تاريخ, تركستان, خرائط, روسيا

خارطة روسيا الحقيقية قبل تحوّلها إلى الوحش الرهيب

في القرن 16 كانت آخر أيّام روسيا الدولة المقبولة كشريك في مجتمع دول العالم. دولة لصقالبة البلطيق، تحدّها من الشرق الممالك التركية، كمثل خانية سيبير وخانية قازان، ومن الجنوب خانية القرم، ومن الغرب الكومنويلث الپولاندي-الليتواني، ومملكة السويد.

سنة 1157 تأسست دوقية ڤلاديمير Владимирско-Су́здальская (ڤلاديميرسكو-سُزدلسكايا) من مدينة ڤلاديمير، الواقعة اليوم على بعد 200 كلم شرق مدينة موسكو. وكانت الدوقية هي الوريث العملي لإمارة الروس الكيڤيين. وهي التي تابعت فيما بعد لتشكيل دوقية موسكو الروسية.

في تلك الأثناء كان على شرق أوروپا العديد من الإمارات والممالك المتفرّقة لصقالبة البلطيق، التي جمعت 35 دولة، منها دول ذات سطوة على بعضها الآخر، مثل جمهورية نوڤگورود (أوّل دولة للسلاڤ في التاريخ)، وإمارة گاليقية-ڤولهينية، إلى جانب دوقية ڤلاديمير. وبدأت هذه الأخيرة بالانحلال والتقاتل فيما بين مناطقها كذلك بعد عقود قليلة من التأسيس، وانفرطت إلى إمارات أصغر، إلى أن جاء المغول.

سنة 1237 بدأ الفتح المغولي لأراضي صقالبة البلطيق (السلاڤ الشرقيين)، فقام المغول أولاً بإخضاع دوقية ڤلاديمير، وأعادوا توحيدها وتحويلها إلى دولة قويّة تحت اسم دوقية ڤلاديمير العظمى؛ لتتمكّن تحت راية المغول من توحيد دول السلاڤ الشرقيّين جميعاً، ما شكّل ولأوّل مرّة في التاريخ، كتلة سياسية وثقافية للروس، نتجت عن تآلف الدول الـ35 الجامعة لصقالبة البلطيق.

سنة 1242 نشأت أُلُگ أُلُس (الدولة العظمى) المعروفة باسم خانية القبيلة الذهبية، والتي كانت دولة مغولية-تركية، تحوّلت إلى الإسلام سنة 1313، بعد التحالف مع دولة مماليك مصر والخلافة العبّاسية فيها. وكانت لم تزل دوقية ڤلاديمير تحت رايتها.

خارطة توسّع دوقية موسكو
خارطة توسّع دوقية موسكو

سنة 1331 قامت أُلُگ أُلُس بتأسيس دوقية موسكو، بعد توحيد ست كيانات سياسية سلاڤية؛ هي:

  1. دوقية ڤلاديمير العظمى Владимиро-Су́здальское кня́жество.
  2. إمارة يروسلاڤ Ярославское княжество.
  3. إمارة السلاڤ الشرقيين Нижегородско-Суздальское великое княжество.
  4. جمهورية نوڤگورود Новгородскаѧ землѧ.
  5. إمارة تڤِري Тверское княжество.
  6. إمارة وِيسُو Ыджыт Перем öксуму (پِرميه).

سنة 1469 اقترح البابا پاول الثاني على إيڤان الثالث الزواج من صوفيا پليولوينة Ζωή Παλαιολογίνα، وصوفيا هي بنت أخ قسطنطين پاليولوج (قسطنطين 11) آخر إمبراطور بيزنطي، قبل فتح القسطنطينية على يد العثمانيّين. وكان اسم صوفيا بالأصل هو زوي پاليولوج، لكن مع تحوّل أسرتها إلى الكاثوليكية في روما (حيث نشأت) غيروا اسمها إلى صوفيا بينما نشات في بيت البابا نفسه في الڤاتيكان.

وبتزويج صوفيا من إيڤان قيصر موسكو، أمل البابا من تمدّد الإيمان الكاثوليكي إلى دوقية موسكو وتحوّل الروس إليه عن الأرثوذكسية. لكن إيڤان الثالث خالف توقّعات البابا، وبزواجه من صوفيا سليلة الدم البيزنطي، اعتبر نفسه القيصر الروماني الجديد وادّعى أنّ مدينة موسكو هي خليفة الإمبراطورية الرومانية، وسمّاها “روما الثالثة”.

