كردستان, تاريخ, دمشق, سوريا

حكاية حي ركن الدين الدمشقي مهد القومية الكردية

في الصورة هنا رسمت مشهداً من شرق دمشق، تظهر فيه ساحة شمدين في حيّ ركن مع المدرسة الركنية، وتتابع من بعدها عمائر ركن الدين حتّى تلك التي تتسلّق سفح قاسيون، جبل دمشق. وحكاية اليوم أقصّها عن هذا الحيّ الدمشقي الوثير.

مشهد من ركن الدين، رسم مؤنس بخاري
مشهد من ركن الدين، رسم مؤنس بخاري

كثيرة هي حكايات العبيد الذين صاروا أمراء ومُلّاك في المشرق العربي، في القرون الوسطى. ومن هؤلاء نذكر الأمير ركن الدين منكورس الجائدار المنصوري، الذي كان عبداً (غلاماً) ثمّ صار أميراً وترك في دمشق حيّاً لم يزل يذكر اسمه إلى اليوم بالرغْم من مضيّ ثمان قرون على وفاته، هو حيّ ركن الدين.

خلال القرن 13 عاش ما بين الشام ومصر أمير أيّوبي اسمه فلك الدين سليمان العادلي، وسليمان كان أخ الملك العادل من أمّه، فهو نصف شقيق من غير أب. والملك العادل هو سيف الدين أبو بكر محمد بن أبي الشكر أيوب بن شاذي بن يعقوب بن مروان الدويني. وهو شقيق صلاح الدين الأيّوبي ومشهور بلقب الملك العادل أبي بكر. حكم السلطنة الأيّوبية ما بين سنوات 1200-1218. وكان لفلك الدين عبد اسمه بدر الدين خارتكين، أنجب هذا العبد ابناً سمّاه منكورس، ثمّ شبّ هذا الغلام وكبر في ديار سليمان فلك الدين، فأحبّه الأمير سليمان وأعتقه ومنحه اسم ركن الدين منكورس الفلكي العادلي وصار من رجالات حزبه.

خدم ركن الدين منكورس سيّده فلك الدين وكذلك الملك العادل بنيابته في مصر في وزارات مختلفة، ثمّ عيّنه الملك العادل حاكماً على عجلون في حوران، وهي اليوم مدينة شمال المملكة الأردنية الهاشمية. ثمّ عاد إلى دمشق أخيراً وتقاعد فيها، وأسّس فيها سنة 1224 كلّيّة قانون على المذهب الحنفي. وليضمن استمرار عمل هذه المؤسّسة التعليمية بعد وفاته خصّص لها الكثير من الأوقاف في دمشق تنفق عليها، منها وارد بيته الخاص الذي كان في القسم الواقع داخل سور دمشق القديمة ناحية باب الفراديس، بالإضافة إلى بعض الوارد من المدرسة الفلكيّة (دار قطلوتمر)، وأجرة حوانيت في سوق الخواصين وأجرة منازل، وبعض الوارد من بساتين وجوسق وطاحون في أرض النيرب، وغيره.

أطلق الأمير على مؤسّسته التعليمية اسم “المدرسة الحنفية”، واستغرق بناؤها أربع سنوات. ثمّ سمّاها الناس المدرسة الركنية الحنفية، وكذلك مدرسة ركن الدين، وكانت من مجمّعين: برّاني وجوّاني، وقد زال الجوّاني اليوم من الوجود. وكانت هذه المدرسة في عهدها أهمّ المؤسّسات التعليميّة الحقوقيّة الأيّوبيّة التي صارت تخرّج القضاة الأيّوبيّين. وبسبب وجود هذه المؤسّسة منحت الناس اسم مؤسّسها لكامل الحيّ الذي هي فيه فصار اسمه حيّ ركن الدين، وهو في الأساس جزء من الصالحية. ولمّا توفّي الأمير ركن الدين دُفن في مدرسته، ففيها ضريحه. (~عبد القادر الريحاوي)

يذكر كتاب الدارس في تاريخ المدارس في الصفحة 398 ما هو نصّه:

104 – المدرسة الركنية البرانية: بالصالحية. قال القاضي عزالدين: منشئها الأمير ركن الدين منكورس الفلكي 2 في سنة نيف وعشرين وستمائة انتهى. وقال الحافظ ابن كثير في تاريخه في سنة إحدى وثلاثين وستمائة: واقف الركنية الحنفية الأمير الكبير ركن الدين منكورس الحنفي الفلكي غلام فلك الدين أخي الملك العادل لأمه واقف الفلكية كما تقدم وكان هذا الرجل من خيار الأمراء ينزل في كل ليلة وقت السحر إلى الجامع وحده بطوافة ويواظب على حضور الصلوات فيه مع الجماعة وكان قليل الكلام كثير الصدقات وقد بنى المدرسة الركنية” <1 شذرات الذهب 5: 230.><2 شذرات الذهب 5: 147.>.

عبد القادر بن محمد النعيمي

وكان اسم الجزء من الصالحية الذي بُنيت فيه المدرس حيّ الأكراد. نال اسمه بسبب نزول عساكر أكراد فيه، كان أحضرهم الزنگيّون التركمان من ناحية الموصل لمّا فتحوا الشام سنة 1154. وهؤلاء الأكراد كانت لغتهم من الأساس هي العربية فلم تتبدّل أحوالهم في دمشق. وبإنشاء المدرسة الركنيّة في الحي ازداد عدد سكّانه والوافدين إليه من مختلف الديار الشاميّة لدراسة الفقه الحنفي والتخرّج كقضاة يعملون في مؤسّسات الدولة الأيّوبيّة. كما كان من سياسة هذه المدرسة أنّ المدرّس فيها مقيم في مجمّع المدرسة، كما الطلّاب، لا يخرج منها إلى مسكن خارجها. ما يعني أنّ المشتغل في المدرسة الركنية ينال رتبة اجتماعية عالية، والداخل إليها والدارس فيها، ليس كغيره من بقيّة الناس.

اليوم حيّ ركن الدين الدمشقي من أحياء المدينة الراقية، ينقسم فصوصاً بشوارعه الرئيسة: وهي شارع صلاح الدين، وشارع ابن النفيس، وشارع الفيحاء، وشارع الهجرة، وشارع برنية. وشارع صلاح الدين هو الشارع الرئيس في المنطقة يفصل ما بين ركن الدين الشرقي في السهول وركن الدين الغربي في سفوح قاسيون. وقد تميّز القسم الغربي من حي ركن الدين باستقبال عدد كبير من الوافدين القوميّين الأكراد الموالين للدولة العثمانية فترة القرن 19، إذ طردتهم روسيا عن ما هو اليوم أرمينيا وجورجيا، وكانوا من النخبة المثقّفة فأسّسوا من موطنهم الجديد الصحف والمؤسّسات الثقافية التي كان لها الفضل الكبير في التنظير في المسألة الكردية وقوميّتها.

وكانت الحرب الروسية-القاجارية قد اضطرّت القوميّين الكرد للنزوح عن بلادهم في إيران بعد سنة 1828 وقد صارت تحت الحكم الروسي، وطلبوا اللّجوء في الدولة العثمانية التي وطّنتهم في حي ركن الدين في دمشق. ونالوا دعماً سياسيّاً عن طريق جمعية خويبون الأولى لأنشطتهم طالما أنّها تعارض الوجود الروسي في القوقاز. ومنهم كان الأمير بدرخان سليل أمراء إمارة بوطان، الذي استقرّ في دمشق سنة 1865 بمنحة عثمانية بعد أن كان قد مُنح رتبة مير ميران سنة 1858. وعلى مدار العقود اللاحقة، شكلت دمشق قاعدة عمليّات للبدرخانيّين كما أنّهم أداروا وشكّلوا، القومية الكردية المبكرة. أمين عالي بدرخان، ابن بدرخان بك الأبرز مثلاً، ساعد لفترة وجيزة في استثارة مقاومة كردية مشروطة ضد الروس في حرب 1877-1878 قبل العودة إلى دمشق، لكنه انضمّ بعد ذلك إلى شقيقه مقداد مدحت في تمرد ضد القوات العثمانية حوالي عام 1889. ثمّ صار سنة 1908 عضواً مؤسساً في (جمعية الاتّحاد والترقي الكردية) التي قلّدت أنشطة جمعية تركية بذات الاسم.

تكرّر الأمر في فترة الاحتلال الفرنسي لسوريا فلجأ إلى القسم السوري من الجزيرة مثقّفون ونشطاء من أكراد تركيا من روّاد انتفاضة آكري وحركة الشيخ سعيد البيراني. ثمّ نقلتهم السلطات الفرنسية وأعادت توطينهم في ركن الدين في دمشق فنشأ فيه شارع أسد الدين. ومن هؤلاء الأمير جلادت عالي بدرخان، الدكتور أحمد نافذ، أوصمان صبري، حمزة مكسي، أكرم جميل باشا، قدري جميل باشا، ممدوح سليم، قدري جان ديركي، نوري ديرسمي، حسن هشيار، عبد الرحمن علي يونس آغا، أمين أحمد بريخاني، نورالدين ظاظا، وغيرهم. فصارت دمشق آنذاك ومن جديد قاعدة النشاط الثقافي الكردي المناهض لتركيا، ومنه إصدار مجلّتي هاوار وروناهي سنة 1932، وتأسيس نادي هنانو وجمعية يكيتيا خورتان. وكان لهذه الأنشطة الثقافية في دمشق الفضل بظهور اللّغة الكرمانجية الموحّدة ومن ثمّ صارت الطريق إلى اللّغة الكردية القوميّة.

بالخلاصة، يبق حيّ ركن الدين من أهمّ أحياء دمشق، ومن أكثرها أثراً على منطقة المشرق والشرق الأوسط بالعموم، إذ كثيراً ما تداخلت أحداث منطقة الجزيرة والميراث الموصلي بحي ركن الدين الدمشقي لكأنّه وصلة الجزيرة بمدينة دمشق. ويبق بيننا في اسمه ذكر سيرة عبد مملوك، نجح بفضل علمه من أن يتحرّر فيكون أميراً وناشراً للفقه الحنفي في المشرق.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s