العراق, تاريخ

دمار بغداد الكارثة الإنسانية

في مثل هذا اليوم 10 شباط من سنة 1258 سقطت أعظم مدن العالم القديم. وبغضّ النظر عن من فعلها وحاصرها… لكنّها سقطت وغمرها الخراب من كلّ جانب، فما كان الفاتح رحيماً ولا ابتغى الخير.

تبدأ حكاية سقوط بغداد سنة 1219… مع أنّ الحدث الجلل قد صار بعدها بأربع عقود، غير أنّ القصّة تبدأ في غير موضع.

نهاية القرن 12 عرفت منطقة غرب آسيا اضطرابات سياسية مختلفة، أساسها مساعي السلطان طغرل سوم (طغرل الثالث) لاستعادة أمجاد سلطنة السلاجقة وتدخّله في سياسات دول وسط آسيا الداخليّة، كما حاول فرض سلطانه على الخليفة العبّاسي في بغداد وأعلن نفسه سلطاناً على العراقين. هذه المساعي دفعت الخليفة أحمد الناصر لدين الله للتحالف مع شاه خوارزم علاء الدين تكش، فهاجمت قوّاتهم معاً عاصمة السلاجقة وأنهت دولتهم.

سنة 1194 دخلت القوّات الخوارزميّة مدينة همذان عاصمة سلاجقة العراق وانتهت بالتالي دولت سلجوقيان. ثمّ بعدها بأربع سنوات، سنة 1198 صارت الخلافة العبّاسية تحت حماية خوارزم شاه، وأعلن الخليفة العبّاسي سلطان خوارزم على إيران وخراسان وتركستان.

في تلك الفترة كانت خوارزم شاه على صراع مع دولة مجاورة من الشرق تحكمها سلالة صينية-مونگولية هي خانيّة قراخطاي (هطاي السوداء)، اختارت دولت سلجوقيان في همذان الوقوف إلى صفّ قراخطاي فصارت تلقائياً من أعداء خوارزم شاه. وعلى الرغم من نهاية هذه الأزمة الدولية بضمّ خوارزمشاه لخانيّة قراخطاي وبانتهاء دولت سلجوقيان سنة 1194، لكنّ أزمة من شكل مختلف تماماً كانت تتشكّل تحت جمر رمادها.

في فترة الحروب الصينية-المغولية مطلع القرن 13 امتلأت قراخطاي باللاجئين الصينيّين الهاربين من هذه الحرب، بالإضافة إلى النبلاء من المونگول المعارضين لجنكيز هان. فصارت خانيّة قراخطاي (وهي تحت حماية خوارزمشاه عملياً) قاعدة عمليات المقاومة الصينية ضدّ جنكيز خان.

سنة 1216 بدأت مساعي جنكيز خان لتحرير قراخطاي (من وجهة نظره على اعتبارها دولة مغولية) ولتحييدها عن صراعاته في الصين. ورأى أنّ التعاون مع خوارزمشاه أفضل من حربها في ذلك الوقت. فجمع نحو 500 من تجّار بلاده المسلمين (وكان في الصين ومونگوليا الكثير من المسلمين آنذاك) وأرسلهم في قافلة كسفارة إلى شاه خوارزم لمدّ أواصر التعاون والتحالف بين البلدين، عارضاً فتح شبكة تجارة رسميّة ما بين البلدين مقابل إيقاف المعارضة الصينية من استعمال قراخطاي كقاعدة عسكرية.

لكن، حاكم فاراب الخوارزمي ينال چق اعتقل السفارة كلّها بتهمة التجسّس، ثم أعدمهم جميعاً بإذن من السلطان محمّد. أعاد جنكيز خان إرسال سفارة مكوّنة من أحد أقربائه المسلمين ومعه اثنين من بني عمّه، أرسلها هذه المرّة إلى الشاه محمّد نفسه يطالب بإرسال ينال چق معهم لينال عقاباً جزاء صنيعه فيعتبر خان المغول كأنّ الذي حدث ما كان. فقام الشاه محمّد بقطع رأس السفير وأعاده محمولاً مع المرافقين المغول بعد أن حلق شعر رؤوسهم ووجوههم كبادرة للإهانة.

سنة 1219 بدأ جنكيز خان بالردّ عسكريّاً على هذه التصرّفات وأرسل جيشاً حاصر فاراب وأزالها من الوجود. وبدأت بهذه العمليّة حرب عظمى أسّست لما صار يُعرف بالإمبراطورية المغولية، ومهّدت لسقوط مدينة بغداد.

امتدّت الحرب المغوليّة-الخوارزميّة سنتين انتهت سنة 1221، شارك فيها نحو مليون ومئتي ألف عسكري من الجانبين، وراح ضحيّتها نحو 15 مليون من سكّان خوارزمشاه. شارك في العمليّات الحربية 12 فيلق مونگولي منهم مغول وترك وصين. مقابل 4 فيالق خوارزمية كلّهم من الترك. وبسقوط خوارزم وصلت القوّات المغولية بالتالي على حدود دولة الخلافة العبّاسية في العراق.

بسقوط خوارزم شاه سنة 1221 صارت دولة الخلافة العبّاسية مكشوفة عمليّاً، وهي دولة أضعف من أن تدافع عن نفسها في وجوه الإمبراطوريّات، فعقدت التحالف مع الدولة الأيّوبية وصارت تحت حمايتها.

سنة 1250 اندلعت الحرب الأهليّة الأيّوبيّة، حين صارت مصر عمليّاً تحت حكم المماليك التركمان (القازاق) بينما انفصلت عنها الشام وحلب تحت حكم المماليك الموالين للأيّوبيّين.

سنة 1256 تأسّست في مدينة ماراغا الأذربايجانية (شمال إيران) الدَّولَةُ الإِيلخَانِيَّةُ المعروفة باسم مغول فارس، وهي الدولة التي حلّت محلّ خوارزمشاه وانتحلت أنظمتها الإدارية ذاتها، باستثناء أنّها كانت دولة معادية للعرب وللمسلمين عمومًا.

استغلّ هولاكو خان، إيلخان فارس، ركاكة الأوضاع السياسية في السلطنة الأيّوبية وأعدّ جيوشه لفتح العراق ودخول بغداد. وتشير بعض المراجع التاريخية هنا إلى مساع جذبت الجانبين المغولي والعبّاسي للتراضي بنزول الخلافة العبّاسية تحت حماية إيلخان فارس، لكنّ مشكلة معنويّة حالت دون تمام هذا التحالف. فإيلخان فارس عملياً هو نائب خان المغول في بكين، ويقدّم المراسلات باسمه، فإذا صار الخليفة العبّاسي تحت حماية إيلخان فارس صار واجباً عليه تقديم المراسلات باسم خان المغول، وهو غير مسلم، ما يعني نزول المسلمين جميعاً بإسلامهم تحت اسم خان المغول؛ وهو ما لم تقدر عليه مؤسّسة الخلافة الإسلامية في بغداد.

مع رفض الخلفية العبّاسي المستعصم باللّٰه لطلبات هولاكو، بدأ الأخير وبعد سنتين فقط من تأسيس مملكته بالزحف صوب بغداد.

نهاية كانون الثاني سنة 1258 فرضت القوّات الغازية حصاراً على بغداد، رفعته قوّات إيلخانية فارس، وكان فيها مغول وترك وثنيّين، وفرس وكرد من إمارة هزاراسپیان، بالإضافة إلى قوّات أرمنية من مملكة گيليگيا، وقوّات مملكة جورجيا، وقوّات إمارة أنطاكية النورمانية. تكوّنت القوّات المغولية من 8 فيالق إلى جانب فيلق جورجي وفيلق أرمني ضمّ في قيادته الفرقة النورمانية وبعض فرق الصليبيّين.

في بغداد كانت على المقاومة خمس فيالق: فيلقين للخلافة العبّاسية وعليهم مجاهد الدين أيبك الدويدار، وفيلق شهاب الدین سلیمان شاه أمير إمارة جبل داسن الكردية، وفيلق قره سُنقر التركماني، وفيلق باسم الأشرف مظفر الدين موسى الأيّوبي، لكنّه كان من بقايا أحلاف الأشرف موسى في الشام وهو كان قُتل في القاهرة قبلها بأربع سنوات.

دخلت قوّات إيلخانيّة فارس بغداد بالخدعة وقد ظنّ الخليفة أنّهم عرضوا الهدنة فاعتقلنه وأسرنه يوم 10 شباط 1258، ثمّ استباحوا بغداد 12 يوم وقتلوا مليونين من أهلها وأهل العراق، ثمّ أعدموا الخليفة يوم 20 شباط.

لوحة مرسومة في القرن 15 صوّر فيها الرسّام Maître de la Mazarine هولاكو ملك إيلخانية المغول في بغداد يحبس الخليفة العبّاسي عبد الله المستعصم بالله في قفص مع كنوزه.
لوحة مرسومة في القرن 15 صوّر فيها الرسّام Maître de la Mazarine هولاكو ملك إيلخانية المغول في بغداد يحبس الخليفة العبّاسي عبد الله المستعصم بالله في قفص مع كنوزه.

كانت بغداد آنذاك كالڤاتيكان اليوم، حاضرة علوم ومتاحف ومكتبات، وتميّزت عن كلّ العواصم الدينيّة في العالم (وحتّى اليوم) أن كانت أغلب منشآتها جامعات وأكاديميّات علميّة. وهو كان عماد اقتصاد أغلب سكّانها. فجاء دمارها كارثة إنسانيّة على العالم وعلى التاريخ الإنساني، لا مجرّد هزيمة عابرة على حدود السياسة.

إذ احترقت الكثير من المُؤلَّفات القيِّمة والنفيسة في مُختلف المجالات العلميَّة والفلسفيَّة والأدبيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة وغيرها، بعد أن أضرم المغول النار في بيت الحكمة، وهي إحدى أعظم جامعات العالم القديم، فيها أهمّ مكتباته آنذاك، وكان تراث العالم القديم كلّه فيها تقريباً من مخطوطات عربية سريانية وزبوريّة وتركية وإغريقية ومصرية وغيرها، وألقوا بالكُتب في نهريّ دجلة والفُرات، كما فتكوا بالكثير من أهل العلم والثقافة، ونقلوا آخرين معهم إلى إيلخانيَّة فارس. نتيجةً لِذلك، عدَّ الكثير من المُؤرخين المُسلمين والغربيّين سُقوط بغداد نهاية العصر الذهبي للإسلام، فيما يراه المُؤرّخون المُعاصرون بداية انحدار الحضارة عموماً وتراجُعها.

بعد تدمير بغداد وبدئاً من يوم 22 شباط 1258 تحرّكت قوّات هولاكو تدمّر مدن الجزيرة واحدة واحدة، وكانت فيها حواضر أهمّ الصناعات العربيّة آنذاك، وتسبّبت موجة التدمير هذه بتحرّك موجة من الملايين من النازحين الذين فاضوا على مدن حلب والشام ووصلوا حتّى ألمانيا والنمسا، ناقلين معهم أسرار صناعات الزجاج والحديد والورق وغيرها. وعانت من بعدها منطقة الجزيرة أكبر كوارثها الاقتصادية التي استمرّت قروناً دون تحسّن، وهي كانت أثرى أقاليم العرب جميعاً في العالم. وفيها كانت حواضر استمرّت فيها الحياة آلاف السنين دون انقطاع، إلا سنة 1258، كمدن آشور ونينوى والرقّة وغيرها.

في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني في القرن 16 جرت مساع لاستحضار ما بقي من علوم بغداد، وكلّف السلطان لجنة من قصرة للبحث عن المخطوطات العبّاسية وشراءها، ومنها ما صار دساتيراً للحياة في القصر، كمثل كتاب الطبيخ البغدادي مثلاً، المكتوب في القرن 13 والمطوّر أصولاً عن كتاب لابن سيّار الورّاق من القرن 10… وهو أقدم كتاب في علوم الطبخ في العالم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s