دير الزور، من مذابح تيمور لنگ إلى قيادة حرب العثمانية على الصفويّين إلى سنجق الزور

اسم دير الزور هو في الواقع امتزاج اسم منطقتين، واحدة مدنية والثانية عسكرية. المنطقة العسكرية هي معسكر أو قاعدة الزور العسكرية، وكانت إلى الجنوب من مدينة دير الزور الحالية. كانت قرية سريانية اسمها زيؤورتا ܙܥܘܪܬܐ (زِورتا) اختارها الجيش العثماني سنة 1517 لتكون مقرّ إدارة لواء الزور، تابعاً لولاية بغداد. ووقعت على عاتق هذا المعسكر إدارة أغلب الحروب العثمانية-الصفوية على العراق.

المنطقة المدنية هي قرية دير الشُعّار، وهو اسم منحه الدمشقيّون للبلدة لكثرة الشعراء فيها خلال فترة تبعية سنجق الزور لولاية شام، وقبل ولاية شام تبع السنجق لولاية حلب وكان اسم البلدة آنذاك دير الرحبة، وهو الاسم العثماني للقرية ونالته نسبة لقلعة الرحبة جنوب الميادين، والسبب ببساطة أنّ إدارة قرية الدير كانت تتبع لقلعة الرحبة، وكتبها العثمانيّون آنذاك ”دير الرهبه“. أمّا اسم البلدة على لسان أهلها فكان دير الرمّان، وهو الاسم الذي ذكرها فيه ياقوت الحموي سنة 1228، واستمرّ إلى أن تغيّر في العهد العثماني. 

كان قد شاع اسم الدير بدير الرمّان بسبب شهرة رمّان الدير ونوعيّته الممتازة. وتذكر حكاية هذا الرمّان أنّ تيمور لنگ أباد الدير وأحرق أشجارها مطلع القرن 15 فانقطع الرمّان الديري عن الأسواق التي اعتادت استيراده. وعلى الأغلب أنّ تلك الحرب كانت في طريق تيمور إلى القوقاز سنة 1400 أو في طريقه من دمشق إلى بغداد سنة 1405 وكانت الدير آنذاك تحت حكم الجلائريّين المغول من بغداد.

قبل الإسلام كانت كنيسة الدير اسمها كنيسة أزدره (أزده) وتبعت كنائس الدير لكنيسة قِرقِسين ܩܪܩܣܝܢ السريانية التي صارت في العربية قرقيسيا، بحسب ياقوت الحموي. وهي اليوم بلدة البصيرة عند مصبّ الخابور في الفرات. واسم قرقسين عن اسمها الإغريقي السلوقي قِرقوس κίρκος بمعنى الاستاد الرياضي.

وسكّان قرقيسيا ومنطقة الفرات عموماً بأغلبهم من المورو، لذا بقيت اللّغة الآرامية هي لغة المنطقة منذ ما قبل تأسيس المملكة البابلية الأولى وحتى التحوّل إلى العربية في العهد الإسلامي، تحت الحكم التركي والمغولي. والمورو هم من أصول العرب، فلم يجد الناس حرجاً من التحوّل عن الآرامية إلى العربية، لمّا رأوه تحوّلاً بين لهجات. وفي الواقع تسمع النغم الآرامي واضحاً في لهجة دير الزور الدارجة إلى اليوم.

بعد هزيمة محمّد علي (حاكم مصر) في اليونان طالب السلطنة العثمانية بولاية ثانية كتعويض عن خسارته ولاية الموره، واختار ولاية شام (سوريِه). وافق السلطان العثماني وانتشر جيش محمّد علي في ولاية الشام سنة 1831، ثمّ طمع وغزا ولايتي حلب وبغداد. وكان القسم الذي غزاه من ولاية بغداد هو سنجق الزور، وبرّر إبراهيم باشا غزو الزور على أنّه إدارياً من ولاية الشام وليس من ولاية بغداد، بينما رفض الباب العالي تبرير إبراهيم باشا وأصرّ على تبعية سنجق الزور لولاية بغداد وليس الشام.

في تلك الأثناء كانت بلدة دير الرمّان قد صارت مركزاً تجارياً بريطانياً ينمو ويربط ما بين ميناء البصرة ومدينة دمشق، وكلتاهم مراكز للتجارة البريطانية في الشرق الأوسط على خطّ ينتهي في ميناء صيدا. وأطلق الإنگليز على المدينة الجديدة اسم دير العصافير، وهو ذات الاسم الذي تذكرها به المراجع النمساوية. وكانت بريطانيا قد فكّرت فعلاً بجعل دير العصافير عاصمة لتجارتها الهندية في الشرق الأوسط، وهو المشروع الذي تحوّل إلى البصرة بعد الحرب العالمية الأولى ثمّ إلى دبي بعد الحرب العالمية الثانية.

