مجتمع, معالم, ألمانيا

خرافات ثلاث من هالة برلين

قبل تسع سنوات انتقلت للحياة في برلين، وبغضّ النظر عن الظروف التي دفعتني لهذا، سواء أكانت باختيار منّي أو لا، لكن يوم وصلت برلين للحياة فيها ما كنت أعرف شيئاً عن هذه المدينة. لا عن مجتمعها ولا عن ظروف الحياة فيها. كانت آنذاك المجهول رقم واحد بالنسبة لي. ولمّا بدأت الحياة في هذه المدينة أحاطت بي الكثير من القصص، التي تكرّرت في كلّ مكان ذهبت إليه: برلين واحدة من نجوم الحياة في القرن 21. يمكنك أن تكون ما تشاء. يمكن لك استئجار شقة 200 متر مربّع بأقل من ألف يورو في الشهر. الحياة رخيصة في العموم. برلين عاصمة التكنولوجيا الأوروپيّة … والمزيد المزيد من هذه القصص التي تبيّن سريعاً أنّها مجرّد ضوء قادم من نجم بعيد جدّاً عن الواقع، تراه يشعّ في السماء دون قدرة على الشعور بدفئ منه.

صورة من منطقة كودام في برلين، مؤنس بخاري 2017-03-04
صورة من منطقة كودام في برلين، مؤنس بخاري 2017-03-04

الخرافة الأولى التي أمطرني بها الناس منذ وصلت برلين سنة 2013 هي أنّ المدينة أرخص المدن للحياة في أوروپا، أو ربّما أرخص العواصم! لكنّها ليست هذا ولا ذاك على الإطلاق. مثلاً يتحدّث الناس عن أنّك قادر على الحياة كملك بـ500 يورو في الشهر فقط. نعم، يمكنك الحياة بخمسمئة يورو شهرياً إذا كانت وكالة دعم العاطل من العمل تتكفّل بالمصاريف الإلزامية، من أجرة مسكن وفاتورة تدفئة وتأمين على الصحّة وغير ها من المصاريف التي يجبرك عليها القانون، ثمّ تكون معفيّاً من الضرائب بصفتك عاطلاً من العمل. أمّا 500 يورو في الشهر فهي في الواقع مصروف ثلاث زيارات إلى السوپرماركت شهرياً، ولن تكون ملكاً ولا حتى على بيتك. فأسعار الأغذية في برلين هي ذاتها في أكلّ أرجاء ألمانيا، وأحياناً أعلى.

ثمّ نأتي إلى معجزة العثور على مكتب للعمل، لكي تستأجر مساحة لنفسك تضع فيها مكتبك وكمپيوترك وتستقبل الزبائن والعملاء. عقليّة مُلّاك المكاتب في برلين تعود إلى حقبة الحرب الباردة. لا خدمات، ولا عروض ومزايا، هذا الموجود، وهو أقلّ من حاجتك بشكل مفرط. والطلب العالي على المكاتب في المدينة يبيح للمُلّاك الدلال والمماطلة والتراخي في جودة الخدمة كما يشاؤون. ثمّ يضربك كفّ شروط التعاقد. أقلّ مدّة لعقد استئجار مكتب هي خمس سنوات، لتجد بسببها الكثير الكثير من العرض في السوق السوداء، وفوضى المستأجر من مستأجر من مستأجر من مستأجر، بسلاسل لا تنتهي. لا تعرف لمن تدفع الأجرة ومن يستلمها في النهاية، وما هي قيمتها الحقيقية.

حتّى أنّني استأجرت مرّة شقّة اتّضح أنّ مستأجرها الأساسي متوفّى قبل سنوات، لكنّ مالكها المقيم في تل أبيب لا يدري، طالما أنّ البنك مثابر على تحويل الأجرة دوريّاً وبشكل أوتوماتيك من حساب هذا المستأجر الذي يتلقّى الإجارات محوّلة كذلك من مستأجرين آخرين كثر، وفي الوقت المحدّد. لم تنكشف حكاية موت هذا الوسيط إلا بعد تأخّر حسابه بسداد الإجار، ما دفع المالك للاتّصال به حتّى علم من ذويه عن وفاته قبل سنوات، وجاء من إسرائيل لطردنا عن الشقّة.

خرافة أخرى غلّفني بها الناس ولفترة طويلة هي أنّ “برلين مدينة الإبداع! الفنّ في كلّ مكان، للناس الحرية في ابتكار أي شيء!“… لا، هذا غير صحيح. زيارة واحدة إلى بروكسل أو برشلونة أو أمستردام أو حتّى تالين عاصمة إستونيا، ستُظهر الفرق. برلين ليست مدينة إبداع، والسينات فيها لا يُلق بالاً للمبدعين ولا يدعم أيّ مشاريع لتشجيع وجودهم في المدينة. يمكنك اعتبار برلين كمصنع للتوسّع أكثر من كونها ورشة لتأسيس ستارتأپ أو لإنشاء مصنع للمحتوى. اليوم يستعمل رجال أعمال باڤاريا برلين كمساحة لوضع أموالهم في مشاريع ناجحة ومتطوّرة وراسخة في السوق. لكنّهم أبداً لا ينظرون في برلين إلى المشاريع الجديدة. وهؤلاء بعيدون كلّ البعد عن الأفكار الجديدة والبدائع الإبداعيّة. هم أعداء التجديد ولاهثون خلف التقليد.

