معالم, تاريخ, خرائط, دمشق, سوريا

حكاية حيّ القابون الدمشقي

هل سمعت بخميس البيض؟ كان عيداً يحتفل فيه من دمشق حيّ القابون فقط، وهي عادة استمرّت طيلة 3000 سنة تقريباً. إذ كانت الناس في الخميس الأوّل من نيسان (أبريل) تحتفل بقدوم الربيع بتلوين بيض الدجاج المسلوق وتبادله هدايا مع زهر اللّوز… وكان شجر اللّوز رمز القابون وزينته، فكانت تحتفل الناس في موسم إزهاره بتبادل البيض الملوّن عن طريق ألعاب وتسالٍ ممتعة، مرتبطة بتراث عبادة عشتار وما كان فيها من رمزيّة للخصب والخير في البيض الملوّن.

خريطة أحياء مدينة دمشق 2021
خريطة أحياء مدينة دمشق 2021

عرف الدمشقيّون قرية القابون قديماً كمكان للاستجمام والاستشفاء، إذ كان فيها خانات وحوانيت يرحل إليها الناس للتعافي من الأمراض والعلل البدنية والنفسية. وهذا لا بدّ دليل على جمال المنطقة وحسن طبيعتها وطيب معشر أهلها. وكان للقابون نهرين هما تورا ويزيد ويتقاطعان فيها في طريقهم للاجتماع بنهر بردى. وكان في البلدة أربع جسور تعبر من عليها الناس على أنهارها، هم جسر القبّة وجسر الحوارنة وجسر الدوّار وجسر تورا، ولا بدّ أنّ هذا أضفى شاعرية على المكان. وامتلأت المنطقة بالقصور التي بناها أثرياء دمشق للاستجمام في القابون.

سنة 1536 ابتنى السلطان العثماني سليمان القانوني عدّة مصاطب في أماكن مختلف من إيالة شام، منها القدس ودمشق، واختار أن تكون مصطبة دمشق في قرية القابون الفوقاني في المكان الذي استشفى فيه أبيه سليم الأوّل لمّا أصابه المرض. في الواقع، لمّا دخل السلطان سليم دمشق بجيشه سنة 1516 عسكر في موقع المصطبة لصيق القابون الفوقاني، فكانت المصطبة معروفة باسمها آنذاك. واتّسعت لجيش السلطان سليم الذي عدّ 130 ألفاً من الروم والأرمن والقازان والسوارية والفرنج وغيرهم. ومعنى هذا الكلام أنّ مصطبة القابون كانت محطّ الجيش العثماني الأوّل في دمشق، وهذا سبب اهتمام ابنه السلطان سليمان بها.

بكلّ حال، اشتُهرت المصطبة السليميّة بوفرة الأشجار المثمرة كالمشمش والتفّاح والخوخ والتوت والعنب والجنارك ونقل إليها الكثير من الورود والزهور الطبية كالختمية وغيرها. سنة 1922 استولى الجيش الفرنسي على هذه المصطبة ليقيم فيها ضباطهم في عهد الانتداب، ثمّ وبعد الاستقلال تحوّلت إلى ثكنات عسكرية، وراحت أيّام بهائها.

وينبغي التنويه هنا إلى أنّ خطأ شاع بين الناس يعتقد بأنّ اسم القابون في الأساس هو آبونا، وأنّ الاسم سرياني، وهذا غير صحيح. قابون اسمها بالقاف، ولفظها أهل الشام آبون إذ من العادة أن تُقلب كل ق إلى همزة. والاسم عربي صرف من لسان تغلب وأصلها قابان تثنية للقابُ وهو عمود حجريّ يحمل قوساً. ورد في معجم مقاييس اللّغة “ويقال القابُ. ولكلّ قوس قابان”. تسمية قابون إمّا أنّها لعمود مفرد ويكون في الأصل قابٌ بالتنوين وصار اسمها قابون على وزن حرمون (حرمٌ) قلمون (قلمٌ)… إلخ. وكان من عادة عرب الشام قديماً كتابة التنوين واو ونون على طريقة الفنيقيّين. وقد تكون كذلك قابون تحوير قابان بتحوير الألف الثانية واواً. وهذه عادة دارجة كذلك على لسان أهل دمشق في أسماء النسبة.

من جهة ثانية، لا علاقة لتسمية حيّ القابون بصفة “مكان تتجمّع فيه المياه”، فلا يوجد هذا المعنى في أيّ من المعاجم العربية أو السريانية أو الآرامية، ولا أدري من أين شاعت في المقالات الحديثة حتّى وصلت ويكيپيديا. هذا تأصيل بغير مصدر. فعلى الأغلب أن كان في مدخل القرية قوس حجري على الطريقة الرومانية أو الفنيقيّة، وتسمّت القرية نسبة لوجوده.

في كتابه “من التاريخ الحضاري لبلاد الشام خلال القرن الأوّل للحكم العثماني” ذكر الأستاذ محمّد موفاكو الأرناؤوط شروح أسماء وأماكن ضواحي مدينة دمشق في القرون الوسطى، أو كما كانت تسمّى “ظاهر دمشق المحروسة”، وكلّها قرى جمعتها في هذا السرد:

أرزونا، التل، الخندق، الدخلة، الذريج، الطريق السالك، القابون التحتاني، القابون الفوقاني، المسلخ، المعرّة، المعيصرة، المنمرة، الميدعة، الوادي التحتاني (الإدعشرية)، باب السر، بتونا، برزة، بستان صدقة اليهودي، بيد ابن الفرفور، تل كردي، تلفيتا، جبل السعديّة، جسر الغيدي، حرستا البصل، حرستا الزيتون، حرنة، حلبون، خان السيوفيّين، دار الرحى، دار الضرب، دار رحى باب الفرج، داريا الصغرى، داريا الكبرى، دوما، سوق ابن بردبك، سوق البيمارستان، سوق التجّار، سوق الجسر الحديد (على نهر عقربا)، سوق الدرابزين، سوق السلاح، سوق القلعة، سوق تحت القلعة، سوق علّان، عذرا، عربيل، غيضة بيت القاري، قسيم ذلك العامر، قيسارية الرماوي، كرسمايا، كفر مديرا، معرونيّة، ملّاحة الهيجانة، ملّاحة جرود، ملك أربابه، ملك ابن الفرفور، منين، نهر المنيحة، وادي الجوز، وقف الشيخ أرسلان.

اليوم تغيّرت أسماء بعض هذه الأماكن، كما اندمج أغلبها في دمشق المدينة، ونلاحظ أنّ القابون مذكورة باسمها وبحرف ق وكانت تنقسم إلى حيّين أو قريتين، تحتاني وفوقاني، كما الكثير من أحياء دمشق وضواحيها. وفي كتاب ابن طولون من القرن 16 نقرأ وصف القابون بأنّها بلدة كبيرة بها جامع وعدّة مساجد وحمّام وسوق، وسكّانها خليط من الدمشقيّين والتركمان والحوارنة وغيرهم. (ابن طولون، ضرب الحوطة، صـ159، المعجم الجغرافي، جـ4، صـ397).

خريطة توسّع مدينة دمشق حتّى نهاية الدولة العثمانية
خريطة توسّع مدينة دمشق حتّى نهاية الدولة العثمانية

في إحصاء 2004 سُجّل عدد سكّان حيّ القابون قرابة 90 ألف. سنة 2014 احتلّ داعش الحي، فهاجمه تحالف من قوّات جيش الإسلام والجيش السوري الحرّ في العام التالي لطرد قوّات داعش. ومذّاك سقط الحيّ تحت حصار شامل من طرف قوّات الجيش العربي السوري والقوّات الحليفة من الجيش الروسي والفصائل الإيرانية والعراقية واللبنانية. واستمرّ القصف العشوائي على الحي حتّى دمّر 70٪ من منازله فانخفض عدد سكّان الحيّ إذّاك إلى نحو 2500 نسمة. ثمّ سنة 2017 اقتحم الحي تحالف من الجيش العربي السوري وجيش التحرير الفلسطيني وحركة حزب الله النجباء (عراقية)، فطردت فصائل هيئة تحرير الشام ومن كان باقياً من سكّان الحيّ، وانخفض من بقي في حيّ القابون إلى 300 نسمة فقط… حتّى اليوم لم تسجّل حالات عودة من طرف القابونيّين إلى حيّهم.

بكلّ حال، في كلّ مناطق العالم تعرف الأحياء والقرى والمدن هبوطاً وصعوداً، وتعرف النجوى والنشوى. وكما تراجعت حال حيّ القابون الدمشقي مذ قعد عليه العسكر الغريب، حتّى وصلت أخيراً حدّ الاندثار. سيعرف القابون ازدهاراً بأهله وبنيه ويعود أحد جِنان دمشق وحدائقه، كما كان وأكثر.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s