لذا ونتيجة لمخاوف بريطانيا من تكرار أحداث حرب 1839، وغيرة من تأسيس الفرنسيّين لمتصرفية جبل لبنان سنة 1861، طلبت بريطانيا من العثمانية تأسيس متصرّفية جديدة في سنجق الزور، وتحقّق ذلك سنة 1864. وكان سنجق الزور قد تأسّس سنة 1857 على إثر تنامي النشاط الاقتصادي البريطاني في المنطقة، أي قبل تأسيس مدينة دير الزور (دير العصافير).

فصارت المتصرّفية تتبع إسمياً إلى والي بغداد، ولها متصرّف تعيّنه بريطانيا. وانتقلت بالتالي إدارة السنجق من قاعدة الزور العسكرية (زِورتا) إلى دير العصافر (الدير). فصارت ترد في السجلّات البريطانية باسم دير-زور بوضع اسمي الدير والزور متجاورين. وتضمّنت إدارة السنجق على أربعة أقضية (كازات) هي: الدير، ورأس العين، والعَشَارَة، والبُوكَمَال.

وكانت حدود متصرّفية الزور كالتالي:

  • من الغرب ولاية حلب وولاية سوريِه (شام).
  • من الشمال ولاية ديار بكر.
  • من الشرق ولاية الموصل.
  • من الجنوب الشرقي ولاية بغداد.
  • من الجنوب إمارة جبل شمّر (آل رشيد).
خارطة متصرّفية الزور ما بين 1864 و 1918
خارطة متصرّفية الزور ما بين 1864 و 1918

ومن المهمّ أن نذكر هنا أنّ بلدة دير الرمّان (الدير) دُمّرت بالكامل سنة 1807 وتخرّبت مزارعها وتمّ تهجير كلّ أهلها على يد البدو من جيش إمارة الدرعية؛ وهي التي تُعرف باسم الدولة السعودية الأولى. ثمّ عادت البلدة وانتعشت تحت اسم دير العصافير بسبب الاهتمام العثماني-البريطاني، ثمّ ارتفع عدد سكّانها بشكل ملحوظ وصارت مدينة واسعة على إثر نزوح عدد كبير من الشمامرة إليها.

في الفترة ما بين 1836 و1921 وطوال 85 سنة، عاشت في قلب شبه الجزيرة العربية إمارة آل رشيد، التي تعرفها أغلب المصادر باسم إمارة جبل شمّر. وتأسّست هذه الإمارة بدعم من السلطنة العثمانية لمواجهة الوهّابيّين ومنع سيطرتهم على المنطقة. ثمّ وعقب الحرب العالمية الأولى نالت سلطنة نجد دعماً أميركياً للقضاء على إمارة آل رشيد… هذه الحرب أدّت لتهجير أغلب سكّان الإمارة نحو الشمال، حيث استقرّوا يشتغلون بالزراعة على طول نهري الفرات والعاصي وفي جبل سمعان. وأُطلق عليهم اسم الشمامرة نسبة إلى اسم الإمارة البائدة. وهؤلاء يشكّلون اليوم أغلب سكّان قرى مناطق الجزيرة والفرات وحلب من العرب.

خارطة إمارة آل رشيد (جبل شمّر)
خارطة إمارة آل رشيد (جبل شمّر)

خلال فترة الحرب العالمية الأولى خضعت متصرّفية الزور لفصائل جمعية العهد، وهي تنظيم عسكري منشقّ سنة 1913 عن الجمعية القحطانية وقد اختلفت الأخيرة مع جمعية الاتّحاد والترقّي، على إثر اختيارها اللغة التركية لغة وحيدة للدولة. والجمعية القحطانية تأسّست سنة 1909 في القسطنطينية وجمعت الضبّاط العراقيّين المؤيّدين لثورة\انقلاب 1908 وشكّلوا العضو العربي داخل جسم الاتّحاد والترقّي.

سنة 1918 أعلن ضبّاط فصائل العهد الولاء للملك فيصل في دمشق واعتبروا العراق، بما فيه سنجق الزور، جزء من المملكة العربيّة السوريّة، كما شاركوا في المؤتمر السوري العام باسم الكتلة القومية العراقية. لكن، وبنتيجة تدمير فرنسا للمشروع الهاشمي في سوريا، اتّفقت بريطانيا وفرنسا على اقتسام سنجق الزور مناصفة، فصار القسم الغربي من نصيب سوريا الفرنسية، والقسم الشرقي من نصيب العراق البريطاني، على أن تبق حقول النفط في الزور السوري لمصلحة شركة شِل الإنگليزية-الهولاندية. وصارت هكذا مدينة دير الزور مدينة سورية. 