لبعض الوقت، ربط الناس ضجّة برلين بـSoundcloud، معتقدين أنّ ربّ الأحلام الرائع مقيم في برلين ويمكن أن يعزّز جيلاً جديداً من روّاد الأعمال المبدعين. ولكن، حتّى لو كان هناك عدد قليل من فرق من منتجي المنتجات المذهلة في برلين (مثل Jodel أو Wavy أو Blinkist)، لا يزال مؤسّسو هذه الأدوات الإبداعية العظماء من الأنواع النادرة في المدينة، وعادة ما يتسكّعون معاً! إذ لا يوجد لهم في برلين أي نشاطات أخرى للانشغال بها. لا ملتقيات ولا شبكة يافعة للتوسّع ولا تشجيع لتقديم المزيد.

في برلين الكثير من الديجيهات والفنّانين والمجتمعات السفليّة النابضة بالحياة. يعتقد الناس من الخارج أنّ مزجهم بعالم التكنولوجيا في برلين سيخلق الكثير من الأمزجة المذهلة متعدّد التخصّصات! لا. الستارتأپس والعالم السفلي عالمان بينهما برزخ لا يلتقيان. على الإطلاق. حتى أنّهم يميلون إلى تجنّب بعضهم البعض بشدّة، باستثناء صباح يوم الأحد في Berghain، حيث يتصادفون جميعاً في مصيدة متعة تشبه ملتقيات الـProduct Hunt لكنّها في Berghain! بالتأكيد ليست كذلك.

خرافة أخرى، ضحكت كثيراً حين اكتشفت كم كنت مخدوعاً بها: “برلين هي عاصمة أقوى اقتصاد في أوروپا، ولا يمكن أن لا تعيشها!” في الواقع، برلين مدينة عمرها ثلاث عقود فقط، كلّ الشبكات فيها ناشئة حديثاً وغير قويّة ولا عميقة. إلّا تلك التي تعمل في الجريمة المنظّمة منذ عهد الحرب الباردة وإلى اليوم.

برلين واحدة فقط من عواصم ألمانيا العديدة. كلّ شخص طموح في فرنسا أو بريطانيا يفكّر بجديّة في الانتقال إلى پاريس أو لندن ليحقّق ما يطمح إليه. لكن ألمانيا مختلفة، والطموح يقود إلى أماكن متعدّدة. برلين “انهارت” بعد الحرب العالمية الثانية. ذهبت صناعة السيارات إلى شتوتگارت وميونيك، والصحافة والتأمين إلى هامبورگ، والتمويل إلى فرانكفورت، والإعلام إلى كولن… إلخ. الكثير من الخيارات، والكثير من التجمّعات. ليست برلين واحدة منها. إلّا إذا كنت ترغب بالعمل في المجال الاجتماعي-السياسي، وامتلكت المستثمر المناسب. آنذاك، برلين حقل خصب.

الكثير من شركات “رأس المال المجازف” مستقرّة في برلين، لكنّها لا تستثمر في الستارتأپس المستقرّة في برلين. معظم هذه الشركات “المسرّعة” تدعم ستارتأپس من خارج المدينة. يستخدم هؤلاء الناس برلين كمنصّة للتواصل والتأثير والتجاذب. برلين في عيونهم هي جسر إلى شرق أوروپا، يمتدّ عبر غرب أوروپا. كذلك جسر ما بين الدول النورسية وإسرائيل. تجسيد عصري لبرج بابل، لكنّ الجميع يتشارك جدول أعمال موحّد مكتوب بالإنگليزية. حين حضرت بعض اجتماعات رأس المال المجازف مع الستارتأپس قبل سنوات هنا في برلين، كان الحاضرون جميعاً من المدراء التنفيذيّين من كلّ أرجاء ألمانيا، لكن لم يكن بينهم برلينيّ واحد.

في الخلاصة، ما يشاع عن برلين ليس في برلين. هذه المدينة كانت عظيمة في الماضي، قبل الحرب العالمية الثانية. كانت عاصمة أوروپيّة لدولة شديدة العصرية، آنذاك. اليوم، الفرق ما بين برلين وهامبورگ كالفرق ما بين دمشق ودبي. ستأكل أغلى سندويشة فلافل في دبي، لكنّك ستعمل على بيع الملايين من حبّات الفلافل ليل نهار في برلين، لكي تستطيع سداد أجرة المسكن. فلماذا يستمرّ الناس في تكرار الخرافات القديمة؟

أعتقد أنّها في الغالب عبارة عن مزيج من محاباة الذات والكليشيهات والتغيير غير الملحوظ. وغالباً ما يكون مشجّعي برلين الأعلى صوتاً هم مؤسّسو الستارتأپس في مراحلها المتقدّمة، والمستثمرون الجريئون الذين يحاولون جذب أفضل المواهب إلى المدينة. لن يتحدّث أحد عن الشتاء المروّع، والأحكام السطحيّة المتداولة في برلين وعن غلاء المعيشة في المدينة. عموماً، برلين اليوم لديها بالفعل الكثير لتقدّمه، إنّما ليس ما يعتقده معظم الناس. برلين في الواقع جنّة، للأثرياء فقط.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s