مجتمع, حياة

في الموت

وفاة صديق أمس ذكّرتني أنّني ما حزنت كما يليق حين رحل عن هذا العالم أبي وحبيبتي وغيرهم من الأقربين… عادة ما أهرب من الحزن إلى الأمام. لذا أشاركك هذه التدوينة في ما وراء الأفكار والصلوات، بعد أن يمضي العالم إلى الأمام.

غمّ الحزن والفقدان

غير منطقي بالمرّة مقدار الخوف الذي يعتريني من أنّني قد لا أستيقظ. كنت أرتعب من الاستلقاء للنوم. سأموت! أتتني الفكرة وآمنت فعلاً آنذاك أنّها حقيقة. وبالرغم من أنّها أمنية حياتي أحياناً، تسعدني ويريحني حضورها، غير أنّ الوقوع في الفكرة بحدّ ذاته مرعب. أجول حول السرير لاهياً نفسي، متحاشياً السقوط في فراشه، إلى أن أنتهي.

مثيرٌ غمّ الحزن بهذه الطريقة. لا يتجسّد في أيّ شكل منظور، لكنّ حضوره محسوس لكلّ فرد منّا، بأشكال مختلفة. وبمرور الوقت قد يتخامد ألم الصدمة ذلك الذي يعقب خبر الموت، لكنّ شبح الألم الذي يأتي مع الفقدان يبقى لوقت أطول بكثير. يمضي وقت طويل فينا وقد تجاوز العالم هذه المأساة.

هذه لاحظتها حواليّ بنفسي. كيف يتحرّك العالم من حولك إلى الأمام وأنت تتحرّك عليه لكنّه غير آبه بك. الإحساس الجمعي بالدعم والإراحة. هذا الشعور غير الملموس بناضح التضامن وبتدفّق التعاطف هو شعور عابر. يبدو وكأنّه يغادر مع الأشخاص بينما هم يغادرون الجنازة، في تلك اللّحظة التي يعربون فيها من جديد عن تعازيهم. تتطبّع الحياة ما بعد الجنازة سريعاً كذلك. سريعاً جدّاً. كما لو أنّ دوزنة تقبّل فقدان شخص بِرُمَّته أمر بسيط ولا يأخذ أيّ جهد بالمطلق.

التزام الراشدين بأن يُظهروا لأنفسهم أنّ شيئاً ما قد حدث، هو شيء مربك للحياة. سلوك غير واع كفاية لإدراك عمق تداعيات هذا الالتزام. الأطفال أكثر وعياً هنا بسرعة تجاوزهم وبقدرتهم السائلة على استعادة حيويّتهم المعتادة. ودون إدراك كامل لتأثير سلوكهم عليهم وعلى الناس من حولهم، سيتلاشى حزنهم بسهولة أكبر. لكن، أجدني ممتنّ لهذه البراءة، لأنّها تدفع أغلب الراشدين إلى الأمام، وتمنع استسلامهم للكمَد طويل الأمد… الحركة تعالج الجَزع.

وعندما يهدأ حزنك (الوقت يهدّئ كلّ الأحزان)، ستكون سعيدًا بأنّك عرفتني.

في روايته الأمير الصغير يقول أنطوان دو سانت إكزوبيري بلسان أمير بي 612

الألم والمعاناة

جُلت في الحارة عائداً من حديقة الأطفال… بدت البنايات وشوارع الحيّ هادئة صامتة. فترة العصر والشمس ساطعة لكنّها لطيفة غير حارقة. يوم لطيف بصراحة، على مطلع نهاية الأسبوع. كرهت ذلك. صعدت الدرجات محاولاً أن أكون خيالاً بلا صوت، حاولت أن لا أكون ملحوظاً. كما لو أنّ حضوري سيكركب أيّ شيء يحدث خلف تلك الأبواب الموصدة.

أشباح الغرفة أداروا وجوههم جميعاً صوبي لكأنّهم موصولين؛ وقد دخلت غرفة المعيشة المزدحمة بحضورهم. كلّهم حملوا ذات النظرة في عيونهم، التعبة الزجاجية الذاهلة. مع نظرهم باتّجاهي بدت الحال وكأنّهم ما انتبهن لحضوري بالمرّة. يا ترى هل كانت تعابيرهم تعكس التعبير على وجهي؟ كانوا مسترسبين في كلّ أنحاء الغرفة، مع انحناءة الكراسي، مائلون مع الجدران، كلّهم يحدّقون بالجسد الهامد على الأرض. لا أحد ينوي المغادرة. ليس منهم من هو قادر على فعل الكثير، فاكتفين بالتحديق.

