قازاقستان, تركستان, خرائط

ماذا يحدث في قازاقستان!

مع تفاقم أحداث الانتفاضة في قازاقستان (كازاخستان) تتأزّم الأمور بسرعة في دولة غنيّة بالنفط، ما يهدّد استقرار أنظمة دول تركستان (آسيا الوسطى) كلها. ومنذ خرجت المظاهرات الأولى تنادت التحليلات فوراً إلى عنونتها باسمي موسكو وواشنطن متناسية أنّ عصر الحرب الباردة قد انتهى منذ عقود ولن يعود. بينما تغفل الأعين عن الصين، جارة قازاقستان الشرقية الشرهة للنفط وموارد الطاقة الرخصية، والطامعة على الدوام بحقوق “تاريخية” تدّعيها في تركستان. فماذا يحدث بالضبط في قازاقستان؟

اندلعت مظاهرات أثارها الغضب من ارتفاع أسعار الوقود، تحوّلت إلى اشتباكات دموية دفعت روسيا إلى تدخّل عسكري في البلاد قتل وجرح المئات من المتظاهرين. وتشبه الانتفاضة في أحداثها ما حدث في مصر ليلة إسقاط مبارك، من احتلال للمراكز الحساسة في البلاد وحرق مقر الحزب الحاكم. لكنّ الرئيس قاسم جامَرت تاكَيِڤ يختلف عن نظيره مبارك في أنّه اتّجه إلى طلب المساعدة من جيش حليفه الروسي مباشرة في تجاهل تام لوجود جيش وطنيّ في البلد، لكأنّه خائف في الواقع من جيشه.

قازاقستان هذا البلد التركستاني لا يختلف بتفاصيله عن سوريا أو أيّ من دول الأنظمة الأوتوقراطية العربية. بلد محكوم بنظام مستبدّ خانق، غارق بالفساد وبسيطرة نخبة عسكرية سمينة صغيرة على ثروات البلد واقتصاده. هذه النخبة تعيش عالة على زبائنها من مشتري النفط والغاز القازاقي. والانتفاضة التي بدأت في ظاهراها غاضبة من ارتفاع أسعار المحروقات، هي في الواقع اعتراض يطالب بالديمقراطية، وبتحرير اقتصاد البلد من عصابة حزب نور أوطان Нұр Отан (نور الوطن).

تتحدّد مطالب المتظاهرين اليوم بنقاط قليلة بعيدة جدّاً عن مسألة أسعار الوقود. لكنّها تعني الإطاحة بالقوى السياسية التي حكمت البلد منذ الاستقلال سنة 1991. إذ يطالب المتظاهرون القازاقيّون اليوم بانتخابات حرّة يختارون فيها نوّاب الولايات، وهم من يقوم الرئيس بتعيينهم عادة دون انتخابات. وهذه المطالب لو تمّت تلبيتها ستعني فتح الباب لحياة سياسية طبيعية في البلد مع نشوء أحزاب متنافسة وتقاسم وتداول للسلطة، كأيّ بلد ديمقراطي طبيعي. ما يعني خروج السلطة الاقتصادية من يد نخبة 91.

قازاقستان بالمناسبة بلد واسع، تتفوّق مساحته على مساحة دول غرب أوروپا مجتمعة، مع عدد سكّان قليل لا يتجاوز عشرين مليون. لكن هذا البلد محصور ما بين روسيا والصين في شكل يصوّر على الدوام مزاج العلاقات الروسية-الصينية والتحرّشات الأميركية فيها. هذا إلى جانب تهديد الانتفاضة القازاقية لاستقرار الأنظمة السياسية في دول تركستان جميعاً، وكلّها ميراث الحقبة السوڤييتية دون اختلاف عن حالة قازاقستان. هذا التهديد، والتوتّر المصاحب، مفهوم ومنطقي جدّاً في مرحلة تعقب خروج الولايات المتّحدة الأميركية من أفغانستان، وإطلاق رسن طالبان.

