قازاقستان, مجتمع, أديان, تاريخ, تركستان

مُفتيات وتهديد التماسك الديني والإثني في قازاقستان 

في قازاقستان (كازاخستان) يُعدّ استخدام مُفتيات كأداة للهندسة الاجتماعية للتشكيل السياسي والأخلاقي والثقافي للأغلبيّة المسلمة في البلد.

سنة 2011 شرع نظام الحكم القازاقستاني باستخدام مؤسّسة مُفتيات بواسطة إصلاحات في المجال الديني، فدخلت المؤسّسة مرحلة جديدة وصارت أحد أهمّ الأدوات الأيديولوجيّة في الحقل السياسي الوطني. مذ ذاك برزت مؤسّسة مُفتيات كمؤسّسة مجتمع مدني؛ مركَزت في يدها عمليّة الأسلمة واستغلّت أهمّية الإسلام لخلق رؤى وطنيّة جديدة للحفاظ على وحدة البلاد وتضامن مجتمعاتها.

في الواقع تعمل مؤسّسة مُفتيات كجهاز تنفيذي يجسّد مختلف المفاهيم والأفكار والمعتقدات أو الآمال التي يعيش فيها المسلمون علاقاتهم المتخيّلة بالعالم الحقيقي، ويحوّلون الأفراد المسلمين إلى عناصر أيديولوجيّة، تعاد برمجتهم لحمل وإعادة ترويج الأيديولوجيا القازاقستانيّة التي يطلقها حزب نور أوطان الحاكم.

مؤسّسة مُفتيات мүфтият هي كيان إداري إقليمي صنعته روسيا، ويعمل تحت إشراف مفتي مسلم. ويشرف المفتي على العمليّات اليوميّة للمؤسّسة، كما يشرف على المجالس المحلّية ورجال الدين والمساجد وخُطب الجمعة والوصاية على الأوقاف الإسلاميّة. وعلى الرغم من أنّ المؤسّسة إسلاميّة غير أنّها لم تؤسّس على مبادئ العقيدة الإسلاميّة، إنّما بدلاً عن ذلك أسّستها روسيا اعتماداً على النظام القانوني والإداري الناظم للأبرشيّات المسيحيّة الأرثوذكسيّة، بهدف تنظيم الدين الإسلامي في البلاد تحت السلطة الروسيّة.

تأسّست أوّل مؤسّسة مُفتيات سنة 1788 بأمر من الإمبراطورة كاثرين الثانية، وكان اسمها المَجمع الروحي المسلم في أورينبورگ. وكانت في مدينة أورينبورگ Оренбург آنذاك إدارة المستعمرات الروسيّة في المناطق التركيّة في سيبيريا والڤولگا والأورال ووسط آسيا. وكانت الغاية من تأسيس المَجمع هي إدارة مساجد المنطقة ومواردها، لسحبها من سلطة إدارة الأوقاف الإسلاميّة التي اشتغلت في البلاد قبل الاحتلال الروسي. وكان المَجمع واحداً من العديد من الهيئات الدينيّة التي أنشأتها الإمبراطوريّة الروسيّة، وجنّدت “رجال دين” متحالفين مع الدولة لإدارة الأديان غير الأرثوذكسية.

وكان مفتي مؤسّسة مُفتيات يعيَّنون باختيار مباشر من مكتب الإمبراطور (القيصر) وبختمه، ثمّ تأسّست سنة 1817 إدارة لانتخاب المفتين بما يتطابق مع مؤسّسة الكنيسة وهيكليّة تراتبيّة رجال الدين فيها. وبعد تحوّل الإمبراطوريّة إلى النظام الشيوعي وتأسيس الاتّحاد السوڤييتي، تحوّل اسم المؤسّسة إلى المجلس الروحي المركزي للمسلمين.

سنة 1944 قُسِّمت المؤسّسة إلى أربع مُفتيات، تمركزت إداراتها الإقليميّة في طشقند (أوزبكستان) و باكو (أذربايجان) و بويناكسك (داغستان) و أوفه (باشقورستان – باشكيريا). ثمّ انقسمت هذه المؤسّسات الأربع مع انفراط الاتّحاد السوڤييتي سنة 1991 وصار لكلّ جمهورية جديدة إدارتها الخاصّة لمُفتيات وطنيّة.

في قازاقستان ومع الاستقلال سنة 1991 أهملت الحكومة مؤسّسة مُفتيات وتجاهلت اعتبار الإسلام أحد أهمّ الصفات الشعبيّة القازاقيّة، كما تركت الشؤون الإسلاميّة عرضة للتدخّلات الأجنبيّة تحت رعاية مؤسّسات سعوديّة وتركيّة وإماراتيّة وپاكستانيّة. هذا الحال انتهى سنة 2011 حين أعاد نظام نور أوطان الاعتبار لمؤسّسة مُفتيات بموجب نصيحة روسيّة، وصارت المؤسّسة واحدة من أهمّ أدوات التوجيه المعنوي القازاقستاني.

