تونس, تاريخ, شخصيات عامّة

الملكة عليسة والشرف الفنيقي

بمناسبة يوم المرأة العالمي، أقصّ عليك حكاية امرأة رفضت الخنوع فرفعها العرب والإغريق إلى مراتب الآلهة.

قبل ثلاثين قرن عاشت أميرة في مدينة صور الفنيقيّة. كانت ابنه الملك ووليّة العهد وزوجة الكاهن الأعظم. وعقب وفاة أبيها تُوّجت على عرش صور فجمعت في بيتها سلطات الدين والسياسة معاً، بمنصب زوجها. لكن انقلاباً عسكرياً أدّى إلى مقتل زوجها على يد أخيها پُمَيّتون 𐤐𐤌𐤉𐤉𐤕𐤍 (پُمَيّةٌ) الذي طمع بالسلطة، فهربت الأميرة مع المخلصين لها على سفينة من مدينة صور إلى قبرص.

تحدّث اللاتينيّون عن سيرة الأميرة في الإنيادة Aenē̆is باسم ديدو. واسمها ديدو اللاتيني مستورد من لغة الإغريق الذين أحبّوها وقدّسوها كذلك وأطلقوا عليها اسم ديدون Διδώ بمعنى المحبوبة الرحّالة والعزيزة، وعُرّب هذا الاسم إلى ديدون و ددن، ويبقى هذا الاسم لقب وكنية وليس أسماً حقيقياً. أمّا اسمها الحقيقي فهو عِلِّيسَة 𐤏𐤋𐤋𐤉𐤔𐤄 وتُعرف في التراث كذلك بأسماء أليسّا وإلِسّا وإليزا وأليسار، ونُسجت حول قصّتها العديد من الأساطير، أشهرها أسطورة افتدائها أهل مدينتها بجسدها. واشتُهرت حكاية عِلِّيسَة بين الإغريق حتّى أطلقوا على قرطاج؛ المدينة التي أسّستها، اسم قَرخيدون Καρχηδών من دمج كلمتي قرخ و ديدون؛ أي قرية ديدون.

منحوتة تجسّد علّيسة تهمّ بطعن نفسها، منحوتة من الرخام خلال القرن 17 وموجودة اليوم في متحف اللوڤر في پاريس. Christophe Cochet
منحوتة تجسّد علّيسة تهمّ بطعن نفسها، منحوتة من الرخام خلال القرن 17 وموجودة اليوم في متحف اللوڤر في پاريس. Christophe Cochet

بعد أن خسرت عِلِّيسَة زوجها على نصل أخيها پُمَيّتون نزحت إلى جزيرة قبرص، وكانت الجزيرة آنذاك من أملاك مصر. وأسّست الأميرة مع جماعتها ميناء ”قِتيون“ 𐤊𐤕𐤉 (قتيٌ) شرق جزيرة قبرص. ومن قِتيون استوطن جماعة عِلِّيسَة جزيرة سردينيا وأطلقوا عليها اسم ”شردون“ (شردٌ) 𐤔𐤓𐤃𐤉 أي ملجأ. لاحقاً تمكّن جيش پومَيّاتون من أخذ مدينة قِتيون وكلّ قبرص، فلجأت عِلِّيسَة إلى ملك مصر واستأذنته استكشاف ساحل ما كان يسمّى آنذاك ”مصر الجديدة“ وهي ليبيا المعاصرة، فصار غرب الساحل اللّيبي وكل المستوطنات الفنيقية على غربه من أملاك عِلِّيسَة وبحماية ملك مصر.

وبمباركة ملك مصر استقرّت علّيسة في مدينة أوتيك التونسيّة واسمها من الفنيقية 𐤏𐤕𐤒 و 𐤏𐤕𐤂 ويعني العتيقة (عتيگ). وصارت أوتيك عاصمة لدولتها الجديدة التي أطلقت عليها تسمية آفرين 𐤏𐤐𐤓𐤉 (عفريُّن – عفريٌ). ثم، سنة 814 ق.م قرّرت علّيسة بناء ميناء جديد وعاصمة جديدة لآفرين، فكانت قرطاج قَرْت حَدَشْت 𐤒𐤓𐤕𐤟𐤇𐤃𐤔𐤕 على بعد 30 كلم من أوتيك.

بعد 15 سنة من تأسيسها وقد ازدهرت قرطاج صارت مطمع الماكستانيّين (الأمازيغ) وكان لهم مملكة غرب ليبيا ساهم أبناؤها في العمل في آفرين. لذا طلب ”لَربَس“ ملك الماكستانيّين عِلِّيسَة زوجة له وهدّد بغزو وتدمير المدينة إذا رُفض طلبه، ومنح عِلِّيسَة ثلاث أشهر للردّ. خافت عِلِّيسَة على مستقبل مدينتها، وعزّت على نفسها ذكرى زوجها الشهيد. فقدّمت للَربَس ردّاً لم يخطر على بال أحد. إذ أمرت شعبها ببناء منصّة جنائزية كبيرة وسط المدينة وزعمت أنّها تهيّئ لاحتفال كبير. ثمّ أوقدت النار بالمنصّة وصعدت عليها وطعنت نفسها وسط ذهول الفنيقيّين والماكستانيّين، فماتت واحترقت ولم يبق منها أثر. وأفهمت الماكستانيّين هكذا أنّ شرف الفنيقي هو الموت ولا المذلّة.

