العراق, تاريخ

عشتار الأفعى ملكة ديير العراقية

هذا وجه أفعى جميلة من وسط أفريقيا تسمّى أفعى الأيكة الشوكية، وأحبّها بسبب لونها النادر بين بنات جنسها، لكأنّها تنّين ناريّ بهيّ خارج من الجحيم. وصِفة شوكيّة في اسمها عائدة على شكل حراشفها وليست صفة للأيكة. فهذه الأفاعي البديعة من جنس Atheris hispida متوسّطة الطول وكثيراً ما تعيش في فيافي الأيكات وسط أفريقيا، طولها يتراوح بين نصف متر إلى 73 سم لا أكثر.

أفعى الأيكة الشوكية
أفعى الأيكة الشوكية

من صغري أحبّ الأفاعي ويبهرني شكلها وحركاتها، وأحزن جدّاً إذا ما قُتلت أفعى. الأفاعي في نظري ينبغي أن تكون من حيواناتنا المدلّلة، يحبَّب الأطفال بها في المدارس… على عكس مذهب الأديان الإبراهيميّة إلى التكريه في الأفاعي والإكثار من بغضها بسبب أسطورة. الأفاعي جميلة وودودة ومسالمة وآمنة، إلّا السامّة منها فليس في جوارها أمان، طالما أنّها إذا خافت نفثت سمّها فآذتنا وضرّتنا.

غرامي بالأفاعي ليس حديثاً على مجرى التاريخ. إذ شاركني به العرب وسكّان المشرق القدماء. في العراق مثلاً عاشت قديماً مدينة على تل عقار كان اسمها دِيير 𒌷𒂦𒀭𒆠 وفي هذه المدينة قدّس السكّان الأفاعي واعتبروا أن الأفعى نِرا (نيره) ملكة دِيير وتجسيد وقرين للربّة إشتَرَن 𒀭𒅗𒁲 (عشتروت). انتشرت ديانة دِيير على الضفّة الشرقية لنهر دجلة بين السومريّين والإيلاميين، وتُركت فيها المعابد مراح للأفاعي تعيش فيها وتنعم براحتها دون خوف. 

المزهرية الأصل التي نُقل عنها رسم الأفعى نِرا (نيره) ملكة دِيير تجسيد وقرين للربّة إشتَرَن 𒀭𒅗𒁲 (عشتروت) في القرن 20 ق.م.
المزهرية الأصل التي نُقل عنها رسم الأفعى نِرا (نيره) ملكة دِيير تجسيد وقرين للربّة إشتَرَن 𒀭𒅗𒁲 (عشتروت) في القرن 20 ق.م.

نِرا بالمناسبة كانت أنثى ومع ذلك قالت الأساطير الدِييرية أنّها اتّخذت لها زوجة اسمها مَنزَت (مزِّيَت) كانت تتجسّد في قوس قزح، سمّاها الأگّديّون قَشْتُ وسمّاها السومريّون أحياناً قِشتُ إلى جانب اسم مَنزَت، وقِشتُ كلمة استعملها العراقّيون القدامى اسماً للغابة إلى جانب استعمالها صفة لقوس قزح، إذ كانت الناس آنذاك تصف الغابة بأنّها حزام مقوّس حول المدن كقوس قزح.

قوس قزح هو غابة قوس السماء، قرينة للغابة على الأرض، زوجة وخليلة للأفعى التي يتعبّد لها ويجلّها العراقيّون القدماء في المعابد ويرون فيها تجسيد الله الأنثى! كمّية كبيرة من الجمال في هذه الفلسفة الحاضّة على حبّ الحياة.

رسم الأفعى نِرا (نيره) ملكة دِيير تجسيد وقرين للربّة إشتَرَن 𒀭𒅗𒁲 (عشتروت) في القرن 20 ق.م.
رسم الأفعى نِرا (نيره) ملكة دِيير تجسيد وقرين للربّة إشتَرَن 𒀭𒅗𒁲 (عشتروت) في القرن 20 ق.م.