تبدأ تراتبيّة الهيكليّة الإداريّة داخل مؤسّسة مُفتيات بالمفتي الأعظم، تحته المفتي، تحته القاضي، تحته المُحتسب، تحته أمين المحلّة. والصعود في هذه الهيكليّة يبدأ عادة من إمامة المسجد إلى أمانة المحلّة، ثمّ يستمرّ الصعود بتراتبيّة منظّمة حتّى الوصول إلى مجلس المفتين، ما يسمح بفرصة الترشّح إلى منصب المفتي الأعظم… ولا يمكن القفز ما بين المراتب. ومذ شرع نظام نور أوطان بإصلاحاته الدينية، فرض الكثير من القيود على الحياة الدينية في قازاقستان. هذا التوجّه أدّى إلى حدوث العديد من حوادث العنف في المجتمع القازاقي. 

لتبرير القيود المتزايدة على الحريّة الدينيّة، تحوّل الخطاب المحلّي في قازاقستان لإعطاء الأولويّة للأمن كمبرّر للسيطرة على الفضاء الإسلامي. إذ يتمّ تشويه سمعة من هم خارج حدود الخطاب الديني المعتمَد على أنّهم “متطرّفون”. وفقاً لهذه الرواية، فإنّ التطرّف ناتج بشكل أساسي عن التأثيرات “الخارجية” وهو ليس قازاقيّاً محليّاً من الأساس. يؤكّد بناء الهوية القازاقستانيّة في هذا الخطاب بشكل متزايد على طبيعته القازاقيّة.

وهدف نظام نور أوطان من إعادة استخدام الأيديولوجيا الإسلاميّة كجزء من نظام الحكم إلى استيعاب الممارسات الإسلاميّة لغرضين: أوّلاً، تسعى الحكومة إلى القضاء على المصادر المحتملة الأخرى للتشريع وتجفيف نشوء جواذب جديد للشرعيّة، مثل القادة الشعبيّين غير المقبولين من نظام نور أوطان. وثانياً، يحاول نور أوطان تقليل مخاطر المعارضة السياسيّة التي تعتمد على روابط مع دين الأغلبيّة، الإسلام.

فرضُ قازاقستان سيطرة مؤسّسة مُفتيات على كلّ الشؤون الدينيّة في البلد لا يقتصر على ضرورة وجود ختم مُفتيات على كلّ المنشورات والأنشطة الدينية في البلد وحسب، بل يصل إلى حدّ أنّ مُفتيات صارت تكتب وتنشر خُطب صلاة الجمعة، وتفرض على الخطباء اختيار واحدة منها لتلاوتها في المساجد، وما عاد يُمنح الأئمّة أي مجال لإعداد خُطبهم الخاصّة، أو حتّى التصرّف في محتوى الخطبة المقرّرة.

ومن باب الردع، أغلقت الحكومة كلّ المساجد التي قاومت مقرّرات مُفتيات، بما فيها مساجد الأقلّيات الآذرية الشيعيّة والتاتاريّة (القازانيّة) في البلد. كما فرضت الحكومة أن تكون لغة خطبة الجمعة هي القازاقيّة الرسميّة حصراً دون غيرها ما قلّص من حقوق أقلّيّات إثنيّة عاشت حريّتها الثقافية بشكل نسبي في قازاقستان طوال القرن المنصرم. ومنها أقلّيّات لجأت إلى قازاقستان خلال فترة العهد السوڤييتي. وكانت قد طالبت هذه الأقلّيّات بحقوق ثقافية في خطبة الجمعة بواسطة عريضة وقّعتها سنة 2012، ثمّ رفضتها إدارة مُفتيات بشكل قطعي سنة 2015.

دراسة من معهد الأمن وسياسة التنمية ISDP السويدي أظهرت حال علاقة الشعب القازاقستاني بالدين قبل قانون الإصلاحات الدينية سنة 2011. حيث جاء في تقرير للمعهد “بعد 25 عام من الاستقلال، تُظهر الأبحاث الاستقصائية أنّ الدين قد عاد إلى مكانة بارزة في المجتمع. لكن من الواضح أنّ المؤمنين في قازاقستان يتمّيزون بمعارضتهم للمظاهر السياسيّة للدين. يُظهر مسلمو قازاقستان دعماً منخفضاً بشكل استثنائي للشريعة، بنسبة 10٪. حتّى بين مؤيّدي الشريعة، يؤيّد 4٪ فقط عقوبة قتل المرتدّ، وثلثهم فقط يؤيّدون العقوبة البدنيّة. يعتقد نصف القازاقيّين أنّ الأديان المختلفة تؤدّي إلى الجنّة، وأنّ الشخص يمكن أن يكون أخلاقيّاً دون الإيمان بالله. هذه الأرقام مختلفة عن إحصائيّات بقيّة العالم الإسلامي، وهي تشير إلى مجتمع غارق بعمق في التعايش بين المجتمعات الدينيّة.”.

هذا الوصف تغيّر بسرعة ما بين سنتيّ 2012 و2015 ووصل حدّ التصادمات المسلّحة على نطاق ضيّق في بيئة بدأت تشعر بمظلوميّة دينيّة، كنتيجة لإجراءات مُفتيات. والأحداث الأخيرة في انتفاضة قازاقستان لا بدّ ستتأثّر بهذه الانطباعات الحادّة، التي فشل نظام نور أوطان في احتوائها، أو لربّما تقصّد زرعها عمداً في المجتمع. وبكلّ حال، قازاقستان، التي كانت تُعرف بصفتها بلد أحد أكثر المجتمعات الإسلامية انفتاحاً في العالم، قد تتحوّل سريعاً إلى بيئة هشّة لانتشار التطرّف الديني والقومي على السواء.

المراجع:

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s