معالم, اليمن, تاريخ

صنعاء، دمشق اليمن

قد لا تعلم أنّ صنعاء أعلى عواصم الدول العربية على الإطلاق، وإحدى المدن الأعلى في العالم، تتربّع على قمم الجبال على ارتفاع 2300 متر شامخة في الأفق، متّكئة بين قمم جبال عديدة على سلسلة جبال السروات، تطلّ عليها قمم جبل ٱلطِّيَال وجبل حَضُوْر (جبل النبي شعيب)، الذي يعتبره التراث أعلى جبال العرب بارتفاع يصل حتّى 3666 متر.

يطلّ على مدينة صنعاء مباشرة، وفي طقس شبيه بجغرافيا دمشق إلى حدّ بعيد، جبل نُقُم، منتصباً بارتفاع يصل حتى 500 متر عن المدينة، وهو في الأساس بارتفاع 2700 متر عن سطح البحر. وتقول الأساطير العربية القديمة أنّ الطوفان الذي أغرق العالم أيّام النبي نوح، بدأ ينحسر عن الأرض ببطء، فبرز جبل نُقُم جزيرة وسط البحر. إذّاك زحف إليها سام بن نوح بعد وفاة أبيه وبنى على شواطئها مدينته التي صارت اليوم صنعاء (1). ثمّ انحسر البحر أكثر فأكثر فبقيت صنعاء تعلو وتعلو عن سطح الأرض مع انخفاض سطح البحر. (2). 

وقد قيل أنّ سام نزل في البداية شواطئ “جزيرة” نُقُم التي سمّاها جزيرة غيمان (3)، لكثرة الضباب عليها، وكانت نيّته الأولى هي بناء مسجد لله على الأرض، صار اسمه القُليس (4)، وهو اسم مدينة صنعاء القديم، وكلمة تتشارك الجذور والأصل كذلك مع كلمة الكنيس والكنيسة أسماء المباني المقدّسة حيث تعبّد قديماً عبدة الشمس والقمر، واستمرّت إلى اليوم أسماء للمعابد في ديانتي اليهود والمسيحيّين العرب.

ومن أسماء صنعاء في كتب التراث القديمة كذلك اسم سام نفسه، فكانت قرية شام أو شم (5). وسمّاها آخرون كذلك بمدينة أزال، نسبة إلى أزال بن يقطن حفيد سام بن نوح. (6) وهو الاسم المذكور للمدينة في تناخ اليهود (7)، واليهود هم من قالوا أنّ أزال اسم لشخص ربطنه بـ”يقطن” وسام بن نوح (8). غير أنّ أزال كلمة سبئية تعني الحصن الحصين غير القابل للإزالة. (9)(10)

تقول الأساطير العربية كذلك أنّ جبل نُقُم كان الأوّل الذي أخرج منه الإنسان الحديد، وكانت فيه المناجم الأولى للتعدين والحدّادين، وقد بقيت هذه المناجم مستخدمة حتّى القرون الوسطى، إذ يذكرها الهمداني في تدويناته من القرن العاشر، ويتحدّث أيضاً عن مناجم للعقيق اليماني الشهير (الجزع) (11) وكان من عادات العرب التبرّك بهذا الحجر، كما استورده المصريّون والعراقيّون والإغريق القدماء لاستعماله في صناعة عيون التماثيل والمنحوتات، فتبدو حيّة حقيقيّة.

تشير السجلّات السبئيّة إلى أنّ صنعاء بُنيت في القرن 15 قبل الميلاد، أي قبل 3500 سنة. ولمّا بناها السبئيّون أطلقوا عليها اسم صنعو 𐩮𐩬𐩲𐩥 بمعنى الحصن. أمّا الهمداني فيقول أنّ المدينة كانت موجودة منذ الأزل، ثمّ رُفع سور من حولها بأمر من الملك “شاعر وتر” 𐩦𐩲𐩧𐩣 𐩱𐩥𐩩𐩧𐩣 وهو ملك حكم اليمن في القرن الثاني قبل الميلاد (12)، أي قبل حوالي 2130 سنة. وبهذا السور صار اسم المدينة صنعو.