أفعى دِيير نِرا قرينة إشتَرَن هي الأفعى التي نراها اليوم رمزاً للصيدلة والدواء. ذات الرمز المنقوش منذ القرن 20 قبل الميلاد. أي أنّنا لم نزل نرى الأفعى رمزاً للشفاء على مدى أربع آلاف سنة على الأقل مشياً على رؤى الأقدمين جنوب العراق، وما زلنا نستعمل ذات الرمز الذي رسموه في ذلك الزمن! تركت صورة للنقش في التعليقات. وهذا الرمز ورؤيته نقلته عن السومريّين كلّ الحضارات اللاحقة، شرقاً وغرباً. الآرية والهيلينية والتركية والمصرية، كلّهم شارك السومريّين نظرتهم إلى الأفعى، إلّا الرومان ومن بعدهم المسلمين، حين صارت الأفعى رمزٌ للموت والشر.

في التوراه العبرية، المكتوبة في بابل، نقرأ قصّة الأفعى الشريرة التي أغوت حوّاء في جنّة عدْن لتقنعها بأنّها قادرة على أن تكون كالله. وأقنعتها بأنّ تحذيرات الله غير حقيقة ولن تؤدّي إلى الموت، إنّما هو يخيفها ليحجب عنها المعرفة وهو يعلم أنّها قادرة على أن تصبح خالقة وربّة كمثله، فخدعتها لتأكل من الثمرة المقدّسة فماتت. ثمّ نقرأ في سفر رؤيا يوحنّا في العهد الجديد أنّ الأفعى هي الشيطان نفسه. ثمّ في سفر التكوين تصوّر الأفعى بأنّها مخلوق مخادع محتال، يوسوس بما حرّمه الله، ويمكر بالناس لكيّ يخدعهم إلى سبل المعصية. ثمّ في سفر الخروج تحوّلت عصا موسى إلى أفعى تسعى ثم عادت إلى عصا، كمثال على سحر العين وخديعة البصر. 

في الإسلام فسّر المسلمون حديثاً نبويّاً بأنّ المقصود فيه هي الأفاعي، ويقول الحديث “إنّ بالمدينة جنَّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيّام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنّما هو شيطان”. واختلف الفقهاء من بعدها هل المقصود هو المدينة المنوّرة فقط، أمّ أي مدينة. وهل يطبّق الأمر في المدن فقط ولا يطبّق خارجها، أم يشمل كلّ الأرض، “لأنّ من الحيّات جنّاً وجائز أن يكنّ بالمدينة وغيرها، وأن يسلم من شاء الله منهن” و”الأولى أن تنذر عوامر البيوت كلها، وقد روي ذلك عن مالك، والإنذار أن يقول الذي يرى الحية في بيته: أحرّج عليك أيّتها الحيّة بالله واليوم الآخر أن تظهري لنا أو تؤذينا”. (~تنوير الحوالك 3\143. ~التمهيد 16\263).

هكذا قُرنت الأفاعي في الإسلام بالجن، وتجادل المسلمون هل تقتل فوراً أم بعد إنذار ثلاثة أيّام (حتّى يتبيّن إسلامها) وتجادَل الفقهاء كذلك أيّ أنواع الحيّات تنذر وأيّها تقتل دون إنذار، لكنّهم أجمعوا جميعاً على أنّ أفاعي الصحراء تقتل فوراً وبلا خلاف. وبولغ في الأمر حتّى وصل بأحد مذاهب المتصوّفة إلى امتهان حرفة قتل الأفاعي والتخصّص فيها، والتفرّغ يوميّاً للبحث عن الأفاعي واستخراجها وقتلها؛ ولو هي بعيدة عن سكن الناس. وهذا في رأيي خرق لحرمة من لم يبادر الإنسان بضرر.

من جهتي، تبق الحيّة في نظري وهي وجنس الأفاعي كلّه كائنات لطيفة رقيقة أُبدع في جمالها وتصميمها، وإن آذتنا السامّة منها فبخطأ منّا، أنّنا اعتدينا على بيئتها حتّى جاعت وهدّدنا حياتها في سكنها. من يقتني أفعى كحيوان أليف يعرف تماماً ما أقصد. فالأفاعي تتصرّف في حضن الإنسان كالكلب تقريباً غير أنّها ليست بأقدام سريعة. تلعب وتلهو وتبادل الحبّ بالحبّ، وتستشعر ألم جسدك فتذهب وتلتف عليه أملاً أن تساهم ببعض من الشفاء. هنيئاً لمن عاش وفي حياته صحبة أفعى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s