لغة, إتيمولوجي

في كلمتي أسود وأزرق

للوصول إلى المقصد العربيّ الصريح من كلمتي أسود وأزرق عدت إلى أقدم معجم عربي متاح اليوم، وهو الحبيب الغالي على قلبي تَاجُ اَلْلُغَةِ وَصَحَّاحُ اَلْعَرَبِيَّةِ الذي نشره المعجميّ القازاقي الجليل إسماعيل الجوهري في مدينة نیشاپور (دمشق الصغرى) في خراسان، نهاية القرن العاشر تحت حكم آل صفاریان. وكانت الحكومة الصفاريّة قد كلّفت الجوهري بوضع هذا الكتاب ليكون مرجعاً لمن امتهن مهنة الصحّاح في المدارس والمؤسّسات الدينية الإسلامية، والصحّاح هو موظّف مسؤول عن ضبط الشكل والنقط في المخطوطات العربية من دواوين ووثائق وكتب، وكل ما يكتب وينشر. وكان إسماعيل الجوهري قد استند في وضعه معجمه على كتاب العين الذي أخرجه الخليل الفراهيدي على مدرسة البصرة في مدينتها في القرن الثامن. وهو أساس لغتنا العربية اليوم ولهجتها الفصحى.

في الصحّاح يرد عن الجوهري الكثير من الصفات في كلمة أسود دون أن تكون بأغلبها ذات علاقة بلون. حيث يعود الجوهري بكلمة أسود إلى الجذر (س و د) ويفسّر أنّ المستخدم منه كلمة ساد… ساد قومه، سوّده قومه، أساد الرجل وأَسودَ بمعنى ولد غلاماً سيّداً… ولو أنّ السواد لون.

فلو قلت اسودّ فلان في قومه، فإنّي أقول أنّه ساد فيهم وبلغ السيادة. وسوَّدته أنا أي جعلت منه سيّداً. وساودني فلان فسُدْته، أي نازعني السيادة فغلبته. ومنها اسم الأسد وجمعها الأسود لأنّه سيّد في عالمه. والسادة في مجتمعهم أساوِد.

وتحدّث الجوهري كذلك عن كلام بعض الناس من أهل الحجاز في وصف التمر والماء معاً بالأسودين (الأسودان). وأهل المدينة المنوّرة يقصدن بالأسودين الحَرّة واللّيل. فالحرّ أسود واللّيل أسود، إذ يسود الظلام فيه كلّ شيء. وليس بسبب طبيعة لونه.

ويقول الجوهري في معجمه أنّ الأسود لون إذا كان نقيض الجَون. والجَونُ هو اسم اللون الأبيض في اللّغة العربية في الأساس. فالجَون هو النهار (ضدّ اللّيل)، والجَونة عين الشمس… مع ذلك بالجَون من الخيل والإبل أدهمها سواداً. والجونة كذلك هي الخابية المطليّة بالقار، ومعروف لون القار الأسود. وعليه فحتّى الأبيض قد يكون أسود في كلام العرب.

كلّ هذا ولم أقع فعلاً على ما يربكني بعد، لكن ما حقّقها فعلاً ورماني في التيه هو المقصود من كلمة أزرق.

في الصحّاح يرد عن الجوهري الكثير من الصفات في كلمة أزرق. لكن، كلّها تقصد البياض!

رجل أزرق العين وقد زَرِقَتْ عينُه بالكسر، إذا انقلبتْ وظهر بياضُها.

ويقال للماء الصافي: أَزْرَقُ.

المرأة زرقاء بيّنة الزَرَق إذا بان جلدها أبيضاً شديد الصفاء. قال ابن السكيت: نصلٌ أزرقُ بيِّنُ الزَّرَقِ، إذا كان شديد الصفاء. وصفاؤها الزُرْقَةُ. وإذا كانت شديدة البياض بياض الجص صارت صفتها امرأة مَقهاء.

ومعبود طيئ وأهل اليمن قديماً القمر كان اسمه المقه لأنّه بياض في زرقة، أي أنّ القمر بياض صاف في صفاء سماء الليل. فتكون الزرقة هنا هي الظلام.

الزرقة هي التمام والصفاء، ومقه هو البياض المستقلّ والصفاء نقيض الصفاء. ما يجعل من مقه النقيض التام لتمام الشيء.

والأبيض وفق الجوهري هو اللبن والسيف والجصّ وبياض العين… إلخ

تهنا! ما هو الأزرق!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s