لغة, أديان, إتيمولوجي, تاريخ

البوم المقدّس

من الطيور التي قدّسها العرب قديماً البوم… هذا الطائر البديع كان أحد أقدس آلهة العراق ومصر القدامى، تكاد تكون قد قدّسته كلّ شعوب العالم القديم تقليداً عن العرب. على عرض أوراسيا؛ من اليابان حتّى البحر المتوسط، ارتدى ملوك وقادات الجنود في جيوش العالم المعطف الموشّى كنقش ريش البوم، وكذلك الخوذة بالريشتين تقليداً لشكل رأسه. ونجده منقوشاً في أغلب النقوش المصريّة التصويريّة (الهيروگليفية)، وله حرف وصل أبجديّتنا الجزميّة العربيّة هو حرف الواو.

البوهة الفرعونية، رسم مؤنس بخاري عن صورة التقطها في الجزائر رشدي نرش
البوهة الفرعونية، رسم مؤنس بخاري عن صورة التقطها في الجزائر رشدي نرش

سمّاه العرب القدامى وُو، وَو، أُف، فوُول، بول، وعنها صارت كلمة بوم. ويسمّيه عرب اليوم بوهة، ويصفونه بأنّه البوهة الفرعونيّة أو البوهة الصحراوية، وكان لها رمز في الأبجديّة التصويرية القديمة هو 𓅱 وكذلك رُمز له قديماً بالرمز 𓌉 حين كان الوَو (الوُف) هو سلاح يحمل اسم البوم. وسمّاه اللاتين بُبو bubo، وعرّفه تراث منطقة المتوسط كلّها بصفات يشترك فيه الصقر والبوم، لذا تختلط المفاهيم في أساطير هذا الطير حين تتحدّث تارة عن صقر حوّام وتارة عن بوم حكيم.

طائر البوهة الفرعونية هو اليوم واحد من التسعة أنواع من البوم التي تعيش في العراق. واعتبره العرب القدامى في شبه الجزيرة العربية، وقبل آلاف السنين، أنّه رسول الخالق إلى الأرض وعينه ويده. ولمّا عبد العرب الشمس في منطقة النهرين اعتقدوا كذلك أنّ لون عينيّ البوهة هو تجسيد لعينيّ الشمس، بسبب لونها البرتقالي المحمرّ، ما زاد من قداسة الطائر. وفي اليمن القديم وممالك الإغريق انتشر نقش البوم على العملات الرسمية، وراثة عن التراث العراقي. إلى هذا المدى احترم القدامى طائر البوم.

في العهد السومري اعتقد أهل مدينة أُر (أور) أنّ الربّة عشتار تتلبّس البوهة الفرعونيّة ليلاً فأطلقوا عليها صفة ملكة الليل، واستمرّت هذه المعتقدات حيّة حتّى بعد تبديل الديانة طيلة العهد البابلي المبكّر. ولهذه الملكة نقش مشهور باسم برني Burney Relief نحته أهل جنوب العراق قبل نحو أربع آلاف سنة.

نقش بابلي القديم عثر عليه جنوب العراق. منقوش في القرن 19 ق.م.. لوحة مستطيلة، من الطين المخبوز، ارتفاع 49.50 سم، سمك: 4.8 سم؛ يصور شخصية أنثوية عارية بأجنحة ومخالب مزيّنة بالريش، ترتدي غطاء رأس يتكون من أربع أزواج من الأبواق تعلوها قرص؛ ترتدي كذلك قلادة وأساور متقنة على كل معصم؛ تمسك يديها على مستوى كتفيها بقضيب وحلقة في كل منهما شكل مدعوم بزوج من الأسود يمثل الجبال أو الأرض الجبلية، ويحيط بها زوج من البوم الواقفة. المعروفة باسم "بيرني ريليف" أو "ملكة الليل". مقتنيات المتحف البريطاني ومسجلة برقم 2003،0718.1
نقش بابلي القديم عثر عليه جنوب العراق. منقوش في القرن 19 ق.م.. لوحة مستطيلة، من الطين المخبوز، ارتفاع 49.50 سم، سمك: 4.8 سم؛ يصور شخصية أنثوية عارية بأجنحة ومخالب مزيّنة بالريش، ترتدي غطاء رأس يتكون من أربع أزواج من الأبواق تعلوها قرص؛ ترتدي كذلك قلادة وأساور متقنة على كل معصم؛ تمسك يديها على مستوى كتفيها بقضيب وحلقة في كل منهما شكل مدعوم بزوج من الأسود يمثل الجبال أو الأرض الجبلية، ويحيط بها زوج من البوم الواقفة. المعروفة باسم “بيرني ريليف” أو “ملكة الليل”. مقتنيات المتحف البريطاني ومسجلة برقم 2003،0718.1