رفض القسم الغربي من سنجق الزور هذا التقسيم ودخلوا مرحلة الفلت، فتشكّلت حكومة محلّية لتصريف أمور المنطقة. ولم تعترف حكومة دمشق العربية بهذه الإدارة لأنّها طالبت بتوحيد الشطرين تحت الحكم العراقي. ثمّ في نهاية 1918 وصل دير الزور الأمير الشريف علي بن ناصر ابن عم الأمير فيصل موفداً من الشريف ناصر بحلب على رأس فرقة غير نظامية من البغالة والهجانة. ونال مبايعة عشائر المنطقة للشريف حسين واحدة واحدة، وعيّن مرعي باشا الملّاح أوّل متصرف عربي على لواء دير الزور، الذي قام بإبطال الحكومة المحلّية.

عادت القوّات البريطانية إلى اجتياح كامل متصرّفية الزور نهاية 1919 بما فيه الشطر الغربي. فقامت العشائر بتكليف رمضان شلاش لطرد البريطانيّين وهو ما حدث فعلاً فأعلن نفسه حاكماً على إمارة الفرات والخابور، وحكم باسم جميعة العهد العراقية. وهي حكومة لم تعترف بها حكومة فيصل في دمشق. نجح شلال لاحقاً بالاستيلاء (تحرير) كامل الخابور والبوكمال والميادين.

مطلع سنة 1920 اشترط الملك فيصل استبدال شلاش بمولود مخلص باشا حاكماً على الدير لكي يعترف بحكومتها، وكترضية للإنگليز. غير أنّ رجال العشائر سيطروا على البوكمال وقطعوا خطوط الإمداد البريطانية فانسحبت بريطانيا من القسم الغربي. ثمّ في نهاية 1920 عيّنت فرنسا الحاج فاضل العبود حاكماً باسمها على الزور (أي الشطر الغربي). فانحازت العقيدات إلى مصطفى كمال في تركيا وصارت من القوّات الكمالية. فحرّكت فرنسا قوّاتها الكردية من الملّية (قوّات محمود بك الملّي) لقمع العقيدات وجماعة العهد. لكنّ القوّات الملّية انهزمت.

نهاية سنة 1921 تحرّكت القوّات الفرنسية باجتياح كامل للقطاع منطلقة من الرقّة ومدعومة من القوّات الملّية، ونجحت باحتلال تدمر ودير الزور (قواعد العقيدات) وطردت قوّاتهم إلى شرق الفرات. استمرّت المناوشات المسلّحة بين أهل المنطقة والقوّات الفرنسية، لكن بانتصار الأخيرة في تشرين ثاني 1921 صارت منطقة الجزيرة ودير الزور من أراضي سوريا الفرنسية.

يُذكر أن لورنس كان قد قدّم مشروعاً بريطانياً مختلفاً عن الواقع المعاصر في مؤتمر پاريس للسلام سنة 1919. وكان لورنس قد رغب بتحويل متصرّفيه الزور إلى دولة باسم الجزيرة (الزور) لتكون دولة عربية تحت حكم زيد بن الحسين الهاشمي وتحت الوصاية البريطانية. ومشروع لورنس بقضي بتوسيع أراضي المتصرّفية غرباً على طول نهر الفرات لتضمين الرقّة والرُها ونصيبين شمالاً، مع فصل القسم الشرقي من المتصرّفية لمصلحة دولة في الموصل.

خارطة مشروع لورنس لاستقلال الجزيرة تحت حكم هاشمي
خارطة مشروع لورنس لاستقلال الجزيرة تحت حكم هاشمي

وكان العقيد لورنس قد نال موافقة المؤسّسة العسكرية البريطانية على مشروعه في تشرين ثاني 1918 فتقدّم به إلى مؤتمر پاريس للسلام. وسبق تقديم المشروع بدراسة أجراها طوال السنتين السابقتين؛ بالتنسيق مع القوى العربية التي حاربت العثمانية إلى جانب بريطانيا. لكن، نعلم جميعاً أنّ الضغط الفرنسي عدّل الحدود إلى ما نعرفه اليوم. ثمّ اجتاحت القوّات الفرنسية سنجق الزور

في كتاب حضارة وادي الفرات المنشور سنة 1989، يذكر مؤلّفاه عبد القادر عياش ووليد المشوح اقتباساً عن ”كتّاب معاصرين“ للحقبة العثمانية يصف بلدة الدير، دون ذكر أسماء هؤلاء الكتّاب… وأعتقد أنّ الوصف يختصّ بالقرن 18 ويرد فيه: ”بيوتها متلاصقة فوق تل اصطناعي، وسكّانها أقوياء البنيّة، وأخلاقهم مهذّبة تستأنس بالغريب، وكانت محصولاتهم من القمح والشعير والقطن والذرة، إلى جانب بساتين حافلة بأنواع الفاكهة. وفيها شجر النخيل واللّيمون والبرتقال، وللعبة الشطرنج انتشار شائع بين شيوخها، وهي محاطة بسور، وتصل إليها ترعة من الجهة الجنوبيّة تنقل لها مياه نهر الفرات”.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *