إتيمولوجي, القوقاز, تاريخ, تركيا, خرائط

خانيّة الخزر، موطن الأتراك الأم

في كلّ مرّة تُفتح فيها سيرة تاريخ الدولة العثمانية، يقفز في وجهي من يكرّر العبارة العنصرية أنّ الأتراك بدو جاؤوا من شرق آسيا. وهذه ليست مغالطة تاريخيّة وحسب، إنّما كذلك تكرار لأكاذيب پروپگندا أعداء الدولة العثمانية، والذين هم ذاتهم أعداء العرب الذين استعمروا بلادهم وقطّعوها وزرعوا فيها الكيانات الظالمة المسترزقة على دماء أبناء الأرض الأصليّين.

أوّل من اخترع أسطورة “الأتراك بدو جاؤوا من شرق آسيا” هم القوميّون اليونان تحت رعاية بريطانيا يوم كانت أشدّ أعداء العثمانية قبل الثورة الفرنسية. ثمّ وفي مطلع القرن 19 في فترة الانقلابات التي قادت إلى القضاء على مؤسّسة الإنكشارية وحليفها الأقوى الإمبراطورية الروسية، صارت هذه الأخيرة من أشدّ أعداء العثمانية، فحملت هي الأخرى ترديد الأسطورة العنصرية ذاتها مستعيدة أمجاد تدمير الروس لخانية الخزر في القرن العاشر والحروب الطويلة ما بينهم.

في هذه الخارطة هنا صوّرت الحدود السياسيّة التي استمرّت بذاتها لسبعة قرون تقريباً، في المنطقة التي تُعتبر الوطن الأم لكلّ الشعوب التركية في العالم. هذه المنطقة اليوم تتقاسمها أوكرانيا وروسيا البيضاء وروسيا وقازاقستان، بالإضافة إلى دول القوقاز. عن هذه المنطقة خرجت كلّ شعوب الترك. هذه المنطقة شرق أوروپا اسمها كان في الماضي ساكاستان أو سكاإستان أو ببساطة سهول الساكا، وهي ليست غرب آسيا ولا وسطها ولا شرقها. فالأتراك شعب نزح من شرق أوروپا صوب غربها وكذلك صوب آسيا كلّها تقريباً، حتّى وصل أقصاها على الشرق حيث جمهورية الساكا (ساخا) شرق شمال روسيا المعاصرة.

خارطة خانيّة الخزر القز في أقصى توسّع لها
خارطة خانيّة الخزر القز في أقصى توسّع لها

قبل شيوع تسمية الترك والأتراك كانت تسمية هذا الشعب هي سكّا (شكّا) التي تحوّرت لاحقاً في العهد الهيليني إلى ساكا وكذلك إلى سكوثى. وشكّا كانت تسمية أطلقتها الإمبراطورية السريانية على هذا الشعب شمال البحر الأسود بسبب احترافهم لرمي النبال والسهام. فاشتغلت فصائل منهم في خدمة الجيش الأسوري على سلاح الشكّاكين؛ أي الرماة. ما أورث الشعب كلّه تسمية الشكّا. لاحقاً ومع تأسيس إمبراطورية الگوك تورُگ علقت تسمية الترك (التورك) هذا الشعب وتراجعت تسمية الساكا رويداً رويداً حتّى انتهت تماماً من التداول في العهد الإسلامي. وكلمتي گوك تورُگ تعنيان حرفياً وفي لغة الساكا: الفرسان السماويّون. نسبة إلى لون ثيابهم أوّلاً ولكونهم فرسان، يربطون حياتهم بالفروسية، رجالاً ونساء، ويرون أن لا شرف للمرء دون حصانه.

عن هؤلاء الساكا خرجت فئة أطلقت على نفسها تسمية القز، والكلمة تعني حرفيّاً “الحر”، وكان هذا الشعب قد أطلق على نفسه تسمية القز لأنّه آمن بفلسفة بدويّة تفرض على الإنسان الترحال الدائم، واعتقد البدوي من القزّ أنّ الإنسان حرّ طالما يرحل، ومتى استقرّ ذل. لكنّ هذا الشعب ذاته استقرّ لاحقاً لتشكيل خانيّة القزّ الأولى شمال القوقاز، وصاروا من أهل الحضر ومن أصحاب الصناعة والزراعة، وبقيت منهم فئة على البداوة الأصلية يعتمدون عليها في العسكر.

خانيّة القز هذه تحوّر اسمها على لسان الساسان إلى أُغوز، بينما صارت على لسان الصقالبة الروس خزر، وصار اسمها على لسان العرب غز و گز و گزر قبل الإسلام. وتوسّعت هذه الخانية شرقاً وغرباً حتّى بلغت الحدود الملوّنة بالأزرق على هذه الخارطة أدناه. فضمّت إليها أرض خانية البولغار، وكان فيها ثلاث شعوب تركية هي البولغار والأوغور والقازان، بالإضافة إلى بعض الصقالبة الروس. ثمّ انقسمت الخانية إلى اثنتين شرقية وغربية، أطلقت الشرقية على نفسها اسم أغوز يبغو (أي دولة القز)، بينما حافظت الغربية على اسمها خانية القز. ولمّا نزلت هذه الأخيرة تحت حماية الروس صار اسمها خانية الخزر وهو الاسم الذي تتداوله المراجع الإسلامية.

في القرن الخامس تشكّلت أولى خانيّات القز حين جنّد خان الأوار فصائل من البدو القز في جيشه، فاعتادوا حياة الحضر، وما لبثوا أن وقعوا في حرب مع الأوار أنفسهم وانقلب إليهم الحكم. 

سنة 552 تأسّست خانية الگوك تورُگ 𐰃𐰓𐰃𐰆𐰴𐰽𐰔:𐰰𐰇𐰚:𐱅𐰇𐰼𐰰 التي جمعت ولأوّل مرّة أغلب شعوب الساكا في لواء واحد، وانضمّت إليها خانية القز وأعانتها جيوش الإمبراطورية على طرد الأوار بالكامل غرباً إلى سهول هنگاريا المعاصرة. 

سنة 568 نشأ حلف ما بين الگوك تورُگ والبيزنطيين خدم فيه القزّ حرب البيزنطيّين على الساسان، فتعمّقت صداقة ما بين البلدين تقاسما على إثرها بلاد القوقاز الجنوبي.

سنة 603 انفرطت خانيّة الگوك تورُگ العملاقة، وانقسمت إلى شرقية وغربي. وقعت الشرقية تحت احتلال الصين بينما أعادت الغربية تجميع أقطارها في إمبراطورية جديدة حافظت على نفس الاسم الگوك تورُگ وبقيت خانية القزّ جزء منها. إلى أن استقلّت وحدها سنة 630.

سنة 750 انشطر القسم الشرقي من خانيّة القز تحت اسم أغوز يَبغُ (يبغو) أي دولة الأُغوز، ثمّ عاد وانضمّ إلى الخانية الأم سنة 766 لكن بقي في بدنها ككيان مستقل. فصار بدن خانيّة القزّ مكوّناً من ثلاث كيانات اتّحاديّة تجمعها العاصمة بلنجر على بحر الخزر، ومكانها اليوم في جمهوريّة داغستان المعاصرة.

وكان سبب انفصال القسم الشرقي هو تحوّل النخبة الأرستقراطية في خانية القز (الخزر) إلى اليهودية، وهو ما رفضه القز الشرقيّون، وكانت العودة سنة 766 تشترط بقاء الديانة اليهودية خارج حدود أغوز يَبغُ.

سنة 965 تحالفت دولة القز (أغوز يَبغُ) مع الروس في حربها على خانيّة القز (الخرز)، ثمّ خانية البولغار سنة 985، ما مدّ من سلطة الروس على المنطقة وعزّز من قوّة أغوز يُبغُ كقوّة إقليمية. لكنّ هذا التحالف أودى لاحقاً بالوجود التركي في المنطقة شمال البحر الأسود وأفضى إلى تأسيس أوكرانيا.

في ذات الفترة تحوّلت دولة أغوز يَبغُ إلى الإسلام وتكنّى ملوكها بأسماء عربيّة، ثمّ صار قسم من دولتهم تحت نفوذ السلاجقة. ثم انتهت دولة الأغوز نهائياً سنة 1055 حين ضمّتها خانيّة القپچاگ (كيمك).

في نفس الفترة في القرن العاشر استقلّت خانية البولغار وتحالفت مع العبّاسيّين لضمان استقلالها، وهي الدولة التي زارها البغدادي أحمد بن فضلان لإنشاء سفارة. ثمّ خرج منها وزار بلاد الروس الذين سمّاهم الصقالبة. 

سنة 911 تحالف الروس مع البيزنطيّين على الخزر والعرب، ما نتج عنه سلسلة من التحالفات العسكرية ما بين العرب والخوارزميّين المسلمين من جهة وضبّاط خزر من جهة ثانية. تدحرجت فترة حروب ما بين الروس والعرب بالوكالة على أرض الخزر، تطوّرت سنة 941 إلى انضمام البيزنطيّين إلى الحرب فعلاً على الخزر، إلى أن نجح الروس بتدمير الجيش الإمبراطوري الخزري بعد سنة 960، وبدأ تهجير الخزر وتدمير مدنهم واحدة بعد أخرى، حتّى حلّت سنة 968 ولم تبق لهم مدينة في أوكرانيا المعاصرة، بلادهم.

هؤلاء الخزر المهجّرون كان فيهم اليهودي والتنگري والبوذي والمسيحي والمسلم وغيرهم. فأين رحل هؤلاء باعتقادك؟

بينما كانت بلاد العبّاسيّين مفتوحة للنازحين المسلمين من الخزر، فضّل التنگريّون والمسيحيّون الهجرة إلى الأناضول، واشتغلوا في خدمة جيش الإمبراطورية البيزنطية، وكان منهم من سبقهم سلفاً ويخدم كضبّاط بمراتب عالية على الثغور البيزنطية على الشرق. هؤلاء هم أتراك الأناضول وأتراك الجمهورية التركية الحالية، وهم الذين تحوّلوا إلى الإسلام في العهد السلجوقي فصار اسمهم بين الناس تركمان. هؤلاء لم يهاجروا من شرق آسيا إلى الأناضول، إنّما هم أبناء السهول شرق الأوروپية التي تضمّها اليوم دولتا أوكرانيا وروسيا البيضاء بالإضافة إلى روسيا. هؤلاء قوقازيّون. من أهل سواحل البحر الأسود من الأساس، فهم من أهل المنطقة، محلّيّون فيها.

آمل أن يكون هذا الشرح كافياً لدحض الفرضية العنصرية القائلة بهجرة الأتراك إلى تركيا من الشرق. هذه التي شرعها العنصريّون اليونان ثمّ كرّرها عنهم الروس ويكرّرها عنهم العرب. أتراك الأناضول ليسوا من تركستان. إنّما من القوقاز. وأتراك تركستان موضوع آخر. والدولة العثمانية ليست أوّل دولة تركية في المنطقة، بل واحدة من كثير من هذه الدول التي عبرت التاريخ. والدولة العثمانية نفسها هي نتيجة لواحدة من هذه الدول التي سبقت العثمانية في الأناضول. والأهمّ من كل هذا أنّ الإسلام لم يأت بالترك إلى الأناضول، إنما الترك هم من جلبوا الإسلام إلى هذه المنطقة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s