أنّ شهودك اللّكمة أمامك ينبّه دماغك إلى أنّ هذا خطر قد يصيبك أنت الآخر بلكمة مشابهة إن لم تستبق الأحداث وتبادر أنت إلى الانتقام من الشخص الضارب… الانتقام ليس للمضروب إنما حماية لنفسك من انتقال الخطر إليك. تماماً كما تدفع الحيوانات مفترساً عن واحد منها حماية لذواتها من المفترس نفسه، فهذه الحيوانات تغضب على المفترس لأنها تستشعر خطراً بوجوده.

إنّ الطبيعة الأنانية للغضب، مقترنة بدوافعه للفعل، هي التي تجعل الغضب شديد الخطورة. إنّه يشوّه تصوّراتنا الأخلاقية للوقت الحالي فينتج عنها قرارات قد نأسف عليها مباشرة أو بعد سنوات عديدة. الغضب متسرّع وغير حكيم، وهو كذلك أعمى وجاهل. الغضب، باختصار، هو الحالة المزاجية غير السارّة التي ندخلها عندما نواجه تهديداً غير مقبول، بحيث يمكننا القضاء عليه وضمان بقائنا.

لكن، هل تتمحور كلّ الحياة حول البقاء فقط؟

عادة يحمي الغضب الأمم. من التاريخ نتعلّم أن أولئك الذين انكمشوا وتجنّبوا الصراع ولم يتمكّنوا من الارتقاء إلى مستوى المنافسة، قُتلوا وزالوا من الوجود. لذلك يبق الغضب على الدوام أداة لا غنى عنها في نطاق الدفاع عن النفس. مع ذلك، نجد أن التعاون أكثر فعالية بالنسبة لنا من المنافسة. إنّ الحاجة إلى كبح جماح غضبنا تستند إلى التغييرات في لعبة الحياة. واقع الحياة الذي خلقناه لأنفسنا أزال أي أساس أخلاقي فد يبرّر الغضب. 

ماذا سنخسر؟ قد يكون هذا السؤال هو أبرز ما يجب أن يطغى على التفكير في لحظة غضب وقبل التصرّف. ما سأخسر؟ “أي شيء وكلّ شيء”، الغضب يدفعني أحياناً لتفضيل إجابة “كل شيء، ولا بأس” وهو ما يتحكّم بكلّ تصرّفاتي التالية. نحن نغضب لنفقد شعبيّتنا، ولتقويض سعادتنا، ولتصعيد الأخطار، ولجرّ الأبرياء إلى أسفل معنا. هذه كلّها نتائج غير مرغوب بها. لذا ومن أجل ترويض غضبنا، من المهمّ أن نفهم مدى اتّساع وشمول تكاليفه.

فقدان الراحة والسعادة الذي نشعر به حين نغضب قد يبدو لا شيء، لكنّه في الواقع خسارة تنبغي مراعاتها. جسم الإنسان هو موارد محدودة. ومن بين خلطة المشاعر التي نشعر بها معاً؛ فإنّنا نحرم أنفسنا من أقصى درجات السعادة عندما نكون غاضبين. وكمثل أجسامنا، حياتنا أيضاً محدودة. كلّ لحظة نضيّعها في غضب هي لحظة ضائعة كان يمكن أن نقضيها بسعادة. عندنا تنتهي الأخطار التي جعلت الغضب ضرورياً، فإنّنا بعدها نغضب بلا داع. لذا قد يكون الغضب هو أسوأ وسيلة تخدمنا في أغلب الأوقات.

الغضب كذلك ضار على المدى الطويل، هو استنزاف للطاقة الذاتية وهدر لموارد الحياة. 

من تجاربي لمست حقيقة أنّ “الخطأ لا يصحّح الخطأ” إذ أنّ “خطأ + خطأ => خطأ بالضرورة”. والغضب في كلّ الاعتبارات هو خطأ، ولن يكون أبداً حلّ جيد ولا تصحيح مقبول لخطأ مقابل. وكل ما هو مطلوب لتجاوز هذا الخطأ هو أن نراقب عواطفنا بعناية أكبر. ثمّ نتعلّم مهارات التكيّف معها والتعامل مع وجودها. فكم هو عدد العلاقات التي كان من الممكن حلّ مشاكلها بكلمات أكثر صبراً، بدل أن تتآكل حدّ الانهيار لأنّها عولجت بالغضب؟ 

في النهاية، يقع على عاتقنا كأفراد أن ندرك أن غضبنا مُعدي، وأنّنا بإظهاره نوقد له في الآخرين ونفتح الباب على تسربل الغضب في من هم من حولنا. عندما نضبط غضبنا بحذر فإنّنا نساعد الآخرين من حولنا كذلك على كبح جماح غضبهم. وطالما أنّنا ندرك أنّ إغضابنا لشخص آخر لا يشعرنا بالسعادة، فلماذا نفضّل التصرّف بطريقة تؤدّي إلى هذه النتيجة؟

تكاليف الغضب هائلة، على الرغم من اشتعاله وبسرعة لفترة قصيرة. لذا فإنّ وجود حياة صحّية هو أمر مستحيل مع وجود الغضب.

بسيطرتنا على غضبنا، نمتلك أدوات لازمة لعيش حياة ذات مغزى وقيمة أكبر. يمكنّنا أن نفهم آلامنا وملذّاتنا بمزيد من الوضوح. يمكننا احترام احتياجاتنا وتقليل الأخطاء التي تعيق تلبية احتياجاتنا. بواسطة كسر الدافع الأناني الذي يمثّل الغضب، يمكننا رفع قيمة قيمنا أكثر وتحسين قراراتنا بالتالي. يمكننا رفع قيمة قرارتنا في أعين الآخرين، ما يدفعهم لتلبيتها بحب، بدلاً عن تلبيتها بخوف. فالخائف لا يحترم قراراتك، وسيستغلّ أيّ فرصة لهدمها والانقلاب عليها.

ختاماً. أيّ شخص على فراش الموت لا ينظر إلى الوراء ليتمنّى لو عاش حياته غاضباً أكثر، على العكس سينظر إلى الوراء ويتمنّى لو عاش حياة فيها غضب أقل. فلماذاً إذاً تتقبّل اليوم الغضب بسهولة؟ عندما نتذكّر أنّ الغضب ما هو إلّا وهم تطوّري، يمكننا حلّ مشاكلنا بشكل مختلف وأكثر تطوراً. أولئك الذين يشعرون أنّ الغضب ضروري للردّ على الأخطار في العالم المعاصر لم يُعِدّوا أنفسهم على الوجه المناسب، هم بدائيّون أكثر، ولم ينظروا إلى دواخلهم للتفكير بما هو قيّم فعلاً. أولئك الذين يستطيعون الارتقاء إلى مستوى الحدث دون ضباب المرارة سيعرفون المعنى الحقيقي: أنّ التحرّر من الغضب هو عيش الحياة حتّى آخر قطرة.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *