مطبخ, تاريخ

من تراث مطبخ البدو

أتعرف كم أكلة بمطبخك أصلها بدوي؟

اعتقدتُ في الماضي أنّ بعض الأكلات الموسميّة في حياتنا هي أكلات من المطبخ البدوي، لكن بعد الفهرسة تبيّن لي عمق الأصول البدوية لعدد كبير من طبخاتنا، وبشكل ملفت… قد تقول لي أنّ هذا شيء طبيعي لأنّنا كنّا بدو قبل أن نصير حضر، لكن ثبت آثاريّاً خطأ هذه الفكرة الشائعة، طالما تحوّلت مجتمعات كبيرة للحياة البدوية بعد عصر الثورة الزراعية الأولى، وبعد أن كانت مستقرّة في الحواضر، بينما حافظت مجتمعات أخرى على استقرارها وتطويره صوب مجتمع المدينة.

ما يعني أنّ الاستقرار والحضر هم الأصل ثمّ نشأ عنهم البدو الرحّل لأسباب مختلفة، منها المهني ومنها الديني، ومنها كذلك أثر الكوارث والحروب.

قد تعرف هذه المعلومة، لكن كرمى سلاسة سرد التدوينة يجب القول أنّ كلمة بدو وبدوي أتت من الكلمة العربيّة بادية، والمعنى فعليّاً لكلمة بدو هو سكّان الأرض البادية، لكنّ الكلمة لا تتّصل بأي شكل من الأشكال بكلمة بداية… كلمة بدو كانت قديماً ترادفها بالعربية كلمات مثل: أهل البراري، الفراري، السوّاحة، الساحة، الجوّالة، الرحّالة، السيّارة، الظهور، الجفاة، الغرباء، الأعراب، الكُرت، الكُردان، الوَبَر، التَوارك… وغيرها. وبكلّ حال كلها كلمات تناقض في المعنى كلمة حضر وأهل الحواضر.

البداوة هي نمط حياة أناس اختارت الحياة على الأرض البادية بدل الحياة على الأرض المعمورة. ومع الزمن سرت هذه التسمية على كلّ الناس التي اختارت أن تعيش على الترحال باستمرار ومن دون تملّك الأرض ولا الاستقرار. لكنّ البداوة من بدايتها ارتبطت بالسفر والتجارة، وبالتالي تكيّفت أشكال أكلاتها بما يناسب حاجات المسافر.

اعتمد مطبخ البدوي عموماً على تطوير أشكال تخزين الأكل بما يشبه تقنيّات المونة التي نعرفها اليوم. مثلاً البدوي ما كان يصيد كلّ يوم، إنّما كان يختار صيد حيوان كبير، ويعالج اللّحم بأشكال مختلفة حتّى يقدر على أن يحملها معه ويتغذّى عليها إلى أن تنتهي. كما فعل مع الحبوب والفواكه والخضار. وانتقلت أكلات البدو إلى الحضر عن طريق التجارة، التي احترفها البدو بالأساس كطريقة حياة. ومع استقرار البدوي نقل خبراته ومنتجاته إلى المجتمع الحضري.

قبل تطوير الزراعة، كانت المجتمعات المستقرّة ترسل كشّافة يبحثن عن المحاصيل من حبوب وغيرها، ثمّ يرجعن فيأخدن معهم حصّادين فيجمعن المحصول البرّي ليخزّنوه في القرية. بعد انتقال بعض المجتمعات إلى حياة البداوة صارت هذه الناس تذهب بكلّها إلى مواقع المحاصيل البّرية وتخيّم، وتحصد وتعالج وترتّب أمورها، وبعدها تحزم وتحمل وتنتقل.

وقبل أن تملّ هذا السرد، لنحكي ببعض الأكلات الباقية بيناتنا من اختراعات البدو الرحّالة.

أبرز الأكلات الموجودة بيننا من تراث البدو هي حلويّات المعمول، معمول العيد، والجدّ الكبير للمعمول هو البثيث. والبثيث معروف اليوم كحلوى لكنّه بالأساس أكلة مسافر اخترعها بدو حضارة مگن (عُمان) قبل حوالي 4300 سنة، وكانوا من طيء. وكان البثيث زاد البحّارة الرئيسي من بدو الماء، الذين كانوا يطلعن برحلات بحريّة طويلة للتجارة والاستكشاف ولصيد اللؤلؤ، وبدأت كلّ الفكرة من تقنيّة حفظ التمر من الأكسدة في بطن السفينة الرطب من خلال تغليف التمر المعجون بالدهن الحيواني أو الزيت، وفي المرحلة الثانية أضاف الشباب طحين الحنطة المحمَّص إلى المزيج قُبيل الأكل.

ومن تراث بدو الصحراء في مطابخنا السپَگيتي والشعيريّة، السپگيتي اسمها العربي هو الشعريّة تشبيهاً بالشعر، والرفيعة منها اسمها شعيريّة تصغيراً. والشعريّة هي تطوير لأكلة عجين قديمة اسمها الطرية (بالآرامي إطريه) صارت في العهد الأخميني أكلة الديانة البابلية الأساسيّة. لكنّ تاريخها يرجع إلى تراث بدوي يسبق حتّى السلالة البابليّة الأولى قبل 3900 سنة، هذه السلالة ذات الأصل البدوي من الأساس، وكانت الطريّة أكلة ابتدعها البدو كأكلة سريعة سهلة الحمل ضمن زاد المسافر ودون أن تتعفّن، فكانوا إذا لاقوا محصول حنطة أو دَخن؛ يحصدوه ويدرسوه ويعجنوه؛ ثمّ ترقّ العجينة وتقطّع إلى شرائط الطرية التي يجفّفوها كرمى لحملها معهم.

ومن تراث البدو في مطابخنا الكشك أو الچشج الذي تسمّيه المجتمعات العربية كذلك الأقط أو الجميد أو الجثي أو الكثي أو الگثي أو البقل أو المضير أو المريس، وباللّغة البخارية اسمه قُرت و قروت و چشج. والكشك أساساً هو جبن مخمّر من حليب الخيل وعند العرب من حليب النوق، وكان بدو آسيا يصنعونه من تخمير (تحميض) الحليب، ثمّ يتنشّف ويكوّر كرات، تجفّف بدورها، وتخزّن للاستهلاك اليومي. الحقيقة كلمة كشك الفارسية لها مصدر مشترك مع كلمة قشقوان أو قشقڤان الرومية، فهي من أسماء الجبن.

في فترة الإمبراطورية الرومانية انتعشت تجارة الجِمال بشكل قويّ جدّاً وكان مصدرها الأهمّ هو حضرموت. الرومان اعتمدوا على الجمل كما نعتمد اليوم على الشاحنات لتجارتنا. والعائلات من بدو الصحراء المنتجة للجِمال والمسيطرة على خطوط التجارة ابتدعت أكلتين من ضمن زاد المسافر؛ لم يزل لهم الدور الكبير في مطابخ العرب هنّ الهريس والبسيس.

الهريس هو أكلة لحم وجريش القمح أو فتّ خبز دقيق البر (الأسمر). والوصفة الحضرمية فيها لحم تيوس صغيرة يسمّونها باللحم البلدي، مطبوخ على نار هادئة مع القمح أو طحين البر المخبوز، وتترك على نار هادئة بين أربع وست ساعات وبعدها تُبهّر بالفلفل الأسود والقرفة. وكان الهريس هو الوجبة الرئيسة للرحّالة على الجِّمال قبل أن ينتشر في القرى الزراعية ليصبح أكلة الشتاء المفضّلة.

والبسيس هو أكلة حلو من اختراع البدو الرحّالة، وربّما تكون تطويراً للبثيث المگني. ويُعمل البسيس بالأساس من فتّ خبز الشعير الناشف وعجنه بالدهن مع قريشة حليب النوق إذا توفّرت. وكان البدو من قُضاعة يحملن معهم مؤونة الخبز الناشف مع الدهن أو السمن، وإذا جاعوا فتّوا الخبز وعجنوا البسيس.

آخر ما سأحكي عنه هنا هو نمط غذائي واسع الانتشار اليوم، كانت بدايته من نمط حياة البدو.

جميعنا اليوم يستهلك الأغذية المعلّبات. فكرة المعلّبات (الكونسروة) انتشرت في العالم بعد الحرب العالميّة الأولى، حين باع الجيش الأميركي لحم معلّب لكلّ الجيوش التي كانت من صفها في فترة الحرب. هذه الأكلة اسمها الأميركي پِمّيكَن والآسيوي قاورما، وهي أوّل أكل معلّب يتعرّف عليه الأوروپي على الإطلاق، ولولا الپِمّيكَن الأميركي لما عرفت البشريّة فكرة اللّحم المعالج المعلّب القادر على البقاء لفترات طويلة بدون مواد حافظة وبدون أن يفسد. طبعاً، اللّحم المعلّب اليوم بعيد جداً عن الوصفة الأصليّة للپِمّيكَن كونه مليء بالمواد الصنعيّة والحافظة، ولا بيشبه أي شيء طبيعي.

الپِمّيكَن أو القاورما بالحقيقة أكلة ترجع إلى تراث عمره حوالي أربعين ألف سنة في آسيا وأميركا الشمالية وكان طريقة الصيادين البدو لحفظ اللّحم لفترة طويلة ولبيعه. كان البدوي الأميركي والآسيوي، وبعد صيد الحيوان، يختار الفتيلة وقطعات اللّحم قليلة الدهن ويشرّحها ويجفّفها على الجمر لساعات. ثمّ حين تنشف يطحنها ويعجنها مع شحمة مُذابة، ويصنع منها كرات صغيرة يحملها في كيس خيش مصنوع من القصب أو الكتّان، وفي فترة المستعمرات الأوروپية صارت الناس تعلّب هذه الدعابيل في علب معدنية وتبيعها إلى المستوطنات الإسپانيّة والفرنسيّة والإنگليزية على الساحل الشرقي لأميركا الشمالية، فأخدت شكل المعلّبات التي نعرفها اليوم.

هاد كلّه غيض من فيض. كثير من أكلاتنا أساسها زاد المسافر، ومعظم زاد المسافر يرجع إلى مطبخ البدوي الرحّال، الذي اضطر لأن يخترع ويطوّر بهذه الأنماط من المأكولات حتى ينجح في نمط حياته ورحلاته.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s