مجتمع, العراق, دمشق, سوريا

حكايتي مع طير أكابر

هذه رسمة رسمتها لحوّام يافع من صنف معروف في العراق وفي البادية الشرقية في سوريا، ولي حكاية شخصية مع هذا الطير الجميل أقصّها عليك.

قبل نحو 24 سنة ازدهرت في دمشق سوق الطيور الجارحة المهرّبة من العراق… كانت الناس تصيد الطيور البرّية من البادية العراقية ومناطق الفرات، ثمّ تحضرها لتبيعها في منطقة السيّدة زينب جنوب دمشق، حيث أقامت آنذاك جالية كبيرة من شيعة العراق النازحين من بطش التمييز على أساس الدين. وبسبب التواجد العراقي في منطقة السيّدة زينب ازدهر خطّ التكاسي ما بين هذه الضاحية ومناطق العراق الجنوبية إلى جانب بغداد، فصار سائقو هذه التكاسي هم عناصر تهريب هذه الطيور الجميلة؛ يبيعنها إلى مَحَالّ سوق الطيور قبالة مسجد السيّدة بأبخس الأثمان.

شخصياً، وقد كنت صغيراً آنذاك بعمر 19 سنة، ساءني نشوء هذا السوق في دمشق، ولم تكن غيظتي من تداول الطيور كحيوانات أليفة، إنما كانت غيرة على الحياة البريّة في العراق. فهذه كلّها طيور معرّضة للانقراض في بيئة هذا البلد، الذي كان آنذاك منهكاً من كثرة الحروب فيه ومن تبعثر العسكر في أراضيه. والتدرّب بالرماية بواسطة قنص هذي المساكين أنهك أعدادها كذلك. وهي ثروة وطنيّة من ثروات العراق، التي لطالما زيّنت قصائد أهل البلد القدامى، وأناشيدهم الدينية، ويندر أن يخلو نقش أثري من وجود طير جارح فيها.

سأحكي لك اليوم حكايتي مع واحد من هذه الطيور العراقية الجميلة لكن قبلاً لنتعرّف إلى طيور العراق.

يعيش في العراق اليوم 29 نوع من أنواع الطيور الجارحة متنوّعة ما بين حوّام وصقر ونسر وحدأ وعقاب، وإلى جانب الباز الشمالي، النوع الوحيد من أنواع الباز التي تعيش في العراق، وإلى جانبه نجد من الأنواع:

  • أربع أنواع حوّام، هي: الشائع، والحوّام طويل الساقين المعروف شعبياً باسم الصقر الجرّاح، حوّام النحل الشرقي، حوّام النحل.
  • ثلاث أنواع حدأ، هي: السوداء، سوداء الجناحين، الحمراء.
  • نوعين من الباشق، هي: الشائع والبيدق المعروف في العراق باسم الباشق الشامي.
  • أربع أنواع من المرزة، هي: أبو شودة، البغثاء، مرزة الدجاج، مرزة البطائح.
  • 11 نوع من العقبان، هي: المخطّط، الذهبي، ملك العقبان الشرقي، عقاب البادية، عقاب المنتعلة، الأسفع الكبير، الأسفع الصغير، عقاب صرارة، الحكيم، عقاب سمك بالاس، أبيض الذيل.
  • أربع أنواع من النسور، هي: الأسمر، الراهب، الرخمة المعروف عالمياً باسم النسر المصري، البُلَح المعروف شعبياً باسم أبو ذقن.

نعود إلى سوق الطيور في السيّدة زينب وقد عرفنا تنوّع الطيور الجارحة في العراق.

في أحد أيّام قيظ الصيف، وكنت في عمل في السيّدة مرسل من الشركة التي كانت توظّفني. مررت بجانب محل من محلّات الطيور المهرّبة لتحزنني مناظرها، في أقفاص وسخة ومحلّات لدكّانجية لا يهتمّون بها. ثمّ صدمني منظر فرخ طير جارح أبيض اللون، واضح من لونه أنّه لم يزل فرخاً ولم يبلغ بعد… تمنّيت في ذلك اليوم لو أستطيع شراء هذه الطيور كلّها فأطلقها تعود حرّة كما كانت. لكن، وعلى ضعفي أمام مقاومة هذا السبي، قرّرت أن أشتري هذا الفرخ الأبيض، أن أفعل خيراً ولو بواحد من هذه الطيور الحرّة الأسيرة.

