فلسطين, مطبخ, إتيمولوجي, العراق, تاريخ, تركيا, تركستان, سوريا

في تاريخ الفستق الحلبي

تشتهر منطقة شمال الساحل الشرقي للمتوسط بإنتاج أحد أشهر أنواع الفستق في عالم الحلويات، الفستق الحلبي، ذائع الصيت بسبب نكته اللّذيذة وفوائده الغذائية العالية. فما هو تاريخ هذه الزراعة يا ترى!

يشير علم الآثار إلى أنّ شجرة الفستق الحلبي هي نفسها التي اسمها في اللاتينية هو Pistacia vera أي {الفستقة الحقيقيّة} وهو نوع ينتمي أصولاً قازاقستان المعاصرة، وزُرع في المشرق أوّل مرّة في فلسطين وانتشر منها شمالاً حتى تركيا المعاصرة. هذه الهجرة لشجرة الفستقة الحقيقيّة قديمة جدّاً في الواقع، ودليل قدمها هو وجود اسم لها في السريانية والآرامية والأگّديّة، في الزمن الأگّدي كان اسم الشجرة {بُطْنُ} واسم حبّة الفستق {بُطُتُّ} وهو كذلك اسم ثمرة {البطم} بنت عم الفستق وأحد شجرات الشام التي نشرها العرب الفنيقيّون في المغرب وشمال المتوسط. 

في الإيلامية القديمة ورد اسم الفستق {پيشتُقه} ويُعتقد أنّه دخل منها في السنسكريتية القديمة فصار {بُسته बुस्त} بمعنى قشرة جوزة أو صدفة أو ثمرة. ويبدو أنّ الكلمة الإيلامية دخلت الآرامية فصارت في الحرف الآرامي المربّع {پستقه פסתקא} و {فاستقا פיסתקא} وفي السريانية {فستقه} ܦܷܣܬܩܐ} و {پوستقا ܦܘܣܬܩܐ} وعن الآرامية انتقلت التسمية إلى الپهلوية فصارت پِستَگ (پِستَق) وانتقلت عنها إلى لغات كلّ الأمم التي حكمتها الإمبراطورية الأشكانية، أو تاجرت معها.

وتشير بعض المعاجم والمراجع إلى عودة كلمة فستق إلى الفارسية ظنّاً بقِدم اللّغة الفارسية، وهذا غير صحيح. إنّما، الكلمة الفارسية القديمة {پسته} هي عن السنسكريتية {بُسته} عن الإيلامية {پيشتُقه}. عموماً اسم الفستق في الفارسية المعاصرة هو فستق، عن العربية.

بدأ استهلاك الفستق (الحلبي) كغذاء في منطقة أفغانستان المعاصرة قبل 8750 سنة (1) ثمّ تعلّمت الناس زراعة شجرة الفستق في منطقة باكتريا، وأقدم آثار زراعتها موجودة اليوم في منطقة {جَركُوتان Jarqoʻton} جنوب أوزبكستان المعاصرة. (2)

بدأت زراعة الفستق (الحلبي) بالانتقال من وسط آسيا إلى المشرق في القرن الثالث قبل الميلاد، وقد وثّق عالم النبات الإغريقي {ثاوفرسطس Θεόφραστος} هذا الانتقال في تدويناته، ووصفها بأنّها ثمرة تشبه البطم في شكلها لكنّها بطعم اللوز. (3

مع ذلك تشير الأدلّة الأثرية إلى أنّ أهل الجزيرة والعراق قد استهلكوا صنفاً قديماً من الفستق، يسمّى اليوم بالبطم الأطلسي. وعُثرت على آثار أكله في منطقة {جرمو} شمال العراق الذي يعود تاريخه إلى نحو 9000 سنة. والأدلّة في الموقع تشير إلى غابة قديمة من الفستق والبلّوط. (4)

بحلول العصر الروماني كانت زراعة الفستق (الحلبي) قد صارت من أهمّ الزراعات في سوريا، وهي المورّد الوحيد لهذه البذرة حول المتوسّط. لكن سنة 35 ميلادية قام القنصل الروماني في أنطاكية {لُقيُس ڤيتِلّيُس الأكبر Lucius Vitellius} بنقل بذرة الفستق من سوريا إلى إيطاليا، ثمّ استثمر في زراعتها في إسپانيا مع شريكه التجاري والسياسي {چيچىرو Cicero}. (5)

اليوم، أقدم الآثار الحيّة للفستق الحلبي موجودة في قرية عين التينة القريبة من مدينة معلولا على جبال القلمون وسط سوريا. وفي هذه القرية لم تزل تعيش شجرات فستق (حلبي) تجاوز عمرها 1800 سنة ولم تزل تحمل وتثمر وتطعم الأحياء.

بعد كارثة القرن 13 وإبادة منطقة الجزيرة، اشتهرت دولة حلب بتصدير الفستق خلال العهدين المملوكي والعثماني، وهو ما أشاع تسمية الفستق الحلبي وجعل من هذه الثمرة واحدة من أهم صادرات حلب على طريق الحرير، وواحداً من أهم مواردها الاقتصادية، إلى جانب الوشنة والصابون وأصناف الدبس المختلفة. وغيرها من المنتجات الزراعية. ومع الزمن تطوّرت بذرة الفستق في مناطق دولة حلب فخرجت عنها أربع أنواع معاصرة، هي: العاشوري (الأحمر) والعليمي، واللازوردي، والباتوري. والعاشوري هو الصنف الأرخص وهو أغلب الإنتاج السوري.

اليوم، تُعتبر بلدة مورك في محافظة حماة عاصمة زراعة الفستق الحلبي في المشرق، إلى جانب مدينة عينتاب الواقعة اليوم جنوب تركيا. وبدأت زراعة الفستق الحلبي في مورك في حوالي سنة 1940 لتتحوّل القرية كلّها بعدها إلى هذا الإنتاج، حتّى وصل عدد شجرات الفستق في هذه القرية وحدها حوالي المليون شجرة. (6)

أمّا على المستوى العالمي، فتُعدّ إيران أكبر مصدّر للفستق الحلبي في عالمنا المعاصر، تليها الولايات المتّحدة الأميركية، ثمّ تركيا، ثمّ الصين، وتليهم سوريا في آخر القائمة بقدرات إنتاجية متراجعة دون توقّف، نتيجة كارثة القرن 21… فعلى أمل تحسّن إنتاج سوريا للفستق الحلبي واستعادة مجد تسمية الفستق الحلبي، آمل أن أكون قد وُفّقت في هذه التدوينة.

المراجع

1 “History and Agriculture of the Pistachio Nut”. IRECO.

2 Harlan Walker (1996). Cooks and Other People. p. 84.

3 Theophrastus (1916). Enquiry into Plants. Vol. 1. Translated by Sir Arthur Hort. London: William Heinemann. p. 317.

4 “History and Agriculture of the Pistachio Nut”. IRECO.

5 Pliny’s Natural History, xiii.10.5, xv.22.

6 رانية الجمل. منبته “موركي” وعنوانه “حلبي” الفستق الحلبي سيمفونية سورية تعزف حلاوة التصدير ومشاكله. هيئة تنمية وترويج الصادرات 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s