قازاقستان, مصر, تاريخ, دمشق, سوريا, شخصيات عامّة

ملك قازاقي على العرب

أحد الشخصيات ذات الأثر الكبير على تاريخ وحاضر العرب، هو رجل قازاقي (كازاخي) وصل إلى عرش أهمّ دولة عربية في عهدها، فتغيّرت بسببه كل مسارات التاريخ العربيّ والإسلامي حتّى وصلت إلى ما نحن فيه اليوم من تراث وتقاليد دينية.

قد تكون حكاية الظاهر بيبرس من أكثر الحكايا الإنسانية عجائبية، تشبه تلك الأساطير التي نقرأها في ملاحم الرومانسيّات القديمة، وتُنافس الأفلام السينمائية الروائية لما فيها من تبدّلات عجيبة ومصائر غير متوقّعة. إذ وُلد هذا الرجل في قازاقستان المعاصرة ونشأ فيها، ثمّ أسره المغول واستعبدنه فكابد المشقّات حتّى ظنّ أنّه ميت لا محالة، ثم بيع عبداً، ثمّ وصل حدّ الإعدام عدّة مرّات، ثمّ صار ضابطاً عسكريّاً، ثم ملكاً أنقذ بلد ملّاكه من الهلاك.

وُلد بيبرس سنة 1223 في دولة كان اسمها دَشت قِپچاق؛ في منطقة شمال البحر الطبري، تقع اليوم ما بين نهري الڤولگا (إىدل) والأورال (جايىق) أقصى غرب قازاقستان. وهو في الأصل من أبناء قبيلة بَرلي من عشائر القومان (الكومان) الترك، أقارب أهل المجر. 

سنة 1236 كان عمر بيبرس 14 سنة حين هجم المغول بغزوتهم الثالثة والقاضية على خانية بلغاريا إىدل المسلمة، واجتاحوا منها أراضي القومان إلى الجنوب، فنزح به أهله البَرلي إلى منطقة ولاچيا البيضاء (ڤَلاشا) التي كانت تتبع آنذاك مملكة بلغاريا المسيحية، واستمرّ نزوحهم مشياً من محطّة إلى غيرها حتّى وصلوا سنة 1242. في تلك السنة ذاتها اجتاح المغول بلغاريا المسيحيّة وأشاعوا فيها الخراب والدمار وأحرقوا عاصمتها ڤيلِكو ترنوڤو (قِرقِن، تَرنابُ)، واستعبدوا أغلب أهل ولاچيا، وفق ما تركه في تدويناته المؤرّخ رشيد الدين فضل الله الهمذاني. 

في ذلك الاجتياح الذي خرّب بلغاريا المسيحيّة استهدف المغول مخيّم اللاجئين القومان، وذبحوا أغلب البالغين فيه، واسترقّوا الباقي. وكان من بين الأسرى بيبرس بعمر 20 سنة ورفيقه بدر الدين البايصري. ووفق ما تركه البايصري من تدوينات فإنّ بيبرس شهد في ذلك اليوم المغول يذبحون أبويه أمام عينيه؛ وهو مكبّل لا حول له ولا قوّة. ثمّ سيق الاثنين إلى البيع كعبيد في سوق سيواس Sivas للعبيد في سلطنة الروم الإسلامية، وهي اليوم في الجمهورية التركية. ومن سلطنة الروم سيق بيبرس ليباع في مدينة حماة للأمير علاء الدين إيدكين الصالحي البندقداري، وهو أمير من المماليك التركمان الذين يشتغلون في مصر، فنقله معه إلى القاهرة وقال أنّه لمح في وجهه الفطنة والذّكاء فجعله من الحرس ومنحه اسم عشيرته الصالحي البندقداري. 

سنة 1247 اعتقل السلطان الصالح أيّوب الأمير علاء الدين إيدكين الصالحي البندقداري وصادر كلّ أملاكه بما فيها كلّ العبيد مماليك البندقداري، وكان من بينهم بيبرس بالطبع. بعد فترة في المعتَقل اطمأنّ السلطان إلى بيبرس فجعله على رأس فرقة ابنه توران شاه أحد فرق الحرس الملكي، وكانت تلك الفرقة قد ساهمت في هزيمة الصليبيّين الفرنسيّين في معركة المنصورة سنة 1250 واستطاع بيبرس فيها أسر الملك لويس التاسع ملك فرنسا. ما صعد ببيبرس في قصر السلطان الأيّوبي حتّى صار من قادة أركان الحرس الملكي.