وبدأت مساومة البائع. بكم هذا الفرخ؟ 2000 ليرة. لكنّه فرخ! 2000 ليرة. سيموت مساء اليوم ولن تحصل على ألفي ليرة، 2000 ليرة وما معك عمرينو يموت. استمرّت المساومة حتى رسونا على 500 ليرة. وهممت بحمل القفص فأوقفني البائع وقال، القفص 500 ليرة! وعدنا إلى المفاوضات من جديد فالقفص قذر ومهترئ، ولا أحمل في جيبي غير خمسمئة ليرة… أخيراً رسونا على 600 ليرة منها مئة للقفص، وأسرعت إلى سائق سيّارة الشركة أستدين منه مئة على الخمسمئة التي معي، وحملت الطائر بقفصه.

في البيت أخرجته من القفص. لا أعرف شيئاً عن الطيور الجارحة. ولا يوجد إنترنت بعد لأبحث في گوگل عن ملئ لهذه الفجوة… google.com خرج إلى الحياة لاحقاً في تلك السنة نفسها، حين أنقذت الطائر. فبدأت رحلة البحث عن معلومات تعينني على التعامل مع الطير في البيت. ذهبت إلى محلّ عصافير أليفة، وكانت كثيرة في دمشق. قلت له أنّ بائعاً باعني باشق ولا أعرف ما يأكل… هكذا قال لي البائع في السيّدة، أنّ اسمه باشق. لم يعرف صاحب محل العصافير ماذا يعطيني فباعني عصافيراً ميّتة مجمّدة، قال لي أنّ بعض مربّي الحيوانات يشترينها غذاء لحيواناتهم.

في البيت وضعت واحداً من هذه العصافير أمام الفرخ الأبيض فلم يفعل به شيئاً. تركته أمامه لساعات؛ دون تغيير. غيّرت العصفور، وكذلك لا شيء. ثمّ اقتربت لأتفحّص الطائر ففتح فمه في وجهي وزعق! انتبهت! الطير لم يزل فرخاً صغيرة على كبر حجمه… هذا مسروق من عش! وينتظر أن تطعمه أمّه. إذ لا يعرف كيف يأكل وَحْدَهُ. نظرت فيه وفمه مفتوح مع صوت زقزقة التوسّل لا أعرف ماذا أفعل، ثم فعلت فعلة أبويه، مزعت من العصفور مزعة وناولته إيّاها في فمه، فأكلها. ثمّ مزعة ثانية ثمّ غيرها… فأكل وشبع ونام.

صار هذا شغلي اليومي، أعود إلى البيت لأحطّ قبالة الطير أطعمه حتّى يشبع. مع الأيّام كبر هذا الطير البديع، ثمّ غلب لون ريشه الأشهب على البياض فيه، صار أكبر من فرخ صغير. بدأ يمسك رؤوس الدجاج بمخالبه ويأكلها بنفسه. صار جميلاً مهيباً بوقفته ونظرته في البيت. لكنّ حجمه صار أكبر من حجم الباشق أكثر فأكثر، تجاوزت فتحة جناحيه المتر، وهذه ضعف مقاسات الباشق! 

تبيّن لاحقاً أنّ هذا الطير هو الحوّام العراقي الشائع وليس باشقاً، حوّام السهول، طائر مهاجر عابر للقارّات، تندر رؤيته في البلدان العربيّة لأنّه يهاجر رحلة الصيف والشتاء ما بين أقصى جنوب أفريقيا وأقصى جنوب السويد. هو لا يزور البلاد العربية إلا للتعشيش فقط. يزور بعض العراق وسوريا وتركيا ومصر واليمن والجزائر والمغرب شتاء للتعشيش، ثمّ متى كبرت الفراخ تابع مسيره للإقامة الصيفية في أوروپا، ثمّ يعود مع بدء الشتاء جنوباً مستريحاً في البلاد العربية للتعشيش ثمّ يتابع لإمضاء الشتاء في جنوب أفريقيا.

في تلك السنة كنت لم أزل طالباً، وكانت السنة التي سنبدأ فيها الرسم بالألوان الزيتية، فقرّرت أن تكون رسمتي الأولى بالزيت هي لهذا الطائر البديع. رسمته عن صورة التقطها بنفسي بوضعية تشبه هذه التي في الرسمة المائية هنا. كانت أوّل رسمة أرسمها بالألوان الزيتية في حياتي هي لضيفي ذو الجناحين هذا… مع الأسف راحت اللّوحة مع دمار بيت داريّا ولكم حرصت عليها قبلها. لكن، تبقى ذكريات لا أحبّ لها النسيان، فأيّامي مع هذا الطير فيها الكثير من التفاصيل… طير اعتبرني أباه، ودافع عنّي من أيّ خطر محتمل. رفض الطيران والابتعاد عنّي، وجاورني في كلّ غرفة أنتقل إليها في البيت. كان رفيقاً لطيفاً ذو مخالب جارحة. كان رفيقاً ذو ولاء. ولا غرابه أن تصفه العرب بالطير الحرّ.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s