أديان, تاريخ

رمزيّة الغراب ومعانيها، في الفلسفات الدينية والأرواحية

الطيور حيوانات مسالمة وحرّة. ولطالما ألهمت البشر على الأرض الكثير من أفكارهم. تراها أحياناً كأنّها تعرف ما يدور في أذهاننا حتّى يتهيّأ لنا وكأنّها تعطيها الإجابات التي نحتاجها. ولربّما افترض الإنسان قديماً أنّها ولطالما تطير فهي إلى الله أقرب، وقادرة على نقل الرسائل ما بين الخالق في السماء والمخلوق على الأرض. والعرب من أكثر الشعوب التي تأثّرت بطيران الطيور وتغيّرت فلسفاتهم ونظرتهم إلى الحياة والموت بتأثّرهم بالطيور وبأفكارهم حولها. وتتغيّر رمزيّة كلّ نوع من الطيور ما بين زمن وآخر وشعب وآخر، ما قد يجعل معرفة الاختلافات في معاني هذه الرمزية من أهمّ المعارف بين الناس.

من بين جميع الطيور الملوّنة المحيطة بالبشر، سواء بألوانها أو بتغاريدها، يبرز طائر بحضور مريب. ربّما بسبب مظهره، وربّما بسبب صوته الخشن المزعج. مع ذلك، يبقى الغراب مثار فضول وحيرة الجميع على هذا الكوكب، يتساءلون عن رمزية وجوده في هذه الحياة.

رمزية الغراب ومعانيها

كثيراً ما نخلط ما بين الغراب الزاغ والغداف، لكن عمومًا تنظر الناس إلى الغربان على أنّها تمثيل للحظّ السيّء. مع ذلك فهذا لا يمثّل معاني رمزيّة الغراب في كلّ العالم. في أغلب تراث العالم، ترمز الغربان إلى التحوّل والتغيير. فهي مخلوقات يقظة نبيهة ولديها نظر حاد وقوي. إذا حدث ومررت بغراب، وخفت من حضوره وتشاءمت بسلبيّة، تذكّر أنّ السلبيّة هنا هي واحدة من العديد من النتائج المحتملة لتأثير الغراب. يمكنك التحكّم بمشاعرك وتغيير التشاؤم إلى تفاؤل وإذ ذاك تتحوّل المشاعر السيّئة إلى دوافع للبصيرة وإلى مشاعر موجبة.

يتأثّر العرب إلى اليوم بأسطورة غراب البين التي تعود إلى أيّام الدولة السلوقية وعبادة هيرا في العراق في العهد الهيليني حتّى صارت تقول الناس “وجهة بيقطع الرزق مثل غراب البين”… وكانت هيرا رسولة زِوس (داگون) توقع بين المتزوّجين وتثير المشاكل في الأسرة كعقاب على ذنوب أحد الزوجين. وكانت ترسل سحرها لزرع البَيْنُ مع الغربان والقطط السود، فكانت الناس تتشاءم من الغراب وتسمّيه غراب البين أي غراب الفرقة، لأنّه وبحسب الأسطورة لا يظهر إلا إذا حمل رسائل البَيْنُ من هيرا التي كانت تنزّل أوامرها مع قوس قزح للتفريق ما بين المتزوّجين أو الشركاء أو قطع الأرزاق.

غراب البين، الزاغ المقنّع
غراب البين، الزاغ المقنّع

الغراب في اللّغة العربية

الغُرَاْبُ سمّاه الناس غراب عن السريانية الموصلية غوربا ܥܘܪܒܐ عن الآرامية البابليّة أوربا עוֹרְבָא ويمكن لفظها عوربا وغوربا وأوربا وكذلك أتت في بعض اللّهجات خوربا، وبنفس الكتابة. والمقصود في كلّ أشكال الكلمة هو ذهاب سطوع اللّون، وذهاب النور، والعتمة، والتشبّه بأسماء غروب الشمس. فكانت السريان قديماً؛ ولما كانت على عبادة الشمس، تؤمن أنّ الغراب يصلّي مودّعاً الشمس ساعة غروبها، فصار اسمه طائر غروب الشمس، غوربا.

