مدن مقدّسة في الشرق الأوسط

في الأسابيع الأخيرة اشتغلت على دراسة لتحديد مواضع المدن المقدّسة في الشرق الأوسط. في الواقع هذا بحث أعمل عليه في السنوات الأخيرة لدراسة الأديان البائدة. لكن، في هذه الخارطة أهمّ مافي الموضوع، وهو تحديد مواضع المدن المقدّسة.

وما أقصده بعبارة مدن مقدّسة، أي المدن التي تشدّ الناس إليها الرحال بغرض الحج والزيارة الدينية. والحجّ هو رحلة يقوم بها إنسان لزيارة مكان مقدّس أو رحلة دينية دون زيارة مكان مقدّس. ولم ألتفت في هذه الخارطة إلى المدن ذات التقديس على المستوى المحلّي، إنّما قصرتها على المدن ذات التقديس على المستوى الدولي، التي قد تسافر إليها الناس من أراض بعيدة، وتعتبر حجّها من طقوس دينها وفرائض عباداته.

المدن في هذا البحث 28 مدينة. 4 في إيران، واحدة في الأردن، 2 في السعودية، 7 في العراق، 3 في اليمن، 4 في سوريا، واحدة في فلسطين، واحدة في لبنان، و5 في مصر. وصنّفت قوائم هذه المدن هنا إلى ثلاث فئات: 

  • 5 مدن حيّة ولم تزل على قداستها.
  • 18 مدينة لم تزل حيّة وقد زالت عنها القداسة وانتهت أديانها.
  • 5 مدن ماتت، فزالت عنها القداسة ورحل عمرانها.
خارطة مدن مقدّسة في تاريخ الشرق الأوسط
خارطة مدن مقدّسة في تاريخ الشرق الأوسط

في التصنيف الأوّل نجد أنّ المدن المقدّسة المعاصرة جميعاً ترتبط بديانة الإسلام، سواء على الصف السنّي أو الشيعي أو الاثنين معاً. وهي مدن:

  1. مكّة في السعودية. حيث الكعبة وطقوس الحج الإسلامي الرئيسة. عمرها غير معروف. واسمها القديم وفقاً للإغريق ما قبل العصر الروماني هو مَكورابه Μακοράβα وهو ذاته في اللاتينية بصيغة مَگوربه Macoraba (مَقوربه).
  2. المدينة المنوّرة في السعودية. أُنشئت في القرن 9 ق.م. اسمها المعروف قبل الإسلام هو يثرب ومذكورة في التدوينات السريانية والعبرية باسم يثرو ܝܛܪܘ. غيّر رسول الإسلام محمّد اسمها إلى طيبة، وتحوّل اسمها في عهد الدولة الأيّوبية إلى المدينة المنورة.
  3. القدس في فلسطين. أُنشئت حوالي 3000 ق.م. اسمها القديم هو يبوس أو جبوس وذكرتها الدولة السريانية باسم أورشالِم ܐܘܪܫܠܡ  وكتبها الصُغديّون أُر-إشْليم. بينما وردت في الكوينيّة باسم إيروسَليم Ιερουσαλήμ (هيروسَليم) وهو الاسم الذي دخل اللاتينية بصيغة هيروسولُيمه Hierosolyma.
  4. كربلاء في العراق. أُنشئت حوالي سنة 680 كمقبرة. ذكرها ياقوت الحموي باسم “الكربلات” من فعل الكربلة، ويقول البعض أنّ أصل التسمية هو تحوير عن عبارة “قربان الإله”، والبعض الآخر يقول بأنّها تحويل تسمية “كور بابل”، ويقول البعض أنّها في الأصل قرية بابلية قديمة كان اسمها كُرْبَلِّه سكنها النازحون عن نينوى في القرن 7 ق.م، بينما تقول المراجع الشيعية أن أصل التسمية هو دمج كلمتين كرْب وبلاء.