واعتقد العراقيّون القدامى في ذلك الزمن أنّ البومة تمثّل الربّة إرِش كِ گَل 𒀭𒊩𒌆𒆠𒃲 أي ربّة كلّ الأرض. وكانت في نظرهم قرينة عشتار في العالم السفلي، إذ حين كانت عشتار (إنَنّه) 𒈹 تحكم عالم السماوات، عالم الأحياء، كانت ربّة الأرض إرِش كِگَل تحكم العالم السفلي، عالم الأموات. لذا، كانت تخرج في اللّيل في جسد بوم البوهة الفرعونيّة لكي تجمع أرواح الموتى وتسوقهم إلى عالمها. ولمّا كانت إرِش كِگَل هي قرينة عشتار وتجسيد لها في العالم السفلي، فقد تاه الآثاريّون في قراءة نقش برني (ملكة الليل) واحتاروا هل هو نقش لعشتار أم لربّة العالم السفلي.

في العهد البابلي غيّر الناطقون بالأگّدية اسم ملكة اللّيل إلى ليليتْ عن الكلمة الأگّدية ليليتُ التي تعني الأرواح بصيغة الجمع، ولا بدّ أنّ هذا التحوّل جاء من وصف ملكة اللّيل إرِش كِگَل بأنّها ربّة الأرواح، وسارقة الأرواح بالموت، فنسي الناس الموصوف وبقيت الصفة؛ ليليت. ولو أنّ اسم اللّيل في الأگّدية هو ليلُ كذلك. وتحوّلت هذه الصفة في عبرية بابل إلى ليليث לילית وليليط، التي انتقلت عنها إلى اللاتينية. واعتبرها الإغريق صرخة البومة، على اعتبار أنّ صراخ البومة ليلاً يُخرج روح الميت من جسده فتسحبها، وتصطحبها إلى العالم السفلي.

لكن، بهذه الوصوف في العهدين البابلي والسرياني، صارت ليليت هي النسخة المؤنّثة من الشيطان، التي نُفيت من جنّة عدن بسبب تقاعسها عن طاعة آدم (الرجل)، وهبطت منفيّة إلى العالم السفلي تعيش بين الأفاعي والعفن، فصارت تنتقم من بني الإنسان بسحب الأموات من عالم السموات إلى موطنها في العالم السفلي، متجسّدة بالبومة المقدّسة ذات العيون المشتعلة، البوهة الفرعونية. لذا، قالت العرب قديماً، إن التقيت ببوهة فلا تنظر في عينيها، إنّما عليك أن تشيح بنظرك إلى الأرض فلا تخطف منك روحك إلى العالم السفلي.

هذه الأساطير هي ذاتها التي تطوّرت بين بعض الشعوب إلى مفهوم الساحرات خطّافات الأطفال، لا سيّما في العهد الروماني الثاني، يوم كانت الإمبراطورية الرومانية المقدّسة تحت حكم الألمان المسيحيّين. وتحوّل البوم من رمز للحكمة ومرسال من الخالق، إلى رسول من العالم السفلي، وجالب للشؤم والخراب والموت. لكن، في نظري هذه الأساطير وعلى جمالها كلّها هراء. أحبّ البوم، أحبّ البوم جدّاً، وأتفاءل بصحبة صوته في الغابات، وأستأنس بحضوره. وإن تبنّيت بوماً من نوع البوهة الفرعونية لوجدّته في البيت كما القطّة تماماً، يلعب ويصاحبك ويؤنس وحدتك، ويصبح رفيقاً لا غنى عن رفقته.

في بداية عصر الإسلام ورث المسلمون عن المسيحيّين الغربيّين التشاؤم من رؤية وسماع صوت البوم. ثم في الدول الإسلامية وفي عصرها الذهبي، ذهبت الحكومات إلى تشجيع العرب على عدم التشاؤم من البوم، وبرّرت ذلك بعدم وجود حديث نبويّ يذكرها. وكانت الحكومات الإسلاميّة آنذاك قد لاحظت أنّ البومة تأكل يومياً ما يعادل 15 فأر، وهي تصطاد القوارض والجرذان والفئران والأفاعي والحشرات الأخرى، وهذه كانت مخلوقات تحضّ الحكومات على الخلاص منها لتأمين الحياة في مدنها وقراها.

وفي الحديث: أَنّ النبي، صلى الله عليه وسلم قال: لا عَدْوَ ولا هامةَ ولا صَفَرَ؛ الهامَة: الرأْس واسمُ طائر، وهو المراد في الحديث، وقيل: هي البومة. أَبو عبيدة: أما الهامَةُ فإن العرب كانت تقول إن عظام الموتَى، وقيل أَرواحهم، تصير هامَةً فتطير، وقيل: كانوا يسمون ذلك الطائرَ الذي يخرج من هامَة الميت الصَّدَى، فنَفاه الإسلامُ ونهاهم عنه؛ ذكره الهرويّ وغيره في الهاء والواو، وذكره الجوهري في الهاء والياء؛ وأَنشد أَبو عبيدة: سُلِّطَ الموتُ والمَنونُ عليهمْ، فَلَهُمْ في صَدَى المقابِرِ هامُ وقال لبيد: فليس الناسُ بَعْدَكَ في نَقيرٍ، ولا هُمْ غيرُ أَصْداءٍ وهامِ ابن الأَعرابي: معنى قوله لا هامَةَ ولا صفَر؛ كانوا يتشاءمون بهما، معناه لا تتشاءموا.

لسان العرب. هوم

وكان المسلمون في العراق قد ورثوا حكاية عن يهود بابل، دخلت في التراث الإسلامي عن طريق ابن مسعود وما سجّله من نقاشاته مع كعب الأحبار. إذ ورد في الصفحة 248 من الجزء السادس من كتاب تفسير القرآن العظيم: “وقد ذكر ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنّه سمع كعباً يقول لعمر: إنّ سليمان، عليه السلام، قال للهامة – يعني البومة -: ما لك لا تأكلين الزرع؟ قالت: لأنّه أخرج آدم بسببه من الجنّة. قال: فما لك لا تشربين الماء؟ قالت: لأنّ الله أغرق قوم نوح به. قال: فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب؟ قالت: لأنّه ميراث الله عزّ وجلّ، ثمّ تلا: (وكنّا نحن الوارثين).”

هذه الحكاية استعملتها الدولة العبّاسية بكثافة لتشجيع الناس على احترام البوم في كلّ أرجاء الدولة العبّاسية الواسعة آنذاك. مع ذلك، لم يصعد احترام البوم في الدولة العبّاسية إلى درجة اعتباره رمزاً من رموز الدولة، كما فعلت عرب اليمن والحبشة والإغريق من قبل. لكن، مع ذلك، بذلت الدولة العبّاسية جهدها أن ترفض عن الناس أثر المسيحيّة الرومانية والبيزنطية التي حضّت على كراهة البوم والتشاؤم به.

أخيراً، إذا كنت كائناً ليليّاً كأغلب المبدعين في هذا العالم، فستحبّ حتماً صحبة البوم في بيتك. البوم كائن ليلي عموماً، ولو أنّه قد يعتاد حياتك النهارية مع الوقت. غذاؤه بسيط وغير مربك. والبومة بطبعها قادرة على تكوين علاقة اجتماعية جميلة بمربّيها. كما القطط تماماً، تألف مالكها وتسمح له بما لا تسمح لغيره، وتحبّ الصحبة واللعب. ولا تحتاج إلى مجتمع من البومات الأخرى في حياتها. كما أنّ البوم قليل الحركة، لكي يتفادى صرف طاقة تدفعه لأكل المزيد. لذا، فإبقاء البوم داخل البيت باستمرار سلوك مريح وغير مزعج. ليس للبومة ضجيج في البيت ولا تصدر أصواتاً، وقد تعيش لسبعين سنة! فهل تستأنس بوماً في بيتك؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s