في العهد الأگّدي قبلها أطلقت الناس على الغراب تسمية إىريبُ erēbu وكذلك إيرِبُ ēribu وكلّها أسماء تشارك الغراب مظهر غروب الشمس، ومنحت العرب الغراب لقب ملك الطيور في العهد الأگّدي وسمّته إذ ذاك قارِبُ qāribu وعنها انتحل آخرون من العرب في العراق ومصر فرضيّة أنّ الغراب هو رفيق الموتى على قارب الموت عابراً نهر البرزخ من هذا العالم إلى عالم الأموات. وهذا سبب منح القارب اسمه من الأساس.

الغراب في الإسلام

في التراث الإسلامي نجد فريقين، أحدهم يشجّع على قتل الغراب ويسابق في كراهيته، والثاني يدافع أن التشاؤم بالغراب من أعمال الجاهلية وأنّ الإسلام خلّصنا منها، ووصل بحدّ كراهيّة الغراب إلى الكفر.

ففي حديث مقتطف عن رسول الإسلام ومنقول على لسان عائشة قولها: “خمس من الدواب كلهنَّ فاسق يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور”. وبهذا قال بعض أئمّة الإسلام بأنّ الغراب من الفواسق التي تُقتل في الحل والإحرام لأنّها من النجاسة. ثم قال طرح التثريب في شرح التقريب [جـ5 صـ56]: “فظهر بذلك أن مذاهب الأئّمة الأربعة متّفقة على أنّه يستثنى من الأمر بقتل الغراب غراب الزرع خاصة، فأمّا أن يكونوا اعتمدوا التقييد الذي في حديث عائشة بالأبقع وألحقوا به ما في معناه في الأذى وأكل الجيف وهو الغداف، وإمّا أن يكونوا أخذوا بالروايات المطلقة وجعلوا التقييد بالأبقع لغلبته لا لاختصاص الحكم به وأخرجوا عن ذلك غراب الزرع وهو الزاغ لحلّ أكله فهو مستثنى بدليل منفصل” وبهذا خرج فريق ميّز ما بين الغداف والزاغ، فصار المكروه في الإسلام هو الغداف فقط (القاق) وأمّا الزاغ فقرّبه المسلمون إلى درجة حلّ أكله.

وبينما يعرّف فريق من المسلمين الغراب بأحد الفواسق التي جيب قتّلها في كلّ الأحوال في الحل والحرم، يأتي فريق ثان ويرى أنّ الغربان هي منظّفات للأرض. ويحاجج بآية من القرآن فيها: “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ” {القمر:49} ما يتعارض تماماً مع طرح الحديث المنقول على لسان عائشة. وذكر البغوي في التفسير عن كعب الأحبار: أنّ سليمان قال: والغراب يدعو على العشار، والحدأة تقول: كل شيء هالك إلا الله. ثمّ ذكر ابن حجر في الفتح أن التشاؤم بالغراب والاستدلال بنعابه على الشر والخير من أعمال الجاهلية فأبطله الإسلام. ثمّ وصل الفكر بهذه الطائفة أن اعتبرت كراهة الغراب والتشاؤم به من الكفر إذ وقع في فتاوى قاضي خان الحنفي: من خرج لسفر فسمع صوت العقعق فرجع كفر. انتهى، والعقعق نوع من الغربان نسمّيه بالقاق.

أخيراً يستشهد القرآن بالغراب أنّه مصدر من مصادر تعليم الإنسان آداب الحياة وأقتبس هنا آيتين من سورة المائدة: “فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ * قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ”. وكان هكذا قابيل أعجز من الغراب في التفكير في دفن الميّت، وتقول الآداب الإسلامية أنّ الله أرسل الغراب برسالة ليعلّم قابيل حسن التصرّف، فصار الغراب هنا من رسل الله إلى بني آدم. فبَطُلت هكذا فكرة التشاؤم بالغراب وتعارضت مع الشائع عن التشجيع على قتله.

الزاغ الزرعي
الزاغ الزرعي

الغراب في المسيحيّة

نجد أنّ الخلط ما بين الغراب الزاغ والغداف واضح أكثر في المعتقدات المسيحيّة. مع ذلك، اللّفظة عامة في الكتاب المقدس، تشمل جميع أنواع الغِربان وأصنافها، مثل القاق والقعق، مما ينتمي إلى عائلة الغربان. ولما كانت هذه الطيور تعيش على الأوساخ فقد اعتبرها الله نجسة وحرَّم على اليهود أكل لحومها (سفر اللاويين 11: 15). وقد ورد ذِكْر الغربان في الكتاب المقدس في بعض التشبيهات، كالتشبيه بسواد لونه الحالِك (سفر نشيد الأنشاد 5: 11)، وبنهشه الجثث (سفر الأمثال 30: 17) وسكنى الدمار (سفر إشعياء 34: 11).

