الصالحيّة الدمشقي، أخ نابلس ورفيق دير الحنابلة

سنة 1153 تعاهدت مملكة دمشق التركية البوريّة مع مملكة القدس الفرنسية ونزلت تحت حمايتها، ما مدّ من سلطان الصليبيّين على كلّ الشام وصاروا بوجودهم تهديد حقيقيّ للحجاز ولطريق الحج… هذا التهديد دفع الزنگيّين الأتراك سنة 1154 لإزالة المملكة البورية وضمّ دمشق.

في هذه الأثناء نشط الحنابلة في نابلس بالدعوة لمقاومة الفرنسيّين وكان على رأسهم ناشط من بني قدامة من بلدة جمّاعين اسمه أحمد المقدسي. اعتاد الناس على تسميته بالشيخ أحمد. وبسبب نشاطه المتزايد بالتحريض على الفرنسيّين صدر أمر باعتقاله لإعدامه، فخاف عليه كاتب محلّي من المسيحيّين؛ يقال أنّه فرنسي أو أرمني، وأنا أظنّه فلسطيني. وأخبر هذا الكاتب الشيخ أحمد بالقرار الصادر بحقّه، فهرب الشيخ مع ثلاثة من أهله سرّاً إلى دمشق سنة 1156.

في دمشق فوجئ أحمد المقدسي بزوال مُلك البوريّين، ونزل في دير الحنابلة بجانب مسجد أبي صالح الحنبلي في زقاق الحنابلة بمنطقة أبو جرش، ثمّ وصل إلى السلطان الزنگي نور الدين يستجير به فمنحه السلطان الأمان وخصّص له نفقه وقدّم له المكانة والقدرة. هذا الإكرام دفع الشيخ أحمد لإرسال أقربائه إلى نابلس للعودة بكلّ أهله.

وبالفعل، نزح بنو قدامة عن نابلس جميعاً وتركوا جمّاعين إلى دمشق. وتختلف المراجع في أعدادهم، فقد كانوا بين 40 و150. وبين النازحين من أهل أحمد المقدسي كان طفل بعمر تسع سنوات اسمه عبد الله، وهو الذي نمى في دمشق ليصبح من أشهر منظّري الحنابلة الذي اشتُهر بين المسلمين باسم ابن قدامة. الشيخ موفق الدين أبو محمّد عبد الله بن أحمد بن قدامة بن مقدام العدوي القرشي المقدسي.

بعد عام من إقامة بني قدامة شرق دمشق تذمّر منهم آل الحنبلي الدمشقيّون وقد خافوا أن يسلبوهم الوصاية على الأوقاف الحنبلية… نقل المشكلة إلى السلطان نور الدين الزنگي قاضيه الشافعي شرف الدين بن أبي عصرون، ومدح ببني قدامة، فأمر السلطان بتعيين الشيخ أحمد المقدسي فعلاً على أوقاف الحنابله… رفض الشيخ أحمد القرار وقال ”أنا ما هاجرت حتى أنافس الناس على دنياهم، ما بقيت أسكن هاهنا“.

على إثر هذا الخلاف، ترك بنو قدامة حارة الحنابلة وانتقلوا إلى مكان على نهر يزيد كان يحبّ الشيخ أحمد النزهة والصلاة فيه. وهو دير قديم مهجور يطلّ على واحة كان يقول لها الدمشقيّون قرية النخل، تشرف على مدينة دمشق وبساتينها. أعاد الشيخ أحمد مع أولاده ترميم الدير وأقاموا فيه، ثمّ أقاموا لهم جميعاً بيوتاً إلى جوار الدير فنشأت قرية جديدة، ولم تزل هذه النواة الأولى موجودة إلى اليوم باسم حارة الدير، وهي الحارة التي صار أهل دمشق يسمّونها الصالحية يقصدون صلاح أهلها وحسن أخلاقهم.

تسمية قرية النخل تعود في الواقع إلى آلاف من نخلات البلح كانت في موقع الواحة، قطعها جميعاً تيمور لنگ مطلع القرن 15 وسقى أرضها بالنفط كي لا يقوم زرع بعدها. ولهذه النخلات الفضل بسمعة بلح الشام الشهير، وهي نخلات خدمت الدير وخدمها منذ ما قبل المسيحية.

وصلت أخبار استقرار بني قدامة في واحة قرية النخل فصار النازحون يقصدنها من القدس والجليل فتزايدت البيوت والأسواق، وانتقل إلى جوارهم يقيم معهم من أهل دمشق فاتّسعت قرية الصالحية، وترسّمت في العهد الأيّوبي فصارت الصالحية بحجم مدينة دمشق القرن 13.

بعد الحرب الروسية على العثمانية سنة 1877 قصد دمشق عدد كبير من النازحين من الأرجاء العثمانية التي هجّر الروس أهلها، واتّجهوا جميعاً إلى حيّ الصالحيّة المشهور باستضافة اللّاجئين، فوفده أوّلاً نازحون شركس سنة 1864، ثم من البوسنة والهرسك وألبانيا سنة 1890، ثم من الروملي (بلغاريا) سنة 1896، ثم من كريت سنة 1900، ثم نحن البخارية سنة 1917، ثمّ العائلات التركية من الموظّفين الذين آثروا البقاء في سوريا بعد 1919، واستمرّ نوافد النازحين إلى حيّ الصالحية لم ينقطع حتّى الحرب العالمية الثانية حين وفد عليه يونان وقبارصة وألمان سيليزية وشڤابية استقرّوا فيه.