  5. مشهد في إيران. عمرها غير معروف، ومدفون فيها الخليفة هارون الرشيد والإمام علي الرضا. كان اسمها طوس وهي المدينة التي خرجت منها الأسرة الأشكانية وأنشأت الإمبراطورية الپارثية وسمّاها الپارثيّون پاتیگرابانا، وبقيت مدينة أرستقراطية تركيّة إلى أن فرض عليها المغول الحصار ومنعو إعمارها لتموت من الجوع. ذُكرت في الإغريقية باسم سوسياء Σούσια وفي اللاتينية باسم الإسكندرية Alexandria وكذلك Alexandropolis أي عاصمة الإسكندريّين. وقبل تغيير اسمها إلى مشهد في العهد الصفوي كان اسمها سناباد. في الواقع سناباد (مشهد الحالية) كانت قرية تبعد حوالي 24 كلم عن طوس، ولمّا حاصر المغول طوس نزح أهلها إلى سناباد وصارت فيها مدينتهم البديلة، والعديد من المشاهير باسم الطوسي هم أصلاً من سناباد.

مدن لم تزل حيّة وقد زالت عنها القداسة وانتهت أديانها:

  1. آشور في العراق. أُنشئت حوالي 2500 ق.م. لفظ اسمها الأصلي هو أشُّر 𒀭𒊹𒆠 ويعني مشرق الشمس. واسمها اليوم هو الشرقاط. ذُكرت في السريانية باسم أشور ܐܫܘܪ وفي الإغريقية باسم سوريه Συρία وفي اللاتينية أسّوريا Assyria. دُمّرت وهُجرت المدينة بأمر الإيلخان المغولي سنة 1258، وعمرها بدو العرب لاحقاً.
  2. أسوان في مصر. أُنشئت سنة 690 ق.م. اسمها في الأصل سوِنِط وفي القبطية سُوان Ⲥⲟⲩⲁⲛ وفي الإغريقية سييني Συήνη. في عهد دولة قرطاج وصلت أسوان ديانة قرطاج التي تبجّل علّيسة (إليزا) كشفيعة لعبادها. وبعد سقوط قرطاج ودمارها سنة 146 ق.م انتقلت قداستها إلى أسوان وصار معبد الحبيبة على جزيرة فيلة (الحبيبة) هو المعبد الرئيس لتقديم شعائر التبجيل لشفيعة الفنيقيّين عِلّيسة. التي عرفها المصريّون في العهد القبطي (الپطولمي) باسم إيسه Ⲏⲥⲉ. استمرّت عبادتها وقداسة أسوان حتّى القرن الخامس حين أكرهها الإمبراطور جستين الأول Ἰουστῖνος على المسيحية وأمر بتحويل جميع المعابد إلى كنائس، وانتهت هكذا ديانة قرطاج.
  3. الإسكندريّة في مصر. أُنشئت حوالي 1400 ق.م. اسمها الأوّل هو رَگاطِت وكانت مدينة عسكرية للعرب المضريّين في خدمة ملك مصر. ذكرها الإغريق قبل العهد الهيليني باسم ركاتِس Ῥακῶτις وكانت قاعدة عسكرية لهم في العهد الأخميني، ثمّ غيّر الپطالمة اسمها إلى الإسكندرية Αλεξάνδρεια طمعاً بجعلها مدينة خليفة الإسكندر، ولمّا فشل الپطالمة في مسعاهم تأسّست في المدينة ديانة سيراپيس Σέραπις الشافي المعافي، وهو ذاته الذي عبده بعض العرب باسم عُزير وسمّاه القبط أُزيرخَپي ⲟⲩⲥⲉⲣϩⲁⲡⲓ. اسم الإسكندرية في القبطية ركات ⲣⲁⲕⲟϯ.
  4. بابل في العراق. أُنشئت حوالي 2300 ق.م باسم بابِلِم 𒆍𒀭𒊏𒆠. اسمها اليوم الحلّة وهي المدينة التي نالت أعظم مكانة دينيّة عبر العصور، وقصدها الحجّاج من كل أصقاع العالم القديم بلا استثناء، تماماً كما هي اليوم مكّة. اسمها بلغة أهلها ܒܵܒܹܠ وفي السريانية 𐡁𐡁𐡋 وفي الإغريقية Βαβυλών وهو الذي صار في اللاتينية Babylon. هُجرت بابل في القرن السادس حين ثارت على الساسان فدمّروها، وأعيد عمرانها بالعرب فيم بعد.
  5. الرُصافة في سوريا. أُنشئت حوالي 800 ق.م وكان اسمها رَشَپَّه وذكرها الإغريق باسم رصافه Ρεσαφα. نالت قداستها لكونها محجّ المسيحيّين الأوّل وكان فيها معبد القدّيسين سرگيس وباخوس شفعاء العرب. لقداستها سمّاها البيزنطيون سِرگيوپوليس Σεργιούπολις وتحوّر هذا الاسم في اللاتينية إلى Anastasiopolis.
  6. الرقّة في سوريا. أُنشئت حوالي 2000 ق.م وكان اسمها تُتُّل بمعنى التلال واسمها السرياني ܬܬܠ. نالت قداستها لكونها محجّ الفنيقيّين الأوّل من كلّ مكان لوجود معبد داگون (دجن) فيها. وقدّسها كذلك كل من كان على ديانة الفنيقيّين، كالإغريق والمقدون والصوماليّين واللاتين الأوائل. غيّر السلوقيّون اسمها إلى نِكِفوريُن Νικηφόριον وكان ملوك السلوقيّون يجدّدون ويرمّمون المدينة تقرّباً إلى الله. اسمها في اللاتينية گلِّنِگُم Callinicum. دمّرها المغول سنة 1258 فانتقل أهلها إلى حلب. ولمّا حضرها بدو العرب وجدوا انبساط هضبتها كأنّها مرقوقة بمطرقة فأطلقوا عليها اسم الرقّة (الرگّة).
  7. لارسه في العراق. أُنشئت حوالي 2800 ق.م. اسمها الأصل هو لَرْسَم 𒌓𒀕 واسمها اليوم هو الصنكرة. كانت محجّ الأمورو العرب لوجود صنم ربّ الأمورو فيها (واسمه أمورو). ويُعتقد أنّ الأمورو حضروا إلى العراق ولم يكن في ديانتهم عادة الحج، ثمّ قلّدوا السومريّين وجعلوا لهم مدينة مقدّسة في بلاد السومريّين. هجّر ملوك الأمورو أهلها إلى بابل سنة 1674 ق.م مع نقل قداسة لرسم إلى بابل.
  8. آتِن في مصر. اسمها المعاصر هو العمارنة نسبة إلى عرب العمارنة الذين عمروها حديثاً. وفيها موقع تل العمارنة أهمّ موقع أثري مصري حالياً. بناها ملك مصر سنة 1346 ق.م لتكون محجّاً لعبادة آتِن (آتون) وسمّاها أخيتاتُن أي “أُفق آتِن”، لكنّ المدينة سرعان ما هُجرت مع وفاة الملك سنة 1332 ق.م وبقيت محجّاً سنوياً للرهبان من جماعته دون عمرانها.
  9. الموصل في العراق. أُنشئت حوالي 6000 ق.م وبقيت مدينة غير ذات قداسة إلى أن أنشأ فيها الملك نينو معبداً مقدّساً (بحسب الأسطورة) نقل إليه قداسة أشُّر فصار اسمها نِنوا 𒌷𒉌𒉡𒀀. والمدينة هي مهد اللّغة السريانية الكلاسيكية. ذُكرت بالسريانية باسم نَيْنَوَىٰ ܢܝܼܢܘܹܐ وكذلك ܚܨܢܐ ܐܒܪܐܝܠ وفي الإغريقية باسم نينو پوليس Νίνου πόλις أي عاصمة نينو. وفي اللاتينية نِنيڤيه Nineveh نقلاً عن الاسم الساساني. وانتشرت قداسة نينوى في عزّها من وسط آسيا حتّى غرب المتوسّط. دمّرها المغول سنة 1258 ثمّ عمرها العرب في العهد العثماني.
  10. الوركاء في العراق. أُنشئت حوالي 3500 ق.م وكان اسمها أُرأُگ 𒀕𒆠 أي “المدينة العرش” ويلفظها العرب اليوم أوروك، واسمها في الأصل دمج كلمتين من الأگدية هنّ أُرُ 𒌷 بمعنى مدينة وكلمة أُگُ (أق) بمعنى عرش. ومن أسمائها كذلك أُنأُگ 𒀕 بمعنى عرش العرش. بناها العرب محجّاً لديانة أنُ 𒀭 وهو خالق الدنيا وواهب عشتار ابنها شرى 𒀭𒆠، الذي صارت له ديانة فيما بعد وعبدت الابن ذو شرى. وكانت أُرأُگ مدينة تعوم على قنوات الماء فلا شوارع فيها لغير الزوارق، وأُرأُگ هي مهد نظام الكتابة المسماري. اسمها في البابلية אֶרֶךְ وفي السريانية ܐܘܿܪܘܿܟ وفي الإغريقية Ὀρχόη وفي اللاتينية Orkhoē. هُجرت في القرن الثامن نتيجة فيضان وأعيد عمرانها في عهد الدولة المشعشعيّة.