تأثّر الفنيقيّون بتضحية علّيسة وانتشرت حكايتها بين كلّ العرب، وقدّسها أهل المدينة من بعدها واعتبرنها شفيعة قرطاج التي أفدت المدينة بجسدها، فنشأت من بعدها أسطورة العنقاء التي تحترق كلّ عام حتّى الرماد. ومع اعتبار علّيسة شفيعة قرطاج صارت قدّيسة شفيعة في حضرة بعل حمّون 𐤁𐤏𐤋 𐤇𐤌𐤍 (بعل آمون ومعناها الربّ القمر)، وصعدت قدسيّتها مع الزمن حتّى اقترنت أحياناً بوجه تانّيت (تأنيث) 𐤕𐤀𐤍𐤉𐤕، الربّة التي جسّدت الوجه الأنثوي لبعل حمّون.

عبد الفنيقيّون كذلك الربّة عشترت 𐤏𐤔𐤕𐤓𐤕 الأوگاريتية كربّة للخصوبة الجنسيّة والحبّ والحرب، التي رُمز لها بالنجمة الخماسية وبتمثال أبي الهول، واعتبر القرطاجيّون أنّها تتجسّد في أنثى الأسد والحمامة والفرس. وعلى الرغم من عبادة الفنيقيّين لعشترت إلّا أنّ ذلك لم يمنع صعود علّيسة مع الوقت إلى رتبة الآلهة، حتّى بنيت لها معابد خاصّة بتفاصيل أنثويّة؛ وانتشرت ديانتها في عموم شمال أفريقيا واعتنقها النوبيّون جميعاً.

وصعدت مرتبة القدّيسة علّيسة بين بعض العرب أكثر حتّى اعتبرنها قرينة عشتار وتجسيد لها على الأرض وأنهنّ معاً أُقنوم واحد؛ نزلت عشتار في صورتها على الأرض لتفتدي بجسدها أخطاء البشر، أبنائها. وهكذا صار دوسرا (ذو الثرى) كذلك ابن لعلّيسة فنُصبت لها الأنصاب في بصرى الشام وحيث عُبد دوسرا بين العرب.

سنة 146 ق.م فتح الرومان دولة آفرين (عفرين) الفنيقية ودمّروا عاصمتها قرطاج تدميراً تامّاً، فنزح مركز ديانة علّيسة بعد تسع قرون من تأسيسها ليستقرّ في مدينة أسوان، وكان اسمها قد صار آنذاك عيسه Ⲏⲥⲉ وهي ذاتها التي يُقرأ اسمها خطأ اليوم إيزيس. وكان الملك المصريّ “نخت أنبو الأول” قد بنى معبداً كبيراً لعيسه خلال القرن الرابع قبل الميلاد على جزيرة وسط النيل أسماها الپطالمة لاحقاً جزيرة فيلة، ذات اللّقب الذي قُدّست به عيسه في الفترة الهيلينية وما بعدها. بديلاً عن ديدون.

وفيلة عن الكلمة الإغريقية فيليَه φιλία أي الحبيبة، لكثرة ما عُبدت عيسه بالحبّ. بسبب تضحيتها في سبيل الحبّ، ولمحبّتها للناس ومحبّتهم لها على درجة فيليَه. وفيليه هي الدرجة الثالثة من درجات الحبّ في الفلسفة الهيلينيّة، إذ هو الحبّ الأخويّ، أي الحنان بين أصدقاء، والولاء الذي ينمو بين الناس إلى درجة تتفوّق فيها العلاقة على ارتباط الدم والأنساب، من دون الوصول إلى الإيرو.

استمرّت أنوثة الديانة المصرية الجنوبية في العهد الپطُلمي وأنوثة معابدها إلى أنّ أكره البيزنطي جستنيان الأوّل أسوان على التخلّي عن ديانتها لمصلحة المسيحيّة في القرن السادس. وانتهت بالتالي آخر معاقل عبادة علّيسة الفنيقية وآخر الديانات الأنثويّة في شمال أفريقيا وبين العرب، بعد أن استمرّت طيلة 12 قرن. أمّا معبد فيلة فقد انتقل من مكانه الأصلي على جزيرة فيلة في أعقاب بناء السد العالي وتمّ تجميعه على جزيرة أجيليكا، بعد أن غمرت الجزيرة الأصلية مياه بحيرة السد.

منحوتة أخرى للملكة علّيسه رسمها Augustin Cayot (1667-1722) وعنوانها La mort de Didon

قراءة اسم علّيسة قدّمها أوّل مرّة سنة 2007 الأستاذ نويل پرِستن Noel Preston في كتابه Understanding ethics، وپرِستن كان أستاذ مبادئ الأخلاق والعدالة القانونية والحكم في جامعة گرِفِث Griffith الأستراليّة، وتوفي العام قبل الفائت 2020.

بكلّ حال، تبقى حكاية الأميرة علّيسة من أعمق حكايات التضحية والفداء، إلى درجة تأثّر العديد من الأمم بها واستمرارها على مدى عشرات القرون في فلسفات العديد من الثقافات حول المتوسّط.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s