معالم, أديان, تاريخ, خرائط, دمشق, سوريا, عمارة

في قضية هدم الكنيسة وبناء المسجد الأموي الكبير

في حكاية بناء المسجد الأموي الكبير في دمشق خلال القرن الثامن، تكاد تُجمع الروايات المعاصرة على أنّ الأمير الأمويّ الوليد بن عبد الملك هدم كاتدرائية يوحنّا، بعد أن اشتراها من المسيحيّين سنة 705. (1). وعلى الرغم من عدم وجود الكنيسة اليوم، لكنّ التنقيبات الأثريّة أتت بنتيجة مختلفة عن الشائع المتداول في التدوينات الإسلامية والمسيحيّة على السواء، وهي أدلّة تناقض رواية هدم الوليد للكاتدرائيّة المسيحيّة.

بين مطالعاتي وقع في يدي كتاب لأستاذ الفن والعمارة الإسلامية في جامعة أوكسفورد (2)، الأستاذ ألين جورج. وفي كتابه “المسجد الأموي بدمشق: الفن والإيمان والإمبراطورية في الإسلام المبكر” (3) يتحدّث الأستاذ جورج عن حملة تنقيب واستكشاف للمسجد الأمويّ والمعبد الروماني، وقعت في سنتيّ 1962-1963، قبل حملة الترميم التي حدثت في تلك السنة. وفي حملة التنقيب هذه اكتُشف temenos المعبد الروماني، وهو المدخل، على بُعد ~57 متراً من جدار المسجد الأموي. وهي الأقواس التي نراها بين السوق الحميديّة وجدار المسجد. هذا يعني أنّ المعبد الروماني-الكاتدرائية كان في الواقع خارج أسوار المسجد الأموي المعاصر.

وفي التنقيب أتت مفاجأة أخرى. إذ اكتُشف سنة 1962 أنّ المعبد الرومانيّ بقي واقفاً إلى جوار المسجد الأموي خارج الجدار الحالي، إلى أن دمّره حريق سنة 1069، (4)، ما يعني أنّ الأمويّين لم يهدموا المعبد لبناء المسجد، ما يعني أنّ رواية هدم الكنيسة لأجل المسجد قد تكون كلّها مجرّد أسطورة غير حقيقيّة. بل إنّ ما تمّ هدمه في القرن الثامن هو مسجد الرفقاء، الذي كان داخل السور الداخليّ للمعبد القديم، بالإضافة إلى منطقة قدس الأقداس، الخاصّة بمعبد أداد، والتي لم تُمس في القرن الأوّل حين بنى أپولودورو الدمشقي معبداً لجوبيتر الروماني ما بين السور الخارجي والسور الداخلي للمعبد.

آثار المعبد الروماني-كاتدرائية يوحنّا، ما بين السوق الحميدية والمدخل الغربي للمسجد الأموي في دمشق
آثار المعبد الروماني-كاتدرائية يوحنّا، ما بين السوق الحميدية والمدخل الغربي للمسجد الأموي في دمشق

الحريق الذي دمّر الكاتدرائية-المعبد الروماني هو فعلياً حريق الأموي الأوّل الذي حدث سنة 1069 في عهد سلطة الدولة الفاطميّة على الشام وحلب (5)، وقد اتّهم الأهالي العساكر الفاطميّين بإحراق المسجد حيث رغب الجنود الفاطميّة بإحراق قصر الخضراء (البيت الأموي)، فامتّدت منه النار على المسجد وأُغلق عن الصلاة بعدها، ولم تحدث فيه أيّ ترميمات حتّى عهد الدولة السلجوقيّة. ضمّ السلاجقة سوريا على مراحل ما بين سنة 1071 و 1078 ودخلوا دمشق سنة 1076، وشرعوا بالترميمات بعد سنة 1080. ثمّ تكرّرت أعمال الترميم لإصلاح أثر الحريق الأوّل في عهد دولة دمشق (النوْريّين) ثمّ الأيّوبيّين ثمّ المماليك.

أجمعت على رواية الحريق كلّ من الكتب: البداية والنهاية لابن كثير. تاريخ القلانسي. الدرة المضية لابن صصرى. خطط دمشق للعلبي.

هذا يعني أنّ الحريق أتى على قصر الخضراء والمسجد الأمويّ والكاتدرائيّة المسيحيّة-المعبد الروماني، ثمّ بقي المسجد مغلقاً عن الصلاة لمدّة لا تقل عن 11 سنة، ولم يعد إلى أبّهته السابقة قبل ترميمات القرن 13.

وهذا يعني، كذلك، أنّ الكنيسة التي كانت في الموقع، بقيت واقفة دون أن يمسّها سوء من سنة شرائها سنة 705 إلى سنة الحريق سنة 1069. أي أنّ الكنيسة انهارت بعد 364 سنة من انطلاق مشروع المسجد الأموي. وهنا عليّ التساؤل، لماذا كذب المؤرّخون وقالوا أنّ الأمير الأموي الوليد بن عبد الملك هدم كاتدرائية يوحنّا؟ هو أغلقها نعم، لكنّه لم يهدمها، والكشوف الأثرية تُظهر ذلك. فما هو سبب الكذب؟

الرسم أدناه هو مخطّط مرسوم سنة 1905 للمسجد الأموي في دمشق مع الأسواق المحيطة به، بما يشمل على مخطّطات آثار المنطقتين الشرقية والغربية للمعبد الروماني القديم. عن مكتبة مؤسسة آغا خان، عن معهد مسّتشُستّس للتقنيات، الولايات المتحدة الأميركية (6). وأضفت على الرسم نتائج تنقيبات 1963، السور الداخلي لمعبد أدادرمّن القديم باللون الأخضر الداكن، المسجد الأموي وهو حرم قدس الأقداس للمعبد القديم باللّون الأصفر، المعبد الروماني القديم وهو كاتدرائية يوحنّا باللّون الأزرق، قوس مدخل temenos المعبد الروماني الذي رُمّم سنة 1963 باللّون الأحمر، والسور الخارجي لمعبد أدادرمّن القديم باللون الزهري، وقصر الخضراء باللون الأخضر.

مخطّط مرسوم سنة 1905 للمسجد الأموي في دمشق، عن مكتبة مؤسسة آغا خان، عن معهد مسّتشُستّس للتقنيات، الولايات المتحدة الأميركية
مخطّط مرسوم سنة 1905 للمسجد الأموي في دمشق، عن مكتبة مؤسسة آغا خان، عن معهد مسّتشُستّس للتقنيات، الولايات المتحدة الأميركية

وكان المعبد القديم مكرّساً في الأساس للمعبود أدادرمّن، (7)، نسخة كنعانيّة من المعبود أداد النهريني: حَدُّ 𐎅𐎄 بالأوگاريتيّة، وأدد 𒀭𒅎 بالأگّديّة، وإشكُر بالسومريّة وبذات الرسم الأگّدي. وتأسّس المبنى المعاصر حوالي سنة 1800 ق.م ما يجعل عمره حوالي 3800 سنة، وكان على طراز معماري كنعاني. وتشير الأدلّة الأثرية إلى وجود معبد في المكان مكرّس لأداد يسبق معبد أدادرمّن إلى حوالي 4500 سنة من اليوم. مع وجود أدلّة تعود إلى 9000 سنة، تشير إلى أنّ مكانه كان مكاناً مقدّساً في الأساس، لكن دون بيان سبب الاستعمال ولأيّ ديانة كان.

لماذا كذب الرواة في قضية هدم كاتدرائية يوحنّا واتّهموا الوليد بن عبد الملك؟ وهل كان الكذب لتبرئة الفاطميّين من مسؤوليّة حرقها وهدمها؟

المراجع:

1 مؤنس بخاري، حكاية مبنى المسجد الأموي في دمشق. https://go.monis.net/5crV1m

2 Alain Fouad George. University of Oxford. https://go.monis.net/4QeF2b

3 The Umayyad Mosque of Damascus. Art, Faith and Empire in Early Islam. By Alain George · 2021. https://go.monis.net/iVYPps

4 John Butler . “The Umayyad Mosque of Damascus: Art, Faith and Empire in Early Islam” by Alain George. https://go.monis.net/taXxGa

5 مؤنس بخاري، حرائق المسجد الأموي في دمشق في المصادر القديمة. https://go.monis.net/SLlItY

6 Dome at the MIT Libraries. https://dome.mit.edu

7 Elizabeth Macaulay-Lewis. The Great Mosque of Damascus. https://go.monis.net/yI6yj6

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s