سنة 1480 أعلنت دوقية موسكو استقلالها عن أُلُگ أُلُس (خانية القبيلة الذهبية) تحت اسم دوقية إمارة موسكو Великое княжество Московское والتي يقدّمها التاريخ الروسي اليوم باسم دوقية موسكو العظمى.

دوقية موسكو سنة 1480
دوقية موسكو سنة 1480

سنة 1503 وقبيل وفاته أعلن الدوق إيڤان الثالث أنّه قيصر كلّ الروس Русь (صقالبة البلطيق). ثمّ حوّل ابنه إيڤان الرهيب اسم الدولة سنة 1533 وبشكل رسمي إلى قيصرية موسكو.

سنة 1547 سنة جلوسه على العرش، غيّر إيڤان الرهيب اسم الدولة من جديد إلى قيصرية رُسيا Русское царство. وشرعت تحارب كلّ دول الجوار بغرض التوسّع.

بدأت قيصرية موسكو توسّعها بالبداية على حساب جيرانها الغربيين، فأشعلت عدّة حروب مع ليتوانيا والسويد، وصارت تطلق على الأراضي التي تسلبيها من ليتوانيا اسم بيلاروسيا (أي روسيا المحرّرة)، كما سلبت مدينة سان پيترسبيرگ من السويد ونقلت عاصمة البلاد إليها من موسكو لفترة، قبل العودة من جديدة إلى موسكو. وكانت سان پيترسبيرگ آنذاك أبهى وأكثر فخامة وتطوّراً من موسكو.

سنة 1552 وبعد حصار عشر سنوات، تمكّن إيڤان الرهيب من ضمّ خانية قازان المجاورة على الشرق، وكانت آنذاك أعظم الدولة التركيّة في أوروپا، وهي الأرض التركيّة الأم. ومذّاك صارت سياسة روسيا الاستراتيجية هي القضاء على الممالك التركيّة في كلّ مكان، حتّى قيل في اجتماعات بلاط القيصر أنّ إزالة القوميّة التركيّة من الوجود هو أمل الروس بالوجود.

سنة 1581 أزالت روسيا خانيّة السيبر (طوران) واسترقّت شعبها جميعاً وبيع الواحد منهم عبداً بعشر روبلات، والمرأة بسبعة. وبوصول روسيا إلى أراضي سيبريا انفتحت أمامها بلاد آسيا لا ينازعها عليها غير الصين. وما وصل القرن 18 حتّى وصلت روسيا إلى بحر اليابان.

سنة 1721 غيّرت روسيا اسمها من قيصريّة روسيا إلى الإمبراطوريّة الروسيّة Россійская Имперія بموجب معاهدة وقّعتها مع أعداء روسيا الخمس آنذاك (وهم جيرانها): الإمبراطوريّة السويديّة، والكومنولث الپولاندي الليتواني، والدولة القاجاريّة (إيران)، والإمبراطوريّة العثمانيّة، وإمبراطورية قينگ (الصين).

سنة 1783 أزالت روسيا خانية القرم (قرم خانلغى) وصارت لها بالتالي شواطئ على البحر الأسود. وبإزالة الخانية أبادت سكّانها جميعاً وكانوا من الأتراك البلغار المسلمين، ولم ينج منهم سوى عدد ضئيل جداً يمثّل أقل من 1٪ من بقايا الأصليّين.

خارطة روسيا الحقيقية مقارنة بمساحة الاتّحاد الروسي المعاصر
خارطة روسيا الحقيقية مقارنة بمساحة الاتّحاد الروسي المعاصر

انتهت الإمبراطوريّة (القيصريّة) بثورة شباط سنة 1917 حين سقطت في حرب أهلية انتهت بإعلان الجمهورية والتحوّل إلى النظام البولشڤي. ليصبح اسمها آنذاك جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوڤياتية Российская Социалистическая Федеративная Советская Республика.

هذه كانت حكاية نشأة روسيا المعاصرة، من الميلاد على يد المغول، إلى التوسّع حتّى القرن 18. وتبق الحقيقة أن لولا سقوط خانية قازان أمّام الغطرسة الروسية لما صارت لهذا البلد حدوده الواسعة اليوم، ولبقي بلداً أوروپياً صغيراً لا يملك من الحياة غير صيد السمك في البحار المتجمدة الشمالية.

رأي واحد حول “خارطة روسيا الحقيقية قبل تحوّلها إلى الوحش الرهيب”

اترك تعليقًا على Islam Fahallah إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s