روسيا تنظر إلى النظام القازاقي بمنزلة ركيزة الاستقرار السياسي والاقتصادي في منطقة وسط آسيا غير المستقرّة، ما يدفعها لرمي نفسها بثقلها كلّه لحماية نظام نور أوطان ولو كلّفها ذلك أضعاف ما بذلت في أوكرانيا وبيلاروسيا وفي سوريا. لكنّ التدخّل الروسي في قازاقستان خطوة يمكن أن يكون لها عواقب وخيمة على الجغرافيا السياسية في المنطقة. ويخطئ المشاهد إن رأى في الصورة حماية روسية تصدّ فيها تدخّلاً أميركياً.

كانت موسكو وحكومة قازاقستان قد اتّفقتا فعلاً مع واشنطن للسماح لشركتي Exxon Mobil و Chevron الأميركيات للعمل في استخراج النفط من قازاقستان. فاستثمرت هذه الشركات عشرات المليارات من الدولارات في غرب البلد، ما دفع حكومة الولايات المتحدة الأميركية للامتناع عن انتقاد استبداد النظام القازاقي، مقارنة بما تفعله واشنطن حيال أوكرانيا وبيلاروسيا وسوريا.

الرئيس القازاقستاني قاسم تاكَيِڤ Қасым-Жомарт Кемелұлы Тоқаев وصف المتظاهرين بأنّهم عصابات إرهابيّة مدفوعة من الخارج، وقال أنّ قازاقستان تتعرّض لهجوم أجنبي، وهو ما دفعه لطلب التدخل العسكري الروسي. لكن إذا كانت أميركا موجودة في قازاقستان بالتراضي مع روسيا، فمن يهاجم قازاقستان ويهدّد أمن النظام؟ من هو هذا “الخارج” الذي يقصده تاكَيِڤ في كلامه عن هجوم وتدخّل أجنبي ومؤامرة خارجية؟

بعد إعلان حالة الطوارئ قامت الحكومة القازاقستانية كغيرها من الدولة المستبدّة بحظر السوشلميديا، لكن لأوّل مرّة ومن بين كلّ الدول التي اشتعلت فيها الانتفاضات، حظرت قازاقستان التطبيق الصيني WeChat. وهو ما لم تفعله من قبل أيّ من دول انتفاضات التغيير السياسي في المدار الروسي، سيّما وأنّ هذا التطبيق متخصّص بالسوق الصيني وغير شائع الاستخدام في أسواق غيرها من دول العالم.

ما يغيب عن الخواطر هنا أنّه وبينما تكون الولايات المتّحدة الأميركية أكبر مستثمر في قطاع النفط القازاقستاني إلى جانب روسيا المسيطرة. تكون الصين منطقياً المشتري الأكبر للنفط والغاز القازاقي. وبينما تهدّد روسيا وأميركيا معاً باستمرار توجه النفط القازاقي إلى السوق الأوروپية عبر مشاريع شبكات جديدة مفترضة، تُغاظ الصين على الدوام وهي الراغبة في أن تكون الزبون الأوحد لجارتها التركستانية، وليس بينهم سوى خطّ حدود واحد.

حتّى سنة 2019 صدّرت قازاقستان سنوياً ما مقداره 60 بليون دولار من النفط الخام عبر شركات روسية وأميركية. والمشتري الأكبر لهذه الكميّات من النفط الخام هي إيطاليا 21٪ وهولاندا 11٪ وفرنسا 10٪ وكوريا الجنوبية 8٪… بينما لا تشتري الصين سوى 4٪ فقط من هذا الإنتاج. في المقابل تستورد قازاقستان 34٪ من احتياجاتها من المنتجات الروسية، بالإضافة إلى 24٪ من الصين، دون أن تستورد ما يُذكر من أوروپا، المنطقة التي تشتري معظم النفط الخام القازاقي. 

هذا وبالنسبة للصين هو خلل في الميزان يحتاج إلى توازن، وأبسط الطرق لضبطه هي رفع كميّة المستوردات الصينية من النفط الخام القازاقي. هذا الطموح لن يحدث في ظلّ السيطرة الروسية-الأميركية المشتركة على إنتاج النفط في قازاقستان، وستحتاج الصين إلى تغيير في الأنظمة السياسية في المنطقة لكي تضع لها قدماً أو شركة أو ربّما حتّى قاعدة عسكرية، في البلد التركستاني الكبير.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s