في القرن 14 كتب المؤرّخ المصري أبو العباس القَلْقَشَنْدِيّ بصنعاء: هي “مدينة عظيمة تشبه مدينة دمشق في كثرة مياهها وأشجارها، وهواؤها معتدل وكانت في الزمن المتقدّم تسمّى أزال وهي بيد إمام الزيدية داخلة تحت طاعته هي وما حولها. وقد استحدث عليها حصن تعز فصار منزل لبني رسول ملوك اليمن الآن.”. (13)

في القرن التاسع كتب ابن رسته الأصفهاني بصنعاء فقال: “هي مدينة اليمن وليس باليمن ولا تهامة ولا بالحجاز مدينة أعظم منها ولا أكثر عملاً وخيراً وأشرف أصلاً ولا أطيب طعاماً منها.”. (14)

في الواقع، يدهشني من التاريخ وتر التطابق الأسطوري ما بين حكايات دمشق وحكايات صنعاء. كلا المدينتين على صحن جبل، وكلا المدينتين بنيت في الأساس معابد ومساجد لا مساكن في الأساس، ثمّ عُمرت. كلا المدينتين تقترن أساطيرهن بالحديد والنصل الأوّل والحدّاد الأوّل، وكلا المدينتين ذاعت شهرتهنّ بتصدير النصال والسيوف. كلا المدينتين فخورتين بطعامهنّ. 

وكذلك يُظنّ أنّ المدينتين بناهنّ سام بن نوح وحملتا اسمه في زمن ما، وحكمتهما سلالة من سام بشكل مباشر. أليس مثيراً للاهتمام أنّ صنعاء حملت في الماضي اسم شام؟ ألا يلفت الأنظار أنّ قُليسة اليمن كانت قديماً محجّاً عظيماً للبشر؛ تصعد الجبال كي تصل القمم في رحلة حجّها، بينما تحتضن دمشق أقدم معبد لم يزل يُستعمل للعبادة إلى اليوم بصورة مسجد إسلامي؟

في ظنّي، ماض عجيب يجمع هاتين المدينتين: صنعاء ودمشق، وأعتقد أنّ في التاريخ أسرار كثيرة قد تكشف عن علاقة وثيقة بين الشبيهتين التوأم، ممّا لم يخطر في البال من قبل.

المراجع:

1 Al-Hamdāni, al-Ḥasan ibn Aḥmad, The Antiquities of South Arabia – The Eighth Book of Al-Iklīl, Oxford University Press 1938, pp. 8-9

2 McLaughlin, Daniel (2008). “1: Background”. YemenBradt Travel Guides. p. 3.

3 “جبل نقم”. موسوعة المحيط. 2019.

4 Minaret Building and Apprenticeship in Yemen, by Trevor Marchand, Routledge (27 April 2001), p.1.

5 جمال الدين أبي الفتح يوسف ، صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز المسماة تاريخ المستبصير ، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1986، صـ179

6 تاريخ مدينة صنعاء اليمن، الرازي، صـ70

7 Nethanel ben Isaiah (1983). Sefer Me’or ha-Afelah (in Hebrew). Translated by Yosef Qafih. Kiryat Ono: Mechon Moshe. p. 74.

8 Al-Hamdāni, al-Ḥasan ibn Aḥmad, The Antiquities of South Arabia – The Eighth Book of Al-Iklīl, Oxford University Press 1938, pp. 8, 21, known also under its Arabic equivalent Azāl.

9 Bosworth, C. Edmund (2007). Historic Cities of the Islamic World. BRILL. p. 462.

10 Albert Jamme, inscriptions from Mahram Bilqis p.440

11 Wilson, Robert T.O. (1989). Gazetteer of Historical North-West Yemen. Germany: Georg Olms AG. pp. 7–9, 137, 244, 331.

12 Albert Jamme, Inscriptions from Mahram Bilqis, p.135

13 الارب في معرفه انساب العرب ج 1 ص 18

14 ابن رستة الأعلاق النفيسة ص 109

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s