من بعد كلّ العذاب والنزوح وصدمات القتل والفقدان والأسر والاستعباد، في رحالة طالت 14 سنة، صار بيبرس قائداً على أبرز جيوش الشرق الأوسط آنذاك، وفي قلبه لم ينطفئ الغضب بعد على مشهد أبويه مذبوحين على يد الجنود المغول سنة 1242.

كان السلطان الصالح أيّوب قد توفّى سنة 1249 في أثناء غزو الفرنسيّين لمصر، وتولّى من بعده ابنه السلطان توران شاه. عقب معركة المنصورة والنجاح الهائل فيها لعساكر التركمان البحرية، خاف منهم توران شاه ورغب بتصفيتهم حماية لعرشه. عرف زعيم المماليك البحرية فارس الدين أقطاي الجمدار النجمي الصالحي بخطّة توران شاه، ورآها خيانة في حقّه وهو الذي أحضره شخصياً من حصن كيفا ليصبح سلطاناً بعد وفاة أبيه. فأمر بقتله.

في الواقع خرج أقطاي الجمدار على توران شاه لقتله بنفسه وعاونه بيبرس البندقداري وقلاوون الصالحي، فطعنّه بسيوفهم وهرب منهم إلى عرزال خشبي فأحرقنه عليه، فرمى بنفسه في النيل فقتلنه رماية، فمات جريحاً حريقاً غريقاً، وبذاك انتهت دولة الأيّوبيّين وصارت السلطة فيها للمماليك، وغرقت البلاد في حرب أهلية، كانت ساحتها ما بين نهر الأردن ودمشق.

بعد مقتل توران شاه سنة 1250 عيّن الوزير عزّ الدين أيبك سلطاناً من الأيّوبيّين هو الأشرف مظفر الدين موسى، لكنّه ما حكم فعلاً وكانت السلطة كلّها في يد عزّ الدين أيبك، وأيبك خوارزمي ومن سلالة أمراء خوارزم، وكان قد صار زوجاً للسلطانة شجرة الدر. ثمّ سنة 1254 علم الوزير أيبك بمؤامرة لقتله فبادر واغتال زعيم المماليك البحرية فارس الدين أقطاي الجمدار ومعه السلطان الأشرف مظفر الدين موسى. وأعلن نفسه الملك المعز عز الدين أيبك التركماني الجاشنكير الصالحى سلطاناً على مصر والشام.

سنة 1257 أراد أيبك أن يتزوّج ثالثة على شجرة الدر فثارت عليه وهي في نظرها التي جعلت منه سلطاناً، فقتلته. أراد المماليك المعزّية قتلها جزاء لقتل السلطان لكنّها نجت بحماية المماليك الصالحية. قام المماليك المعزّية بتنصيب نور الدين بن أيبك سلطاناً وهو فتى بعمر 11، ثمّ اغتالوا شجرة الدر بعد أيّام بنفس الطريقة التي اغتالت فيها زوجها أيبك.

كل تلك الأحداث وبيبرس كان لاجئاً في دمشق خائفاً على حياته بعد مشاركته في اغتيال توران شاه، وكانت الشام قد استقلّت فعلاً عن مصر ودخلت في حرب عليها ترفض التغييرات السياسية في القاهرة. ثمّ جاء دمار بغداد وزوال الخلافة على يد المغول سنة 1258 فتغيّر كلّ شيء.

سنة 1259 عُزل الفتى الملك المنصور نور الدين علي بن أيبك وأخذ العرش في مكانه الملك المظفر سيف الدين قطز، وهو كان أميراً خوازرميّاً كذلك. والسبب كان عقد التحالف للتحضير لصدّ قوّات المغول وإيقاف تقدّمها. ووعد قطر بأنّه سينزل عن العرش ويستقيل بعد النصر على المغول. ولمّا صار قطز سلطاناً دعى المماليك اللاجئين في سلطنة الروم للعودة، وحرّر المعتقلين في دمشق وأعاد جميع ضبّاط المماليك إلى مصر لتجهيز جيش يصدّ المغول. في تلك الفترة عاد بيبرس إلى القاهرة وصار من قوّاد أركان قطز الذي عيّنه وزير حربيّة.

وبالفعل، توجّه جيش المماليك موحّداً إلى معركة عين جالوت في فلسطين سنة 1260 وانتصروا فيها وقُتل قائد جيش المغول كتبغا (كيتوبوقا نويان) وتابع الجيش مسيره محرّراً دمشق وحمص وحلب، وعادت مصر والشام دولة موحّدة من جديد.