سنة 1895 رأى الوالي العثماني ناظم پاشا أن سيل النازحين دافق لن ينقطع، فاستأذن الپاشا الفريق ”صادق المؤيد آل عظم“ أن يستعمل أرضاً له على الشرق من الصالحية لإسكان النازحين، فتبرّع المؤيّد پاشا بأرضه وصارت تسمّى البيوت فيها حيّ المهاجرين… ولكثرة ما اشتغل الوالي ناظم پاشا بحيّ المهاجرين الجديد بنى فيه مقرّاً للإدارة العثمانية أقام فيه، وهو القصر المشهور اليوم باسم قصر المهاجرين. وركّز الوالي كلّ جهده آنذاك لمساعدة اللاجئين على الاندماج في بيئة دمشق سريعاً وبيُسر، فلا يكون اللّجوء باباً لمشاكل جديدة، إنّما خدمة داعمة لنهضة دمشق ومنفعتها.

حفر على الفولاذ لرسم أرض ديار بيت الوالي العثماني في الصالحية الدمشقي سنة 1837. حفرها الفنّان الإنگليزي جيمس تِنگل James Tingle نقلاً عن رسم رسمه بالحبر وليام هنري William Henry Bartlett ونشرتها في لندن شركة Fisher, Son & Co.
حفر على الفولاذ لرسم أرض ديار بيت الوالي العثماني في الصالحية الدمشقي سنة 1837. حفرها الفنّان الإنگليزي جيمس تِنگل James Tingle نقلاً عن رسم رسمه بالحبر وليام هنري William Henry Bartlett ونشرتها في لندن شركة Fisher, Son & Co.

خلال القرنين 19 و20 نما في حيّ الصالحية واحد من أهمّ أسواق دمشق، وهو سوق كان يتداول فيه الناس يوم الجمعة بالمداكشة، أي بالمقايضة مبادلة، وليس بالمال. فقد تجد نفسك في هذا السوق تبادل أرضك ببيت في مدينة غير دمشق. وتتخلّص من الفائض في بيتك بمداكشته بما يلزمك. واشتهر هذا السوق لأنّ الفقير المعوز فيه دائماً ما يفلح في تجارة فيجد ما يأكله في آخر النهار. كل ما عليه هو العثور على شيء يستحقّ المداكشة، ثمّ يفلح بالمفاصلة، أي التفاوض التجاري.

وينبغي التمييز ما بين حيّ الصالحية، وحي طريق الصالحية في دمشق. فالأوّل هو الحي على سفح قاسيون بعيد نسبيّاً عن دمشق القديمة. أمّا الثاني فهو حي تجاري نشأ نهاية القرن 19 للتجّار المتعاملين بالتجارة الإنگليزية ما بين دمشق وحيّ الصالحية حيث كان وادي عتمة.

ولحيّ الصالحية ومدينة دمشق قصّة عاطفية طريفة يتداولها الناس حتّى اليوم بصورة أهزوجة مسرحية شهيرة جداً بين الناس. إذ أنّ فتاة دمشقية تزوّجت برجل صالحانيّ وأقامت معه في بيت أهله في الصالحية… لاحقاً وبسبب خلاف لا يد للزوجين فيه، سحب أهل الفتاة ابنتهم من بيت زوجها إلى دمشق مقاطعة لأهل الصالحية.

الزوجة الوفية لحبيبها، وقد اشتاقت، كسرت مقاطعة أهلها وخرجت بنفسها دون متاعها تقصد بيت زوجها في الصالحية بشجاعة. وكانت طريق الصالحية آنذاك بساتين لا بيوت ولا أسواق فيها مشهورة باسم وادي عتمة… ذلك الوادي المحاذي لزقاق الصخر. طريق مرعبة على فتاة تسير فيها لوحدها.

الحادثة تكرّست أهزوجة مسرحية تغنّيها بنات دمشق في كلّ مناسبة، إذ يسأل الناس الفتاة ”لك صالحة! وين رايحة؟“ فتردّ الفتاة:

عالصالحية ومصالحة 

لا تقولولي وينك يا صالحة 

ما غمضت عيوني من مبارحة 

لشوفة حبيبي أنا رايحة 

جابلي وجابلي

يا ماما! جابلي…

فيقول لها الناس مكرّرين: 

عالصالحية يا صالحة 

لا تقولو وينها هالصالحة 

ما غمضت عينها من مبارحة 

لشوفة حبيبها رايحة 

جابلا وجابلا

يا بابا! جابلا…

فتردّ الفتاة للإقناع:

حاكاني شي؟ لا والله 

زعّلني شي؟ لا والله 

وأنا لعندو رايحة

عالصالحية ومصالحة

ويكرّر عنها الناس:

حاكاها شي؟ لا والله  

زعّلها شي؟ لا والله  

وهي لعندو رايحة 

عالصالحية يا صالحة

ألا ليت كلّ النساء بعناد حبيبات الصالحية 

من تأليف مؤنس بخاري

باحث عربي مستقل، شغوف بالطهي وتاريخه وتراثه، دارس للمطبخ ومدوّن في علومه. مدوّن باحث في التاريخ الاجتماعي ومتخصّص في الهندسة المجتمعية. أحبّ التدوين وأهوى البحث عن أصول الكلمات ومنابعها، وللإمساك بالأصول أتسلّق عرائش الحكايات بالمقلوب، فأعود من اليوم إلى أبعد ما يمكن في الأمس، وعلى مسار خطوات العودة تأتي الاستعادة؛ فأضع هنا خلاصة سيرة حياة كلمة.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: