مصر, اليمن, تاريخ, تركيا, خرائط, سوريا

حرب المماليك والعثمانيين ونهاية إمارة غرناطة

قرأت أمس الكثير من المنشورات التي تتذكّر إسقاط العثمانيّين لسلطة المماليك في مصر قبل خمسمئة سنة. وقرأت معها الكثير من الأخذ والردّ في نقاش معركة الريدانية، والحكم على العثمانيّين والمماليك بسببها. لكنّ أكثر ما لفت انتباهي هو كثرة الاتّهامات المتبادلة، وهي جميعاً مبنيّة على جهل وسوء فهم عميق بالوقائع السياسيّة قبل 504 سنوات، لذا شعرت بوجوب نشر هذه التدوينة.

في الصورة أدناه مقطع من الخطّ الزمني لأحداث الشرق الأوسط، كنتُ صنعته بسبب دراسة أعمل عليها منذ فترة حول تاريخ دمشق خلال الأعوام الألف الأخيرة. واقتطعت منه ما يهمّ موضوعنا هنا، الحرب العثمانية-المملوكية، والتي على غير ما يُعتقد، بدأت سنة 1485 وانتهت سنة 1517 بانتصار العثمانيّة وإزالة السلطنة المملوكيّة من الوجود. 

الخطّ الزمني للحرب العثمانيّة-المملوكيّة 1485-1517
الخطّ الزمني للحرب العثمانيّة-المملوكيّة 1485-1517

ونلاحظ على هذا الخطّ الزمني أهمّ التفاصيل: استيلاء المماليك الجركس على الحكم في القاهرة سنة 1382. اندلاع أوّل حرب مملوكية-عثمانية سنة 1485 والتحالف المملوكي-الإسپاني في نفس السنة. نهاية إمارة غرناطة النصريّة في نهاية هذه الحرب سنة 1492. ثمّ اندلاع الحرب العثمانية-الصفويّة سنة 1505 التي تضمّنت أحداث معركة چالدران سنة 1514. التي تبعها فوراً غزو القوّات العثمانية لمناطق سلطنة المماليك سنة 1516.

سنة 1381 توفّى السلطان المملوكي التركماني المنصور علاء الدين علي بن شعبان، فاندلعت على إثر وفاته حرب أهلية انتهت سنة 1391 بسيطرة السلطان الملك الظاهر سيف الدين برقوق بن أنس الجركسي على الحكم، وبداية الدولة الجركسية في مصر.

سنة 1453 فتح العثمانيّون مدينة القسطنطينيّة ضدّ رغبة المماليك، الذين رفضوا إزالة مُلك حلفائهم الروم بغية الحفاظ على الامتيازات الواسعة التي تمتّع بها المماليك في القسطنطينيّة وفي كلّ الموانئ والأراضي التي امتلكتها عبر المتوسّط والبحر الأسود. ومذّاك اشتعل التنافس ما بين القوّتين العالميّتين للسيطرة على طرق تجارة التوابل وخطوط التجارة البحريّة.

سنة 1481 حاول جم سلطان الانقلاب على أخيه بايزيد الثاني، ونال دعم المماليك. لكنّ السلطان بايزيد حافظ على عرشه وانتصر على أخيه، الذي فرّ إلى إمارة الرمضانيّين في گيليگيا؛ وكانت آنذاك تحت حماية المماليك. طلب بايزيد دعم عساكر المماليك للقبض على أخيه جم سلطان، فرفض المماليك وقدّموا للأمير جم سلطان تسهيلات للهرب إلى جزيرة رودس، حيث لجأ إلى الصليبيّين.

طلب الأمير جم سلطان دعم الصليبيّين لتنصيبه على العرش العثماني مقابل وعود بتسهيلات واسعة في الموانئ العثمانيّة. فقدّمت سلطنة المماليك الوعود بتوفير الموانئ العسكريّة المملوكيّة للبحريّة الصليبيّة إن هي قرّرت دعم الأمير جم. لكنّ الدبلوماسيّة العثمانية نجحت في إقناع بابا روما بالضغط على الصليبيّين للامتناع عن دعم الأمير جم وحفظه على رودس. وتفرّغوا لإدارة الأزمة مع المماليك.

أخيراً، صعّد المماليك من الأزمة بأسر السفير العثماني إلى جنوب الهند، وكان عائداً من هضبة الدَّكَن، وفي صحبته سفير هندي إلى العثمانيّة. ثمّ عقد المماليك تحالفاً مع آل هابسبورگ (مملكتي قشتالة وأراگون) لإغلاق البحار تماماً في وجه البحريّة العثمانيّة. وبهذا الحدث قرّر السلطان بايزيد تحويل الأزمة إلى التصادم العسكري. وهدف أوّلاً إلى إضعاف الحضور البحري المملوكي.

اشتعلت المعارك أوّلاً سنة 1485 بهجوم إمارة ذو القدر على مدينة مَلَطْية المملوكيّة المجاورة في الأناضول. ردّت قوّات المماليك بغزو إمارة ذو القدر. اعتبر السلطان بايزيد أنّ غزو حليفته إمارة ذو القدر هو عمل عدائي اتّجاه سلطنته، وأمر جيش الإنكشارية بشنّ هجوم كامل بحري برّي على سلطنة المماليك. 

في ذات الوقت، وللردّ على التحالف المملوكي-الهسپاني، تحالفت السلطنة العثمانيّة مع إمارة النصريّين في غرناطة، التي قبلت بنشر قوّات عثمانية في غرناطة. في ذات الوقت سعى النصريّين للخلاص من الهيمنة القشتالية، والتحوّل عن وعود حماية مغربيّة لن تتحقّق، فتأمّلوا ضمان الاستقلال بحماية عثمانية. غير أنّ القوّات الهسپانية نجحت بإسقاط غرناطة قبل وصول القوّات العثمانيّة، التي أعاقتها القوّات البحرية المملوكيّة وأخّرت وصولها.

استمرّت هذه الحرب العثمانيّة-المملوكيّة سبع سنوات، انتهت سنة 1492 بانتصار مملوكي-هابسبورگي، أفضى إلى الاتّفاق على عودة الأمور لما كانت عليه قبل سنة 1485، باستثناء زوال إمارة غرناطة وطرد أمرائها النصريّين إلى المغرب، مع ترحيل اليهود منها فوراً إلى سلطنة المماليك، التي أعادت توطينهم في مدينة دمشق. بالإضافة إلى ذلك، نالت العثمانيّة امتيازات تجارية موسّعة في نيابتي حلب والشام، وكانتا لم تزلن من نيابات المماليك.

عقب نهاية هذه الحرب، استمرّت حالة اللاسلم واللاحرب ما بين العثمانيّين والمماليك، مع استمرار التوتّر بسبب منع السفن العثمانيّة عن الاستفادة من أيّ من المنافذ البحرية من حولها، وهي جميعاً تحت سيطرة؛ إمّا المماليك، أو القشتاليّين. وما هي 24 سنة حتّى عادت الحرب واشتعلت من جديد. 

في الواقع خطّط العثمانيّون لحملة جديدة ضد سلطنة المماليك سنة 1498 لأخذ حلب والشام منها، لكنّ رفض التركمان للمشاركة في هذه الحملة هو ما أثنى العثمانيّة عنها. ما أخّرها حتّى سنة 1516. وما زاد من ضيق العثمانيّين هو سعي المماليك وبتشجيع من آل هابسبورگ لعقد تحالف مع الدولة الصفويّة في إيران. وتحالف ثلاثيّ كهذا سيعني حتماً حصاراً مميتاً للسلطنة العثمانية. 

سنة 1505 اندلعت الحرب العثمانية-الصفوية بهجوم الجيش الصفوي على الأناضول ساعياً لضمّ الإمارات التركمانيّة فيها. واستمرّت الحملات الصفويّة تهاجم الأراضي العثمانيّة عدّة مرات، انهزمت في كلّ واحدة منها، 1505 ثمّ 1507 ثمّ 1510 ثمّ معركة چالدران التي غيّرت اتّجاه الأحداث سنة 1514 ووصلت فيها القوّات العثمانية إلى عاصمة الصفويّين تبريز.

المهمّ في هذه المعركة الأخيرة، هو دعم سلطنة المماليك الجركس لمملكة إيران الصفويّة في حملاتها على العثمانيّة، ويقال بأنّ سلطنة المماليك قد حشدت قوّاتها فعلاً لغزو العثمانية قُبيل سقوط تبريز، للتخفيف عن الجبهة الإيرانيّة. لكنّ وصول القوّات العثمانيّة إلى العاصمة الصفويّة أثار التردّد في القاهرة، فتقاعست عن التدخّل المباشر.

عقب انتهاء المعارك العثمانيّة الصفويّة بمعركة چالدران، قرّرت العثمانيّة توجيه حملة أخيراً إلى سلطنة المماليك، تبتغي أخذ حلب والشام وطرد المماليك عن المشرق كلّه، لإبعادهم عن حدود مشتركة مع إيران الصفويّة. ثمّ قدّم المماليك للعثمانيّين سبباً معجّلاً لشنّ الحرب، حين قام المماليك بغزو اليمن واحتلال الدولة الطاهرية فيها.

سنة 1505 اندلعت الحرب المملوكية-الپرتغالية في بحر العرب، وتوالت فيها هزائم المماليك، ما دفعهم للتفكير بضمّ اليمن أملاً بتعزيز مواقعهم الدفاعيّة في وجه البحريّة الپرتغاليّة.

سنة 1515 أرسل الشاه إسماعيل صفوي، طالباً التحالف مع الپرتغاليين ضدّ العثمانيّين، ووقّع اتّفاقية معهم جاء فيها:

  • أن تساند البحريّة الپرتغاليّة القوّات الإيرانية في الاستيلاء على البحرين والقطيف.
  • يتعهّد الپرتغاليّون بمساندة الشاه الصفوي في القضاء على الحركات الانفصاليّة التي قامت في إقليم مكران.
  • قيام حلف عسكريّ بين الطرفين ضدّ الدولة العثمانيّة.
  • إعادة توران شاه إلى هرمز نائباً عن الملك الپرتغالي عمانوئيل، وهذا يعني اعتراف الشاه بتبعية هرمز للپرتغاليّين.

سنة 1516 قامت قوّات المماليك بغزو اليمن مستهدفين الدولة الطاهريّة فيها، ومهدّدين من جديد بعزل العثمانيّة عن بحار العالم. وكانت للعثمانية علاقات متميّزة ببني طاهر بغرض الاستفادة من الموانئ ومن خطوط البحرية اليمنيّة في بحر العرب والمحيط الهندي، وهو ما تجسّد على الأرض باستضافة أسطول عثمانيّ في جزيرة كمران على باب المندب. وبغزو المماليك لليمن ضغطوا على زرّ تحرّك قوّات الإنكشاريّة العثمانيّة عبر حدودهم.

واندلعت الحرب فعلاً سنة 1516 بأخذ ديار بكر من المماليك، ثمّ حلب، ثمّ الشام في شهرين. ثمّ توقّفت الحرب في مدينة غزّة. ولم ينو العثمانيّون الوصول فعلاً إلى القاهرة. فبحيازتهم على الشام صارت لهم منافذ بحرية على البحر الأحمر، وبهزيمة المماليك في اليمن بقي حلفاؤهم على موانئ في بحر العرب. ما يعني الخلاص من الحصار المصري الإسپاني. كما أنّ الغاية الأمنية بعزل سلطنة المماليك عن الصفويّين قد تحقّقت بطرد القوات المملوكيّة إلى ما وراء سيناء.

بعد معركة غزّة بأيّام قليلة أرسل السلطان سليم إلى القاهرة وفداً يطلب السلام على شرط تقاسم الدولة، فتكون الأراضي من الفرات إلى الشام للعثمانيّين، ومن غزّة إلى مصر للمماليك. وكان الأشرف أبو النصر طومان باي، سلطان المماليك الجديد، قد جنح إلى السلم وإلى قبول الصلح على شروط السلطان سليم. غير أنّ بعض الضبّاط رفضوا القبول بشروط السلطان سليم، وقاموا بعد ثلاث أشهر وقتلوا الوفد العثمانيّ. ثمّ حشدوا جيشاً من البدو ومن كلّ طبقات المجتمع المصري، بعد أن رفض العديد من المماليك حرب العثمانيّين.

وما إن وصلت أخبار مقتل الوفد المفاوض إلى السلطان سليم، حتّى تحرّك بقوّاته من غزّة صوب القاهرة، وانتهت الأمور بمعركة الريدانية الحاسمة نهاية شهر كانون الثاني يناير 1517، ومن ثمّ أُسر الخليفة العبّاسي المتوكل على الله (المتوكّل الثالث) محمّد بن يعقوب بن عبد العزيز، ونُقل إلى القسطنطينيّة وعاش فيها حتّى وفاته سنة 1543، وانتقلت الخلافة بالتالي إلى العثمانيّين عبر السلطان سليم الأوّل.

هذه حكاية فتح السلطنة العثمانيّة لحلب والشام ومصر وإنهاء سلطان المماليك فيهم بتفاصيلها. ثمّ أعلنت المدن المقدّسة في الحجاز الولاء للعثمانيّين بعد حملة مصر بسنة. وبهذا بدأت مرحلة الإمبراطوريّة العثمانيّة. 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s