بعد معركة عين جالوت بخمسين يوم اغتيل الملك المظفر سيف الدين قطز في طلعة صيد، وقيل الكثير من مقتله وكلّه متضارب. فمنهم من قال أنّ بيبرس قتل قطز بنفسه انتقاماً لمقتل صديقه وزعيمه التركماني فارس الدين أقطاي قبل سنوات، ومنهم من قال بأنّ بيبرس قتل قطز لأنّ رفض منحه إمارة حلب وكان قد وعده بها. ومنهم من قال أنّ بيبرس ما كان في موقع الحادث من الأساس وليس له يد في قتل قطز. ومنهم من قال أنّ بيبرس شهد المقتلة وليس له يد فيها لكنّه لم يمنعها. 

المهم، بمقتل قطز اختلف المماليك فيمن يخلفه على عرش السلطنة، وصار الأمراء كلّ يتعفّف عنها خوفاً من مصير يشابه مصير قطز، فاختير بيبرس كبش فداء. لكنّه ما إن استلم السلطة حتّى أباد كلّ مصدر طمع بالعرش وصار سلطاناً مطلقاً، لقّب نفسه بالقاهر أولاً ثم غيّر اللّقب إلى الظاهر.

بعد أن صار أبو الفتوح الملك الظاهر ركن الدين بيبرس العلائي البُنْدُقْدارِي الصالحي النجمي عاد إلى دمشق سنة 1268 ومكث فيها سنوات، وهي المدينة التي كانت استضافته لاجئاً في فترة الانقلابات والاضطرابات السياسية في القاهرة. وفي تلك السنة أمر بترميم القصر الأبلق ونزل فيه، وكانت دمشق تعيش حالة فوضى وخراب منذ غزاها المغول سنة 1258، فأمر بيبرس بترميم مساجدها ومدارسها وشوارعها وزيّن فيها، ففرح به أهلها وأحبّوه وقدّم له أعيانها أرضاً هديّة هي أرض مزّة كيوان التي يحتلّها اليوم مشروع كيوان السياحي مقابل حديقة تشرين. وصارت تلك المنطقة مذّاك منطقة قصور مصايف لأثرياء دمشق وحكّامها.

رسم تخيّلي لأبو الفتوح الملك الظاهر ركن الدين بيبرس العلائي البُنْدُقْدارِي الصالحي النجمي 
رسم تخيّلي لأبو الفتوح الملك الظاهر ركن الدين بيبرس العلائي البُنْدُقْدارِي الصالحي النجمي 

أمضى بيبرس حياته السياسية كملك في حالة حرب مستمرّة لم يهدأ فيها، يقاتل المغول والصليبيّين معاً، حتّى أنّه غزا سلطنة الروم الإسلامية بسبب تحالفها مع إيلخان فارس المغولي. كما عقد التحالف مع الخانيّة الذهبية الحاكمة لبلاد أهله القپچاق الترك في قازاقستان، ولو أنّهم من المغول لكنّهم في نظره حليف قادر على إعانته في حرب إيلخان فارس. وما كانت القبيلة الذهبية مسلمة بعد في تلك الفترة، إذ ما أسلمت الدولة قبل سنة 1313.

الظاهر بيبرس كرجل قازاقي كان معتاداً على شرب القُمِز (الآمص) يومياً، وهو لبن مخمّر من حليب الخيل. وفي اليوم الأوّل من تمّوز يوليو 1277 نجح أحدهم بتسميم جعبة قُمِز الملك وكان مريضاً في ذات الوقت، فتوفّي الظاهر بيبرس عن عمر 53 سنة متأثّراً بالسمّ وبمرضه من جرح أصابه في معارك سلطنة الروم. ودُفن في المكتبة الظاهريّة في دمشق، وهي مدرسة ومكتبة أمر ببنائها لأهل الشام في ذات السنة التي توفّي فيها فصار فيها ضريح له.

اليوم، لم يزل القازاق في قازاقستان (كازاخستان) يحتفلون بذكر الملك المعظّم الظاهر بيبرس، ابنهم رادّ المغول وقاهر الصليبيّين، وسلطان مصر والشام، من أنقذ الخلافة العبّاسية من الزوال، ومن جعل من دمشق الشام مكاناً شبه مقدّس للقازاق وكلّ التركستانيّين بالعموم. ولعب بيبرس كذلك دوراً مهمّاً في تحويل المغول إلى الإسلام، فبفتح علاقاته القويّة بالقبيلة الذهبية صارت لهم جالية كبيرة في مصر، تعرّفت إلى الإسلام وأسلمت فيها، وهؤلاء لمّا عادوا إلى ديارهم ساهموا بتحويل الخانيّة الذهبية إلى الإسلام.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s