إتيمولوجيا

بزور وبذور وبازار وتبّولة

لمّا كنت صغيراً كنت دائماً ما اسأل أهلي عن سبب وجود كلمة بذرة وكلمة بزرة؟ لماذا نقول سوق البزوريّة بدل أن نقول سوق البذوريّة؟ لماذا نعرف بيت البزرة ولا نعرف بيت البذرة؟ لماذا نعرف واحدة بالذال وواحدة بالزين؟

مع الأسف، أحد من أهلي ما خرج بجواب فكانوا يسكتنني بإجابة “فرق لهجات”… طبعاً ظهر أنّ كلامهم غلط وفي اللّغة العربية (شديدة الدقّة) يوجد فرق فعلاً بالمعنى ما بين كلمة بذرة وكلمة بزرة. وكان من الضروري أن أعرف هذا الفرق لأنّ اللّغة البخارية تستعمل كلمة بزور، ومُستعملة بنفس طريقة استخدام العرب لها، اسم سوق وتخصّص مهني. ودائماً نجد المسجد في دول تركستان محاط بسوق البزور، فخرج من اسم السوق كلمة المبازرة، التي تعني المنافسة على السعر الأفضل أو المتاجرة. وعنها كلمة بازار أي سوق.

الفرق في المعنى وجدته أوّل مرّة في كتاب الطبيخ البغدادي المكتوب في القرن العاشر. ابن سيّار الورّاق دائماً ما يستعمل كلمة أبازير حين يريد الحديث عن البهارات، ويستعمل كلمة أباذير حين يريد الحديث عن الحبوب؛ متل القمح والشعير والخشخاش وغيره.

في اللّغة العربيّة ما كان من كلمة بهارات ولا كلمة توابل، كانت الكلمة المستعملة في مكانهم هي كلمة بزورات أو أبازير.

البزرة هي الصنف من النباتات التي نضيفها إلى الطبخة لتنكيه الطعام. يمكن أن تكون بذرة ويمكن أن تكون خشبة ويمكن أن تكون ورقة أو زهرة…

البزور
البزور

بينما، البذرة هي الشيء من النبات الذي نزرعه في التراب لكي تطلع نبتة جديدة، بالتالي حبّة القمح بذرة وحبّة الرز بذرة، مثلاً.

البذور
البذور

كلمة بهارات دخلت اللّغة العربيّة لمّا حكم المماليك الهند في القرن 13، صدّروا إلى البلاد العربيّة بزورات هنديّة ووصلت مكتوب على كيسها بالفارسيّة “بزور هاى بهاراتى” لأن لغة دولة مماليك الهند كانت الفارسيّة، والمقصود بها: بزورات هنديّة، لأن اسم الدولة الهندية ولليوم هو بهارات، بلغاتها المحلّية. ودرجت بين العرب؛ بهارات يعني بزور.

أمّا كلمة توابل وتبلة وتتبيلة فدخلت اللّغة العربيّة من اللّغة اللاتينيّة، وتحديداً عن طريق لغة اللادينو الأندلسيّة، ومصدرها الكلمة اللادينيّة تابُلة بمعنى خلطة. تقريباً كمثل معنى كلمة مسالة الهندية، خلطة، لكن مسالة تزيد بمعناها عن تابُلة اللّاتينيّة في أنّها تعني خلطة مثاليّة، أو مناسبة. “قال ابن بري: تَوْبَلْت القِدْر جعلت فيها التوابل، بُنِي الفعل من لفظ التوابل بزيادته كما بُنِي تَمْنْطَق من لفظ المَنْطقة بزيادتها.” ~لسان العرب. وهكذا نرى أن فعل التتبيل مشتقّ من الكلمة المستعربة تبلة أو تابلة، وهي ليست عربيّة في الأساس، فلم ترد في أيّ من معاجم العربية، سوى لسان العرب.

وكلمة تبلة أخذت شكلها في الأساس من اسم لطبق جانبي كان يُترك في مطاعم الأندلس على الدوام على الطاولة (التابُله) ولا يُرفع، فهو يقدّم مجّاناً مع الوجبات فصار اسمه “طبق التابُله”. وعن اسمه خرج كذلك اسم التبّولة، الوجبة اللّذيذة من البقدونس والبرغل أو الكسكسي، والتي يعرفها كلّ العرب.

البديل العربي لكلمات بهارات وتوابل هو كلمة بزورات أو كما ذكرها كتاب الطبيخ البغدادي: أبازير… أما البذورات فنفصفصها أو نزرعها. وحين تكتب مقالاً لا تستبدل كلمة بزور بكلمة بذور ظانّاً أنك تصوّب تفصيحاً. الكلمة العربيّة العاربة هي بزور.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s