حدّقن وهو يصرخ باسمه، متوسّلين إليه أن لا يأخذه ولا للحظة واحدة، ثمّ شتمنه ولعنّه تالياً فلم يصرخ بأيّ من أسمائهم. ثمّ شرعن في التحديق. وكذلك أنا، وجدت لنفسي زاوية في الغرفة وأشرعت التحديق. نُقشت تفاصيل المشهد في ذاكرتي. واليوم أتساءل، إلى متى ستسمرّ هذه الصورة في مطاردتي واصطياد خواطري؟

نهضت خارجاً من الغرفة، خارجاً من البيت، ثمّ خطر في بالي أن أسأل رواسب الأشباح إن كانت ترغب بأن أُحضر لها عرائس شاورما… ثمّ هزئت بنفسي. هذه أشباح من كنّ هنا… كانوا. لكن، أعتقد أنّ هذا هو شيء آخر مُلفت في غمّ الحزن. تتساءل في نفسك إن كان من الممكن، أو عليك، أن تحزن بدرجة أقل. لتساعد هؤلاء الألومين أكثر على الحزن بشكل كامل وكما ينبغي. أدركتُ متأخّراً أنّك لا تقدر على أن تفلتر حزنك (كما نفلتر سِلفيّاتنا). لأنّه تداخل ألمك الشخصي مع إسهاب الأسى تتشرّبه نفوس أولاءك الذين يعانون معك. يجب أن تشعر بكلّ المشاعر. يجب أن تشعر بكلّ شيء.

أن تنوح هو أن تقلّل عمق غمّ الحزن

ويليام شيكسپير

الحداد والتآزر

فقدان. فقيد. والأيّام طوال، واللّيالي أطول. وبينما تتحوّل الأسابيع أشهراً، يبقى إحساسي بالوقت ضائع بعض الشيء. حتّى أنّني أشعر بغرابة الجلوس هنا وكتابة هذه التدوينة. أستغرب ترتيب تعقيدات الفجيعة في ثلاث أقسام أنيقة لا تتّفق مع ما فيّ. فكرة أن أرتّب بعض الكلمات على صفحة ثمّ أختمها بخاتمة صغيرة لطيفة، تبدو فكرة غير لائقة.

قبل فترة استيقظت في وسط الليل متنبّهاً بالحمّى، ذاهل من ضغوط في حياتي ومنهك مسحوب العافية. وبالرغم من شعوري بخير في الأسابيع التالية، غير أنّني خَمِرت قلقاً شديداً لسبب ما أدركته. لم يسمح لي أيّ مقدار من التنفّس العميق بالتخلّص من فكرة أنّ الحياة ستُنزع مني إن استسلمت للنوم. كانت فكرة غير منطقية وسخيفة. كانت ضعفاً… شعرت بالضعف.

ومع ذلك، ها أنا ذا، أكتب كما لو كانت لديّ أيّ حكمة تقال في هذا الموقف. شعور غريب. خاصّة عندما يكون في الآونة الأخيرة في الحياة الكثير من الفقدان، والكثير من المآسي. لكن، وبينما يستمرّ العالم في الانتقال من مأساة إلى أخرى بسهولة ميكانيكيّة، كانت ولم تزل الأصوات الخام لأولئك الذين يحزنون وغمّهم الحزن، هي التي تذكّرني بأنّه لا يوجد شيء يسمّى عواطف غير لائقة. هذا كان بالنسبة لي تضامناً حقيقيّاً من العالم نلته في نفسي. هذا هو السبب الذي دفعني للشروع في كتابة هذه التدوينة، وهو السبب نفسه الذي يربكني في ختامها.

لا أجد في نفس الحكمة الكافية لأتناول هذا السرد بعدل يستحقّه. لكن أحدهم مرّة قال لي: “الكتابة هي أرض المعرفة. المشاركة هي كسر عبوديّة الذات.”. وهاته الكلمات ساقت حياتي مذّاك. حين تحثّنا كل غرائزنا على إخفاء آلامنا، فإنّ العرض غير الخجول لوهَننا هو الذي يحرّرنا. فيه حميميّة لا تصدّق، وقوّة لا تقاس… هو الانعتاق.

لذا، وعلى الرغم من انزعاجي عادة من نشر شيئ غير مصقول، غير أنّني أنشر هذه التدوينة كما هي، في حالتها غير المكتملة. وفي هذه الحالة، يكاد يكون غير المكتمل … كامل.

في غمّ الحزن لا يبق شيء على حاله. يستمرّ المرء بالخروج من المرحلة، لكنّها تعود على الدوام. كرّة بعد كرّة. كلّ شيء يتكرّر. هل أدور في دوائر؟ أو (بعيد الشر) أأتمنّى أنّني على دوّيخة؟

في كتابه غمّ حزن مراقَب، المعروف عربياً باسم حزن ملحوظ، يقول كليڤ لويس

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s