مجتمع, تاريخ, سوريا

أتعلم عن حجم الخراب الذي أصاب دمشق في القرن 19؟

في الثلث الثالث من القرن 15 استقبلت دمشق أعداداً وافرة من اليهود والمسيحيّين-المسلمين المهجّرين عن الإمبراطورية الإسپانية، وبالأخص من جزيرة صقلية التي كانت تحت الحكم الإسپاني آنذاك. وكانت سلطنة المماليك قد وافقت على استقبالهم فأعادت توطينهم في دمشق حيث كانت المدينة لم تزل تعاني آثار دمار حملة المغولي تيمور لنگ مطلع القرن 15، وبحاجة إلى سكّان ودماء جديدة.

تبع هذه الموجة موجة ثانية من النازحين الأندلسيّين، مسلمين ويهود، من مهجّري سنة 1570، الذين استقرّوا في حيّ العمارة شمال المدينة القديمة. ثمّ استقبلت الهجرة الكبرى من الغرناطيّين ما بين سنوات 1609 و 1614. والفرق بين الموجتين أنّ الوفادة الأندلسيّة الأولى كانت باختيار المهجّرين الذين اختاروا دمشق للإقامة فيها بعد طردهم، وكانوا من طبقة النخبة الثرية في الأساس، التي حملت معها الكثير من علوم ومعارف الأندلس. أمّا الموجة الثانية فلم تختر دمشق بحرّ قرارها، إنّما استقبلتها العثمانية بموجب اتّفاق مع آل هابسبورگ. وقامت الحكومة العثمانية من بعدها بتوزيع اللاجئين بالتساوي في عواصم ولاياتها الشرقية، ثمّ أعادت توطين من استقرّ في القسطنطينية في مدينة سلانيك فصارت مدينة بأغلبيّة يهوديّة. 

كانت الموجة الثانية من الأندلسيّين بأغلبها من الحرفيّين والفلّاحين والصنايعية المبدعين، وقد ساهم هؤلاء بتغيير مظاهر الحياة في المدن التي استقرّوا فيها وبشكل واضح، سيّما سلانيك وحلب ودمشق. ولمّا كان أغلبهم من اليهود فقد تفاوت تفاعل المجتمع المحلّي مع حضورهم وفق التقاليد الاجتماعية. في دمشق استقرّ هؤلاء في محيط حيّ الشاغور، أكثر أحياء دمشق دمشقيّة في ذلك الوقت، وصار لهم عشرين كنيس في منطقة صارت معروفة بحارة اليهود. أمّا البقية فقد كانوا مسلمين بالاسم، مسيحيّين بالتربية والتنشئة، لا يعرفون العربيّة، إنّما يتحدّثون الإسپانية القشتالية. ولا يعرفون شيئاً عن الإسلام سوى تقاليدهم الموروثة ضمن العائلة، فتعرّفوا إلى إسلام جديد تماماً في دمشق، حين نزلوا في نصفها الشرقي.

المهم أنّ هذه الموجات من الهجرة الأوروپيّة إلى دمشق ضاعفت عدد سكّانها، هذا دون الحديث عن نشوء مدينة الصالحية إلى شمالها الغربي حيث وفدت أعداد من النازحين الفلسطينيّين الذين وازت أعدادهم عدد سكّان مدينة دمشق نفسها آنذاك، فصارت الصالحيّة بحجم دمشق القرن 15. لكنّ ما ميّز الحضور الأوروپي الموريسكي في دمشق أنّه غيّر مظاهر الحياة الاجتماعيّة في المدينة بالكامل، وجذب أهل دمشق لتبنّي الكثير من العادات الغرناطيّة، سيّما في الأزياء والمآكل والمشارب والموسيقى والأعراس، وأنماط العمارة، والتقاليد المهنيّة… والمجتمع الموريسكي كان مجتمعاً صناعيّاً في الأساس، إلى جانب خبراته العالية في مجالات الري والاستفادة من الطاقة المائية.

هذا النموّ المتفوّق لمدينة دمشق عرف دماراً هائلاً في منتصف القرن 19 غيّر وجه المدينة بشكل جذري.

أوّلاً، سنة 1840 عرفت دمشق مذبحة لليهود فيها؛ ذهبت بخمس عدد سكّان المدينة على يد الكاثوليك. وتمّ تدمير 18 كنيس من أصل 20 كانت في المدينة.

ثانياً، ما بين سنتي 1850 و1865 عرفت دمشق مذبحة للكاثوليك فيها ذهبت بربع سكّان المدينة على يد الدروز (من خارج المدينة) بموجب الحرب الأهلية التي اشتعلت في جبال لبنان ما بين عشائر الطائفتين.

بحلول سنة 1865 كانت دمشق قد خسرت حوالي 45٪ من أهلها في مذابح، بالإضافة إلى من اختاروا الهجرة إلى قارّتي أميركا الشمالية والجنوبية هرباً من هذه الأزمات الاجتماعية. ثمّ جاءت الحرب العالمية الأولى لتأكل حوالي 15٪ ممّن بقي من سكّان المدينة فصار النقصان هائلاً ولم يبق في المدينة أكثر من 160 ألف نسمة فقط… نعم، هذا كان عدد سكّان مدينة دمشق حين وصلها الفرنسيّون محتلّين عقب انتصارهم في الحرب العالمية الأولى. مدينة صغيرة لا يوازي عدد السكّان فيها عدد سكّان إحدى ضواحيها اليوم.

بالطبع عرفت دمشق تالياً عودة ازدهار عدد السكّان فيها، ثمّ استقبلت ما يوازي عدد سكّانها ويزيد من النازحين الفلسطينيّين في أعقاب تأسيس إسرائيل. ثمّ توسّعت بشكل انفجاريّ مع انطلاق عصر التمدين، وتشجيع سكّان الأرياف للهجرة إلى المدينة. لكن، ذلك كلّه حدث في غياب الوجه القديم لمدينة دمشق. في غياب دمشق القرنين 17 و18 مع ما أصاب مجتمعاتها من دمار منتصف القرن 19. فدمشق التي استقبلت كلّ المهاجرين الوافدين منذ نهاية القرن 19 لا تشبه أبداً تلك التي كانت قبل 1840 والتي نقرأ عنها اليوم في الكتب، وهي الكارثة الديموغرافية التي لا يتحدّث فيها أحد.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s