أديان, تاريخ, خرائط, سوريا, شخصيات عامّة

قبيلة جيس العربية، أحد أنسال الفنيقيّين الباقية إلى اليوم

قبيلة جيس العربية قبيلة كبيرة جدّاً وفروعها عديدة، وهم تحالف قبلي جمع أبناء عامر بن صعصعة، أحد جمرات العرب. وهم جَمجمة من جماجم العرب، أي من ساداتهم. شرح ابن منظور في لسان العرب فقال: «وجماجم العرب رؤساؤهم، وكل بني أب لهم عزّ وشرف فهم جَمجمة. والجَمجمة: أربع قبائل، بين كل قبيلتين شأن.». ويُعتقد أنّ عرب الجيس هم رؤساء القيسيّين ما بعد الإسلام، إذ أنّ حلف الجيس هو أمراء أغلب دول القيسيّين عدا بني العبّاس. وفي بطون هذا الحلف نجد مثلاً:

  • بني هلال ذائعي الصيت.
  • بني كلاب أمراء الدولة المرداسيّة في حلب (القرن 11).
  • بني نمير أمراء إمارة الرها؛ الدولة العلوية في ديار مضر (القرنين 10-11).
  • بني كعب أمراء الخليج العربي وتجّار البحر، وأكبر صنّاع السفن في العالم خلال الفترة ما بين القرنين 10-18. وأحد سلالاتهم أمراء إمارة بني كعب الناصريّة في الأحواز (القرون 17-20).
  • بني عقيل أمراء الموصل وحلب (القرنين 10-11).

وعلى خلاف ما يُعتقد، أنّ نشاط قبائل الجيس كان في خلاء شبه الجزيرة العربية فقط، ما قبل الإسلام. فإنّ من أصول وأفرع الجيس ملوك مملكة حمص. أكبر وأهمّ الممالك الدينية في العهد الروماني.

خلال الفترة السلوقية وما سبقها تبع أغلب العرب القيسيّين ديانة الشمس، بينما تبعت طيء ديانة القمر. قبل القرن العاشر قبل الميلاد كانت عاصمة ديانة الشمس (مي) المقدّسة آنذاك في مدينة الرقّة، التي فيها معبد داگون المقدّس، نفس المعبد الذي حجّ إليه الفنيقيّون ومن تبع ديانتهم من الإغريق من كلّ أنحاء البحر المتوسط.

في القرن العاشر قبل الميلاد خسر عبدة مي (الشمس) معبدهم المقدّس لمصلحة الدولة الأسوريّة الحديثة “مات أشُّر”، وانتقلت القداسة من بعدها إلى مدينتين تنافستا على ريادة ديانة الشمس، هنّ حمص في سوريا، ومدينة فرات ميسان (ميشان 𐭬𐭩𐭱𐭠𐭭) في العراق. وسبب التنافس كان ببساطة مساعي فريقين من العرب للحيازة على رئاسة ديانة الشمس، وهم الطيايا في ميسان، والجيس في حمص.

في حمص، وتحت سلطة السلوقيّين، نشأت في القرن الثالث قبل الميلاد مملكة إميسان الغربية (مملكة إميسه) برئاسة الفيلسوف يمليكو 𐡉𐡌𐡋𐡊𐡅 (توفّى 245 ق.م) الذي حمل في الإغريقية اسم يامبليخوس Ἰάμβλιχος بسبب انتشار مذهبه الفلسفي في كلّ أرجاء المملكة السلوقيّة وبين العديد من القبائل الإغريقيّة والفرنجيّة والتركيّة في البلقان. وانتشرت فلسفة يمليكو داعياً إلى عبادة إله الجبل 𐡁𐡋𐡄𐡀𐡂𐡀𐡋 والحجر الأسود المقدّس الذي أرسله إله الجبل من السماء، ثمّ أودعه العرب في معبد إله الجبل المقدّس في مدينة حمص.

عقب انهيار الدولة السلوقيّة في القرن الأوّل قبل الميلاد، استقلّت مملكة إميسان الغربيّة برئاسة سلالة شمس إگِرَم (شمسيغرام) الحمصيّة، التي استطاعت في سنة 46 ق.م الوصول إلى اتّفاق مع روما، منحها الحماية الرومانيّة، منعاً لضمّها إلى المملكة الأشكانيّة الناشئة على الشرق في العراق، بديلاً عن المملكة السلوقية. وبهذا حافظت مملكة حمص على استقلالها، ومكّن الرومان لعاصمتها قداستها الخاصة كسباً لعباد مي (الشمس) العرب من غير أتباع فرات ميسان الطيايا. وصعدت مكانتها حتّى صار الإمبراطور الروماني لا ينال شعبية كافية إن لم يتزوّج أميرة حمصيّة من بني شمسيغرام.

الملفت هنا أنّ ذكر مملكة حمص (إميسان الغربيّة) يأت في جميع التدوينات اللاتينية المعاصرة لها بصيغة مملكة فنيقيا أو فنيقيا. ما يجعل من مدينة حمص عاصمة لفنيقيا، التي عرفها العرب باسم مملكة إميسه أو مملكة الجيسيّين. وكانت منطقة حمص الإدارية قد بقيت على اسم فنيقيا حتّى نهاية العصر البيزنطي، حين تحوّلت إلى الإسلام، وغيّرت التنظيمات الإداريّة الإسلاميّة اسمها من محافظة فنيقيا إلى ولاية حمص. وهذا يعني ببساطة أنّ مملكة الجيس هي ذاتها بلاد الفنيقيّين، وهؤلاء هم نفسهم فنيقيّون وهم عرب.

خارطة فنيقيا وفقاً للقدّيس هپّوليتُس (هيبوليتوس الرومي) في القرنين الثاني والثالث
الخارطة هي خارطة فنيقيا في القرنين الثاني والثالث، رسمتها ورفقاً لكتابات القدّيس هپّوليتُس (هيبوليتوس الرومي)، وهي ذاتها مملكة حمص، إميسان الغربية، إميسه، التي تحالفت مع الرومان ثمّ صارت بعدها جزء من الإمبراطورية.

في الواقع صعدت قداسة مدينة حمص والسلالة العربيّة من الجيس الحاكمة فيها، حتّى صارت الممالك تتسابق لمصاهرتها ومناسبتها حتّى ترضى عنها شعوبها. سواء أتحدّثنا عن الممالك المنضوية في حدود الإمبراطوريّة الرومانيّة أو التابعة لنفوذها، أو تحدّثنا عن الممالك التي جاورت الإمبراطوريّة الرومانيّة ونالت حمايتها دون الانضمام لها. وحتّى زنّوبيا 𐡡𐡶𐡦𐡡𐡩، حين أرادت في القرن الثالث الاستقلال بمملكة عربيّة عن روما، ادّعت نسباً إلى سلالة شمس إگِرَم الجيسيّة العربيّة، لكي تنال دعماً شعبيّاً من قبائل العرب في المشرق والمغرب.

أبناء شمس إگِرَم 𐡔𐡌𐡔𐡂𐡓𐡌 (شمسيغرام) هؤلاء كانوا من الجيس، سمّاهم العرب بالجيسيّين والجسياسيّين والجسّاسين والغسياسيّين والغسّاسين والغسيانيّين والغسّان. أحد ملوكهم يمليكو الأوّل 𐡉𐡌𐡋𐡊𐡅 (حفيد يمليكو الفيلسوف، وتوفّى 31 ق.م) حمل لقب “فيلارخ العرب” أي بابا العرب المقدّس. هؤلاء الجيس سمّاهم الرومان الگَيُس Gaius وسمّاهم الإغريق غايوس أو گايُّس Γάϊος وكذلك قايّوس Κᾱ́ῐ̈ος و قَيس Κάης تحوير بصيغة نسبة عن الكلمة العربية القديمة قيّن التي تعني في الإغريقيّة والسلاڤيّة والتركيّة القديمة: ملك.

ولا يُعرف بالضبط إن كانت قبيلة الجيس هي التي صعدت في مكانتها لدى هذه الشعوب حتّى صار اسمها مفردة تُستعمل بمعنى ملك. أم أنّ الجيس نالوا تسميتهم في الأساس تحويراً لكلمة قيّن (قيس في التغلبيّة) ليقولوا عن أنفسهم أنّهم الملوك. لكن، من الروائع أنّ الرومان وبعد تحوّل نظام الحكم في بلادهم عن الجمهوريّة إلى الإمبراطوريّة، صاروا يستعملون كلمة گَيُس Gaius بادئة للقب كلّ الأباطرة الرومان، بمعنى الجلالة.

شخصيّاً أعتقد أنّ لقب الجيسيّين الخاص بأبناء شمس إگِرَم 𐡔𐡌𐡔𐡂𐡓𐡌 (شمسيغرام)، هو مصدر كلمة جيسُس Jesus التي تُستعمل اليوم في اللّغة الإنگليزية لوصف المسيح. إذ أنّ جيسُس كان لقب قداسة ملك حمص (أيّاً كان الملك). الذي انتشر حيث كان الفنيقيّون ومن تبع ديانتهم في العهد الروماني. وكانت الصيغة الأصل للكلمة في كتاب Wycliffe المقدّس المكتوب بالإنگليزية القديمة في القرن 14 هو: Jhesus تحوّر إلى Jhesu ثمّ صار في الإنگليزية الحديثة Jesus.

في مطلع القرن الثالث وصل إلى سدّة الحكم في روما أمير حمصي اسمه أنطون Antoninus توّج باسم ديانته التي سعى إلى تحويل كلّ روما إليها إيلگبَلُس Elagabalus (إله-الجبلي). هذا الأمير كان من الجيس، من نسل ذات الملك الحمصي المؤسّس شمس إگِرَم (شمسيغرام)، وحفيد للفيلسوف يمليكو وعلى ديانته. بعد سنة من تنصيبه طلب الإمبراطور تغيير اسمه الملكي إلى مرقُس أُريليُس أنطونِنُس Marcus Aurelius Antoninus. ثمّ بعد وفاته صار يشار إليه في التدوينات اللاتينية باسم هيليوگبلُس Heliogabalus أي جبل الله. وهذا الإمبراطور أحد الأمثلة على سعة انتشار سلطة الجيس وأملاكهم، حتّى وصل فرد منهم إلى عرش الإمبراطورية الرومانية.

بكلّ حال، في التراث العربي، الجيس هم من القبائل العدنانيّة، التي تعود بنسبها إلى قبيلة هوزان القيسيّة المضريّة، ونقول نسبها هذا لأنّها كذلك كانت من القبائل التي اعتمدت الدولة الأسوريّة الحديثة عليها في بناء جناح مهمّ من جيوشها، هو الجناح الذي استعملته نينوى في القرن 7 ق.م لفتح مصر وتغيير سلالتها، حتّى تغيّر اسم مصر كلّها في العهد الأخميني فصار: المُضريّة.

بقي أن أقول أنّ في التراث العربي من يعتقد بأنّ تحالف قبيلة الجيس يعود في نسبه إلى نبيّ الله إسماعيل بن نبيّ الله إبراهيم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s