  11. حمص في سوريا. أُنشئت حوالي 2000 ق.م ثمّ صارت أهمّ مدن عبادة النيازك (إيل گبَل) في العهد السلوقي، وعبادة النيازك هي مذهب خرج في الأساس عن ديانة أنُ 𒀭 وعبادة الشمس، على اعتبار أنّ النيازك هي سواقط مرسلة من أنُ. ومع قداسة المدينة صار اسمها إميسه أي الشمسيّة (إ (الـ التعريف) + مي (شمس) + س النسبة + هـ التأنيث). بدأت قداسة المدينة في العهد السلوقي مع بناء أكبر معابد النيازك فيها وفيه احتُفظ بالحجر الأسود محمولاً على عربة ذهبية تجرّها أربعة خيول من الذهب وتقودها الربّة مي وتمثالها كذلك مصبوب من الذهب. صار للمدينة ولديانتها مجدها الأعظم في العهد الروماني ومنذ تحالفت مملكة حمص مع الجمهورية الرومانية سنة 46 ق.م وانتشرت ديانة إيل گبل Elagabalus في ربوع الإمبراطورية الرومانية حتّى وصلت بريطانيا، وهي ذاتها الديانة التي عبد فيها بعض العرب ربّاً اسمه العزيز، وهو اسم ثاني ملوك السلالة الحمصيّة المقدّسة. بقيت ديانة إيل گبل حيّة حتّى القرن الرابع حين تحوّل أتباعها جميعاً إلى المسيحية، وفقدت حمص آنذاك قداستها الدينية. قامت الديانة الحمصية على الفلسفلة. وكانت آخر معابد إيل گبل قد أُغلقت في الإسكندرية في مصر وفي أثينا في اليونان في القرن السادس. وآخر قدّيسة (فيلسوفة) معروفة من السلالة الحمصية المقدّسة عاشت في الإسكندرية باسم ثيودورا الحمصية Theodora of Emesa. اسم حمص السرياني هو ܚܡܬ واسمها الإغريقي Ἔμεσα وفي اللاتينية Emesus.
  12. دمشق في سوريا. أنشئت حوالي 6300 ق.م في الأساس كمعبد ولم تكن قبلها لا قرية ولا مدينة، إذ أنّ المنشأة كانت مكرّسة في الأساس للتنسّك والعبادة. تماماً كمدينة أوام اليمنية. وكان اسمها في البداية شَعِميرِشُ 𒐼𒄿𒈨𒊑𒋙𒌋 وتحوّل لاحقاً مع تحوّلها إلى مدينة إلى دِي ماسقه 𒁲𒈦𒀸𒋡 وتعني المُصلّى (أو ذات القُدّاس). في العهد الفنيقي كُرّس معبدها لداگون وصار لها قدّاس شتوي يردّ على قدّاس صور الصيفي. فكان على الملك الفنيقي أن يتبرّك في دمشق كل عام ثمّ يعود إلى عرشه في صور. اسمها في السريانية ܕܰܪܡܣܘܩ وفي الإغريقية Δημητριάς وفي اللاتينية Damascenus وهذه الأخيرة تعني المحفليّة (القُدّاسية).
  13. رأس الحمري في اليمن. هو موقع على جزيرة سقطرى اسمه بعربية الجزيرة “راس دي حمري” أي رأس الأحمر. تقول المعتقدات اللاتينيّة وراثة عن الپونيقية بأنّ الديوسكوري قد وُلدوا فيها. لهذا السبب كان اسم الجزيرة في عهد الإمبراطورية الرومانية هو ديوسكورِيدو Dioskouridou التي تعني في عربيّتنا اليوم الديوسكوريّة. والاسم اللاتيني تحوير عن النبطي “ذو صَكوريد” ܕܝ ܣܟܘܪܝܕ وهو ذاته الاسم السبئي 𐩹𐩥|𐩮َ𐩫𐩥𐩧𐩺𐩵 . الديوسكوري Διόσκουροι هم في الواقع معبودين اثنين، يعني اسمهم من اللّغة الإغريقية “أبناء زِوس” وطالما أنّ زِوس الإغريقي هو ذاته داگون الفنيقي بعد أن تعلّم الحرث والزراعة. إذاً الديوسكوري گاستُر Κάστωρ وپوليذيسيس Πολυδεύκης هم ابني داگون الفنيقي. عرفهم التراث الإغريقي واللاتيني بالإلهين التوأم، حُماة البحّارة وأمهر الخيّالة. وكانت الإمبراطورية الرومانية تحتفل بيوم الديوسكوري في يوم 15 تمّوز يوليو من كلّ عام بعرض عسكري كامل في مدينة روما. وفي التراث الروماني والفينقي، محجّ الديوسكوري ومعبدهم الأوّل هو في قرية رَاس دي حمري (رأس الحَمري) في جزيرة سُقطرى.