ومن أخبار الغربان في الكتاب المقدس خبر الغراب الذي أرسله نوح من الفلك الذي كان يسكنه في أثناء الطوفان العظيم الذي لم يرجع إليه بعد أن وجد لنفسه مكانًا يرسو فيه (سفر التكوين 8: 7). وخبر الغراب الذي كان يطعم النبي إيليا باللّحم والخبز طيلة فترة إقامته قرب نهر كريث عند حلول المجاعة بالبلاد (سفر الملوك الأول 17: 2- 7). ووفق الآداب المسيحية فالغراب جنس طير من الجواثِم، ويطلق على أنواع كثيرة منها الأسود والأبقع والزاغ (الغراب الزرعي)، والغداف (الغراب الأسحم) وغيرها. وَيُضْرَب به المثل في السواد “رَأْسُهُ ذَهَبٌ إِبْرِيزٌ. قُصَصُهُ مُسْتَرْسِلَةٌ حَالِكَةٌ كَالْغُرَابِ.” (سفر نشيد الأنشاد 5: 11)، والنشاط والحذر. فيقال: “بكَّر بكور الغراب”، “وفلان أحذر من الغراب”.

وعلى هذا فالغراب مكروه عموماً في المسيحيّة ومن مبدئها، ولربّما كانت هذه الكراهية هي ما استمرّ في فريق من المسلمين بعد تحوّل مسيحيّين إلى الإسلام.

القاق، غداف الشرق الأوسط
القاق، غداف الشرق الأوسط

الغراب في تراث الأميركيّين الأصليّين

اتّخذت رمزيّة الغراب منعطفاً أكثر إشراقاً في الفكر السائد في أوروپا عندما اكتشف الناس معتقدات الأمريكيّين الأصليّين حول هذا الطائر. فقد اعتقد الأميركان دائماً أنّ الغربان هي منظّفات للأرض والعقل. يمكننا أن نرى أصداء هذا الاعتقاد في فولكلورهم وأناشيدهم الدينيّة، حيث يصوّرون ذكاء الغراب على أنّه من سماتهم الرئيسية كمعتنقي الأرواحيّات القديمة.

يختلف معنى كلمة غراب لدى الأمريكي الأصليّ عن بقية العالم. ففي حين كان بقيّة العالم يرى الغربان وإلى حدّ بعيد فألاً قاتماً غير حسن، كان الأميركان الأصليّون يعتبرونهم علامة على حسن الحظ. وحتّى يومنا هذا، يتمسّك الأميركان بهذا الاعتقاد في كل مرّة يعبر فيها غراب طريقهم. وكانت ثقافة الأمريكيّين الأصليين تضمّ العديد من عشائر وقبائل الغراب الذين اعتادوا استشارة الغراب للحصول على كلمة من الحكمة في أوقات الحاجة. ضمّت عشيرة الغراب القبائل التالية:

  • قبيلة الهوپِ، وكانوا من عشيرة غراب معروفة باسم أُنگوِش-إيُنگوا أو أنگوُسنگيَم، وهو كذلك لقب يحمله رأس العشيرة أو القبيلة.
  • قبيلة چِپَيوه، وكانوا من عشرة غراب مغروفة باسم آندِگ، وهو كذلك لقب يحمله رأس العشيرة أو القبيلة.
  • بالإضافة إلى قبائل پُيبلو و تلِتگِت و مِنومِني و قَدّو. وجميعها قبائل جنوبية في الولايات المتّحدة الأميركية وشمال المكسيك. 

