معالم, إيطاليا, تاريخ, عمارة

العمارة العربية في مدينة روما: أپولّودور الدمشقي

من الآثاريّين المختصّين المنصفين من غير العرب، دبلوماسي أسترالي اسمه روس بورنس Ross Burns، اشتغل سفيراً في سوريا لبلاده أستراليا ما بين سنوات 1984 و 1987. ومع أنّه أنهى التكيف في دمشق، لكنّه مع ذلك تعلّق بتاريخ سوريا وآثارها. فدرس الآثار السورية ونال شهادة دكتوراه فيها سنة 2011، كما نشر أربع كتب مهمّة في آثار المدن السورية، أحدثها ما نشره سنة 2016 عن تتبّع دمار آثار حلب في الحرب الأخيرة… مع ذلك وعلى الرغم من إنجازاته المهمّة، لن تجد عنه على الوب ولا حتّى صفحة على ويكيپديا. والسبب باعتقادي هو منهج روس في تمجيد العمارة العربية، وتوضيح أثر العمارة العربية على العمارة الرومانية، لا العكس.

في كتبه يصرّ روس بورنس مثلاً على أنّ العمائر الرومانية في المشرق هي عمارة نبطية، ذات ملامح نبطية، وليست بملامح رومانية ولا إغريقية. ما يعني أنّها منجزات معمارية محليّة لم يبنها الرومان في بلاد العرب. مثلاً في حديثه عن المسرح الروماني في بصرى، استفاض في شرح الملامح المعمارية للمنشأة، في شرح الأعمدة وتيجانها وأقواسها… وكرّر دائماً أنّها نبطية لأنها تتميز بالشكل كذا وبالعلامات كذا، بينما الرومانية تكون كذا، وهي مختلفة.

مسرح مدينة بصرى في سوريا
مسرح مدينة بصرى في سوريا

وكان روس من أوّل الآثاريّين الذين نبّهوا إلى سيرة المعماري العربي المنسي أپولّودور الدمشقي Ἀπολλόδωρος ὁ Δαμασκηνός الذي أثّر كثيراً في عمارة مدينة روما والأوابد الرومانية في أرجاء الإمبراطورية. وبينما كانت أغلب المراجع العربية تذكر أپولّودور بأنّه معماري إغريقي من مواليد دمشق. وضّح روس بأنّ أپولّودور من الأنباط، عاش في دمشق واشتغل فيها، وكانت من منجزاته المعمارية تطويرات على معبد دمشق الكبير (في موقعه اليوم المسجد الأموي) ومعبد دوما الكبير (كاتدرائية دوما وفي موقعها اليوم جامع دوما الكبير).

أپولّودور الدمشقي من مواليد النصف الثاني من القرن الأوّل. درس العمارة في مدرسة الهندسة العسكرية النبطية، وتعلّم بالتالي هندسة الأنباط العسكرية واشتغل على أصولها. كما صمّم العديد من المنشآت العسكرية النبطية. ثمّ انتقل إلى عمارة المعابد وتطويرها، حين انتبه الإمبراطور الروماني تراجان إلى منجزاته، وطلبه إلى روما ليكون معماره الخاص. أپولّودور التقى تراجان في دمشق سنة 91 وكان يافعاً في بداية العشرينيات من عمره، مع ذلك أُعجب تراجان بمنجزاته وصحبه معه في كلّ أسفاره. وقبلها وضع له مكتباً في روما من سنة 91 وحتّى وفاته في عهد الإمبراطور هادريان.

سوق تراجان في مدينة روما، من تصميم المعماري أپولّودور الدمشقي
سوق تراجان في مدينة روما، من تصميم المعماري أپولّودور الدمشقي

بعد انتقال أپولّودور إلى روما اشتغل على تصميم الكثير من المنشآت المدنية، المنتديات (المجالس) والأسواق والمعابد والملاعب والجسور، (1) بالإضافة إلى المعالم السياسية. كلّ ما عليه اسم تراجان هو في الواقع من تصميم أپولّودور. ومن منجزات أپولّودور الباقية إلى اليوم مثلاً، عمود تراجان الشهير كمعلم سياحي في روما اليوم، بالإضافة إلى جسور على نهر الدانوب في صربيا، وجسور على نهر تاجة في إسپانيا والپرتغال.

ومن أهمّ المعالم التي تركها أپولّودور في مدينة روما، مبنى الپانثيون الشهير (أي كلّ الأرباب) (2) والذي ظلّ لقرون طويلة أكبر قبّة في العالم. ولا بدّ أنّ أپولّودور قد استقى نمط عمارة القباب النبطية والسبئية، ليطوّرها ويبالغ فيها لتحقيق منجزه العظيم سنة 114، الباقي مذهلاً وعظيماً إلى اليوم كما تراه في الصورة أدناه. زرت الپانثيون بنفسي عدّة مرّات، وفي كلّ مرة أشهق من الإعجاب بمجرّد دخولي تحت القبّة العظيمة.

معبد الپانثيون في روما، من تصميم المعماري أپولّودور الدمشقي
معبد الپانثيون في روما، من تصميم المعماري أپولّودور الدمشقي

في كتاب “أپولّودور الدمشقي وعمود تراجان، من التقاليد إلى المشروع” (3) سجّل الأستاذ مأمون عبد الكريم شهادة رئيس معهد التراث الإيطالي Fiorella Festa Farina حين قال أنّ التقنيات الجريئة التي ساقت منجزات أپولّودور في روما نابعة من جذوره التراثية والتقاليد المعمارية العربية، بسبب إتقانه “للثقافة النبطية التي تمّت تصفيتها بواسطة أنماط الفكر الإغريقية.”

وعلى هذا، ففي تاريخها المبكّر في القرن الثاني، زرع المعماري العربي أپولّودور الدمشقي أصول ومذاهب العمارة النبطية في عاصمة الإمبراطورية الرومانية وفي كلّ أرجائها، وهي مظاهر الأبّهة والفخامة التي زيّنت العمارة الرومانية من بعد تراجان. دون أن ننسى كذلك الأثر القرطاجي والمصري، ولهؤلاء تدوينة أخرى.

المراجع:

1 Chisholm, Hugh, ed. (1911). “Apollodorus”. Encyclopædia Britannica. Vol. 2 (11th ed.). Cambridge University Press. p. 186.

2 Hetland, Lise (November 9–12, 2006). Graßhoff, G; Heinzelmann, M; Wäfler, M (eds.). “Zur Datierung des Pantheon”. The Pantheon in Rome: Contributions Contributions to the Conference. Bern.

3 Apollodorus of Damascus And Trajan’s Column, Maamoun Abdulkarim, L’Erma di Bretschneider, 2003, p. 9

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s