  14. شوش في إيران. أُنشئت حوالي 4400 ق.م باسم شَوْشَن 𒈹𒂞𒆠 واسمها معناه الخضرة والنماء وذات الكلمة بذات المعنى استعملها الفنيقيّون كذلك والبابليّون ما يشير إلى أنّها ربّما مدينة فنيقية الأساس. صارت مدينة مقدّسة للديانة الإيلامية وانتشرت عباداتها على طول جنوب آسيا وسواحل بحر العرب. وبقيت خصوصيّتها كمملكة سوسياء حتى القرن الثالث حين قضى عليها الساسان وفرضوا فيها اللّغة الپهلويّة. لكن قبل ذلك، سنة 1218 ق.م دُمّرت المدينة وزالت قداستها وتحوّلت إلى الديانة السريانية. اسمها في السريانية شوش ܫܘܫ وفي الإغريقية سوسه Σοῦσα.
  15. صنعاء في اليمن. عمرها غير معروف. اسمها في الأصل صنعو 𐩮𐩬𐩲𐩥 وكانت محجّاً لديانة عشتار (عثتر) ينتشر حجيجها ما بين پاكستان وتشاد المعاصرات وكان لها عباد كذلك في القوقاز. اسمها في الإغريقية إقّليسيا ἐκκλησία ويعني بيت الدعاء أو النداء، وهي ترجمة لدعوة الناس كي يحضروا من كلّ مكان إلى الحج. وعن التسمية الإغريقية تحوّرت التسمية السريانية قليسيا ܟܠܹܣܝܐ والقبطية إقليسيه ⲉⲕⲕⲗⲏⲥⲓⲁ واللاتينية إگّليسيه ecclēsia والفارسية كِليسا والتركية كِلِسى… ومن تحوّراتها كلمة كنيسة وكنيس. ويعرف العرب فيها موضع القليس، وهي الكنيسة المقدّسة القديمة.
  16. صور في لبنان. أُنشئت حوالي 2750 ق.م وكان اسمها شُر 𐤑𐤓 ثمّ كُتبت شور 𐤑𐤅𐤓 فهي على اسم آشور دون تعريف. بعد تطوّر عبادة العنقاء صار اسمها طيره لأنّها عرش العنقاء، وعنه صار اسمها في الإغريقية تيرُس Τύρος وفي اللاتينية تورُس Tyrus. اسمها في البابلية (الآرامية) طور טור. وكانت مدينة مقدّسة لعرش الفنيقيّين، يؤمّها الحجيج على ديانة داگون بعد زيارة معبده الرئيس في الرقّة والمرور في دمشق.
  17. الأقصر في مصر. أُنشئت حوالي 3200 ق.م واسمها الأصل واسِط. وهي أكثر المدن زيارة ما بين العهدين الأسوري والروماني على موازاة بابل. ولكونها مدينة محج اكتسبت ثروات هائلة حتّى صارت مليئة بالمعابد والقصور، وهو سبب تسميتها العربية الأُقصر. وفي أيّام عزّها كانت مضرب المثل حول العالم برخاء العيش وفخامة التقاليد. اسمها القبطي پاپه ⲡⲁⲡⲉ ومن أسمائها العربية كذلك طيبة ويقترن به الاسم الإغريقي ثيباي Θῆβαι وعنه الاسم اللاتيني Thebais Superior. فقدت الأقصر قداستها في العهد الپطولمي لصالح ديانة سيراپيس في الإسكندرية.