وتدرك هذه القبائل والعشائر أنّ الغربان تأكل الجيف، لكنّها تدرك كذلك أنّ العديد من الحيوانات الأخرى مثل الدببة أو النسور الصلعاء تفعل ذات الفعل. وهذا عُرف من أعراف الكثيرين في دائرة الحياة، ولهذا اختاروا تجاوز مسألة أكل الجيفة. وعند الإشارة إلى الغراب، يبدو أنّ الفولكلور الأمريكي الأصلي يتحدّث عن حيوان يمثّل امتزاجاً بين الغراب الزاغ وابن عمه، الغداف. يمكن فهم الارتباك بالنظر إلى ميزاتهم المتشابهة تماماً، لكن هذا يعني أنّ الأميركان الأصليّين كما العرب، ميّزوا ما بين الغداف وغراب الزاغ، واختاروا أخيراً التفاؤل بمخلوق يجمع صفات الطائرين معاً.

الغداف
الغداف

الغراب في الكلتيّة 

مثل الأمريكيّين الأصليّين، سخر الكلت من الرمزية المظلمة المحيطة بالغراب. يرمز الغراب الكلتي إلى الفردانيّة والمعرفة النبويّة والتجاهل التام لما يعتقده الآخرون. في الغالب، يجسّد الغراب مزيجاً من القدرات والمهارات التي يحتاج الإنسان إلى تعلّمها، وبهذا يتطابق مفهوم الكلت لدور الغراب مع المعاني الآتية من سورة المائدة في القرآن. ويكرّم الكلت الغربان بعمق كإشارة مرسلة إليهم من الأنبياء أو الأوراكل في أثناء ممارسة الاستبصار. اعتقد السلتيون أن الغربان تحمل أسراراً إلهيّة محشورة بين ريش أجنحتها. لذا كثراً ما نرى زعيم قبيلة كلتية مزيّناً رأسه بريشة جناح غراب، أو بتاج مصنوع من أرياش أجنحة الغربان.

إنّ أهميّة الغراب الكلتي بارزة للغاية لدرجة أنّهم كانوا يعتقدون أنّ لهذه الطيور صلة بإله الخلق والشمس، لوگوس Lugus (لقّس). هذا، مرّة أخرى، تناقض مباشر مع سمعة الغراب كرمزيّة للظلام. واشتهرت أهمّية رمزيّة الغراب وقيمتها إلى درجة أنّ قتل الغراب كان يُعتبر جناية في ظلّ حكم الكاهن الكلتي، قبل الدول الرومانية. وعلى هذا فكانت قيم الكلت الاجتماعية مأخوذة في الأساس ممّا تعلّمنه من الغربان، من الاقتناع بفردانية الإنسان في الحياة، وتفضيل الفردية على الجمعية، ما رفع من قيمة الفرد في المجتمع الكلتي، بالإضافة إلى القناعة بضرورة عدم الاهتمام بما يعتقده الآخر. وهذه حقيقة قيم يسعى المجتمع المعاصر كلّ جهده لتحقيقها، لتحقيق عدالة اجتماعية ودولة مواطنة عادلة.

أطلق الكلت على زعمائهم، سواء السياسيين أو الدينيين، لقب ذوي الريش الأسود، تشبيهاً بالغربان، وكانت من أجمل صفات العساكر والجيوش في أعرافهم هي الغربان السود، فكانوا إذا اقتربت المعركة يدهنون وجوههم بالأسود تشبّهاً بالغربان، ويحملون أرياشها تبرّكاً واتّقاءً للحظّ العاثر. في الأساطير الكلتية، غالباً ما تتّخذ مورِّغان Morrighan، ربّة المحاربين، شكل غراب أو ترافقها مجموعة منهم. ويقال أنّه حين ترى مجموعة من ثلاث غربان تقترب، فهذه علامة على مرور مورِّغان. هذه الفلسفة استمرّت في أوروپا الرومانية بعد المسيحية وتحوّلت إلى أسطورة تحوّل الساحرات إلى غربان سود للاختفاء عن عيون الناس.

ختاماً، ما بين ربط الإغريق القدامى ما بين ذكاء الغربان وبركات هابطة من الأنبياء والقدّيسين، وما بين ربط الصينيّين القدامى ما بين الغراب والشمس والحظّ الجيد والبركة. تبقى فلسفاتنا الاجتماعية مرتبكة حيال الغراب، أهو فأل حسن أم فأل شر وضرّ… وبالنسبة لي، يبقى إطعام الغربان على شرفتي بقايا وجباتي والعظام، تسلية تشعرني بتقديم شيء من الخير لهذا العالم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s