  18. ميت رهينة في مصر. أُنشئت حوالي 2700 ق.م تحت اسم “من نفر” وصار اختصاراً مَنْف. اسمها القبطي ⲙⲉⲙϥⲓ وفي الإغريقية ميمفِس Μέμφις وهو كذلك في اللاتينية Memphis. والمدينة كانت محجّاً لعباد پتاح شفيع الحرفيّين والبنّائين، والتعبّد في ديانة پتاح كان بالعمل والصناعة والبناء ما جعل المدينة عاصمة صناعية لمصر القديمة، وأحد أهمّ المراكز التجارية في الشرق الأوسط. اسم پتاح في المصرية القديمة پتَخ وفي الإغريقية پثا Φθά وفي القبطية پتاح ⲡⲧⲁϩ. فقدت منف قداستها في العهد الپطولمي لصالح ديانة سيراپيس في الإسكندرية ثمّ عانت من الفقر والإهمال في العهد البيزنطي، ثمّ هجرها أهلها وانتقلوا إلى الفسطاط مع بناء المدينة الجديدة في القرن السابع.

مدن المقدّسة سلفاً ماتت فزالت عنها القداسة ورحل عمرانها:

  1. أوام في اليمن. أُنشئت حوالي 1500 ق.م باسم أوم 𐩣𐩥𐩱 لتكون معبداً لعبادة القمر، فهي كانت مدينة دينية صرف، مخصّصة للكهنة والرهبان والطلّاب، وتنتشر فيها الأديرة (التكايا) حول كنيس أوم الرئيس. كانت العادة أن يقصدها طلّاب الشريعة يقيمون ويدرسون فيها ثمّ يرحلون إلى مهامهم الدينية (القضائية) في عموم دولة سبأ. في فترة المكرّب “يدع إل ذريح الأول” (القرن 7 ق.م) صارت أوام محجّاً دوليّاً يقصدها عباد المقه (القمر) من أرجاء واسعة ما بين وسط آسيا وغرب المتوسط. 
  2. البتراء في الأردن. أُنشئت حوالي 7000 ق.م. في عهد الموريّين صار اسمها رقم (رِقِم) وهو الاسم الذي عرفها به الأنباط من حكموا منها دولتهم الواسعة قبل الانتقال بالعاصمة إلى بصرى في العهد الروماني. في العهد الهيليني صار اسم المدينة الشائع شمالاً پِترا Πέτρα وتعني صخرة وعنه في اللاتينية Petra لكن اسمها السرياني كان رقمه ܪܩܝܡܡܘ وفي النقوش المسندية ترد كذلك باسم رقم 𐩧𐩤𐩣. كانت المدينة محجّاً رئيساً لديانة “ذو شرى” ابن عشتار، ثمّ صارت فيها معابد لآلهة مختلفة. لكنّها بقيت محجّاً أساسياً لذو شرى إلى أن هجرها أهلها سنة 687 تحت ضغط المسيحية البيزنطية.
  3. تخت جمشيد في إيران. أنشأها الملك الآري قوريش حوالي 550 ق.م باسم پارسه 𐎱𐎠𐎼𐎿 لتكون محجّاً يقصد به الناس سنوياً عرش الأخمينيّين أنفسهم. فلم تكن للمملكة الأخمينيّة ديانة رسمية. اسمها في الإغريقيّة پيرساپوليس Περσέπολις وأحرقها الإسكندر المقدوني سنة 330 ق.م.
  4. تل المقير في العراق. يسمّي العرب موقعها اليوم أور. أُنشئت حوالي 3800 ق.م باسم أُر أي العرش وذكرتها النقوش كذلك باسم أُرِم 𒋀𒀊𒆠 ما يدفع البعض للاعتقاد أنّها هي نفسها إرم ذات العماد المذكورة في القرآن. حمل ملوكها لقب لُگَل أُرميه 𒈗 𒋀𒀊𒆠𒈠  أي ملك العرش أو ملك أُر. وكانت المدينة من نشأتها محجّاً رئيساً لديانة السومريّين وانتهت قداستها بانتهاء حضور الديانة السومريّة لصالح البابلية. وبقيت مدينة تتخامد حتّى هجرها من بقي من أهلها في القرن الخامس قبل الميلاد.
  5. نقش الرستم في إيران. أُنشئت حوالي 550 ق.م كمدفن حرم لآل قوريش وسلالة الأخمينيّين، ثمّ وفي العهد الهيليني قدّس الزرادشت كعبة في وسط الموقع وصارت محجّاً باسم “بُن‌خانک” ومعروفة اليوم باسم “كعبه زرتشت”، واستمرّت شعائر الحج تنمو فيها حتى سنة 651 حين حكمت الدولة الإسلامية المنطقة وأوقفت شعائر الزرادشتية، وهُجر الموقع.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *