فرنسا, مجتمع, ألمانيا, بلجيكا, بريطانيا, تاريخ, خرائط, شخصيات عامّة

 في أنساب العائلات المالكة والملكيّة في أوروپا

قد تستغرب أنّ أغلب العائلات الملكيّة الأوروپيّة تبدو في الواقع كقبيلة واحدة تربطها جميعاً القرابة والأنساب، ويعزوا البعض هذا التناسب إلى نظريّات المؤامرة والخرافات والأساطير. لكن، وبعيداً عن نظريّة المؤامرة، هذا ما وجدته بالبحث والتحقيق وراء أصول هذه الحالة:

السبب الحقيقي لكثرة صلاة القربى بين العائلات الملكيّة الأوروپيّة هو قبيلة {الإيتِچونيّين} Etichonids ووراثتهم للخلافة الرومانيّة الغربيّة في القرن 13.

هذه العائلة: {الإيتِچونيّين} عُرفت في القرن 11 باسم آل {هابسبورگ} Habsburg، وعرفتها مصادر غيرها ومنذ القرن السابع باسم {أداليّين} و{الدالريّين} (Aldarich بالألمانية و Adalricus باللاتينية و Adalrik بالفرانكية وأدالقيّين في بعض المصادر العربيّة). وهذا الاسم نسبة عن مؤسّس السلالة الملكيّة من العائلة وهو {أداله} دوق الألزاس.

والاسم أداله أو أدالرك Aaldrik ليس اسمه الحقيقيّ بالمناسبة، إنّما هو صفة من الألمانيّة القديمة تعني: الحاكم العادل، من دمج كلمتين من الألمانية القديمة، هنّ:

  • أدال adal = نبيل، عدل، وهي كلمة منحولة عن الكلمة الأصل: عدالة (أدالّيه) adallīh العربيّة.
  • ريهي rihhi = حاكم، وهي كلمة ساميّة منحولة في اليديشيّة بصيغة: رَيخ. التي صارت في الألمانية الوسطى: ريخِى. ثم صارت في الألمانية المعاصرة: رايخ reich وباللّفظ المعاصر: غايچ.

الملك {أداله} كان دوق الألزاس. والألزاس كانت في الأساس منطقة ألمانيّة، إضافة إلى اللّورين؛ تصارعت عليها طويلاً ألمانيا وفرنسا، وهي اليوم فرنسيّة. وليس لهذا الملك نسب عربي، إنّما نال اللّقب بسبب استيراد كلمة عدل وتصريفاتها في الجرمانية القديمة، لأسباب دينية.

فسيفساء تصور الملك أداله موجودة في قبو في دير جبل القدّيسة أوديلى في الألزاس، فرنسا. واسمه مسجّل عليها بالألمانية القديمة Adalricvs DVX Alsatiæ
فسيفساء تصور الملك أداله موجودة في قبو في دير جبل القدّيسة أوديلى في الألزاس، فرنسا. واسمه مسجّل عليها بالألمانية القديمة Adalricvs DVX Alsatiæ

ولتمكين حكمه ونفوذه في القرن السابع، اعتمد أداله سياسة التشريد والتهجير، إذ كلّما قامت منطقة ضدّ سلطته حرّك عليها جيش كونفدرالية قبائل ألِيمانيا Alemanni، فيطردنهم عن أراضيهم إلى أراض غيرها، دون استعمال الباصات الخضراء، ويتحوّل المجتمع من مستقرّ إلى لاجئ، فينشغل بالاستقرار عن الاعتراض على سياسات {أداله}. ومن جهة ثانية، غيّر {أداله} قيادات الأديرة الدينيّة كلّها إلى أفراد من قبيلته، فصارت في يده كل القيادة الدينيّة، وإن رفض دير أوامر التغيير أحرقه ودمّره، أو طرد الناس من القرى من حوله بحجّه وجود متمرّدين، ما يجفّف موارد الدير ويضغط على قياداته.

ومنذ القرن السابع سعت هذه العائلة بمهارة لمصاهرة العائلات المالكة والملكيّة في أوروپا بتزويج بناتها من الأمراء وكبار الإقطاعيّين. ومع خلافتها على عرش الإمبراطورية الرومانية المقدّسة في القرن 13 صارت العائلات الملكيّة هي التي تسعى إلى مصاهرة هذه العائلة، وقد صار اسمها بيت هابسبورگ، لنيل الرضى الشعبي.

ابنة الملك المؤسّس {أداله}: {أوديله} Odile (واسمها تحوير كلمة عديلة) خدمت كأوّل رئيسة لدير {هوهنبورگ}. وهو الدير الذي أسّسه {أداله} ليكون مركز رئاسة دينيّة لكل الأديرة تحت سلطته. لاحقاً تحوّل هذا الدير إلى {بيت السيّدات النبيلات} وصار مركز تربية وتعليم كلّ البنات من أصول ملكيّة وألقاب نبيلة في كلّ أوروپا. فلا تخرج فتاة منهنّ إلى المجتمع دون إمضاء سنواتها الباكرة مقيمة في هذا الدير، الذي تغيّر اسمه لاحقاً إلى {دير جبل القدّيسة أوديله} Odilienberg (Allitona).

كان دير هوهنبورگ هو مصنع أميرات وملكات ممالك أوروپا المسيحيّة كلّها، وهو دير الإيتِچونيّين، المعروفين في التاريخ المعاصر باسم آل هابسبورگ. هؤلاء، وعبر شبكتهم النسائيّة القويّة والواسعة، امتلكن القدرة على منح صفات الشرف والعفّة في البيوت الملكيّة الأوروپيّة، كما امتلكن القدرة على وصم إحداهنّ بالعار إن هي خرجت عن طاعة خطّ أخوات هوهنبورگ. وبهذه القدرة تمكّنوا من الضغط على الأمراء والملوك والسياسيّين بواسطة استهداف سمعة زوجاتهم وبناتهم.

دول حكمتها أسرة الملكة ڤيكتوريا بشكل مباشر، أي من عائلات من أنسابها.
دول حكمتها أسرة الملكة ڤيكتوريا بشكل مباشر، أي من عائلات من أنسابها.

بسبب التشابكات الكثيرة ما بين أنساب العائلات الملكيّة الأوروپي، وبسبب تشابك أملاكهم كذلك والتعقيد في تقرير الميراث والتركات، سياسيّة كانت أو اقتصادية، احتاجت هذه العشائر؛ على الدوام، من يوثّق خطوط الأنساب ويفهرسها ويتعقّبها، وبالأخص، كي يساعد في النهاية على استنباط أحقيّة ميراث إمارة ما، بعد زوال الأسرة الحاكمة لها، لظروف حرب أو ثورة.

سنة 1785 أسّس الألماني {يوستوس پيرتيس} مؤسّسة Justus Perthes Geographische Anstalt Gotha وهي معهد جغرافي كان في مدينة گوتا الألمانية في تورينگين. ومن ذلك التاريخ سعى يوستوس لجمع أرشيف ضخم لكلّ العائلات المالكة والملكيّة في أوروپا، وجمع وثائقً بكمّيّات ضخمة حول الأملاك والأعطيات والألقاب الأميريّة والملكيّة، حتّى صارت مكتبة معهده بمنزلة الديوان والمرجع الأوّل لكلّ القضايا الملكيّة في أوروپا.

يوستوس پيرتيس Justus Perthes (بالألمانيّة القديمة: يوستُس پِرتِس) من مواليد سنة 1749، في مثل اليوم 10 أيلول سپتمبر. وهو ابن طبيب بلاط إمارة {شڤارتسبورگ رودشتاد}. وطبيب البلاط هو عضو موثوق به في الديوان الملكي ومسؤول عن الأدوية والعلاجات في المملكة. غالباً ما يحتلّ مكانة عالية في البلاط، كونه الشاهد الأوّل على الولادات والحمول والنكاحات، فشهادته لا تناقَش في مسائل الأنساب.

وإمارة {شڤارتسبورگ رودشتاد} هي في الواقع تفرّع لسلالة {شڤارتسبورگ} الملكيّة، واحدة من أقدم العشائر النبيلة في تورينگين الألمانية. أسّسها في القرن 12 أمير اسمه {زيتسو الأوّل} Sizzo I of Schwarzburg وانتقلت رئاسة أملاكها سنة 1971 إلى الأميرة {ماري أنطوانيت} Marie Antoinette Prinzessin zu Schwarzburg التي توفّيت في كلينگين Klingen سنة 1984 فانتقلت رئاسة الأملاك من بعدها إلى الكونتيسّة ابنتها التي انتقلت للحياة في هولاندا، وانقطعت هكذا الوراثة في ذكور العائلة. لكن، هذه العائلة لم تزل إلى اليوم من أثرياء ألمانيا وأوروپا.

بكلّ حال، سنة 1944 دمّر السوڤييت؛ وبعمليّة خاصّة، دار پيرتوس في گوتا وكامل أرشيفها الضخم، واستهدف السوڤييت الروس من هذه العملية تدمير وثائق العائلات المالكة في أوروپا، وجميع الوثائق الملكيّة وأنسابها وعلاقاتها الاقتصاديّة وارتباطاتها حول العالم.

سنة 1998 أعيد تأسيس دار پيرتوس گوتا بقسمين، هم:

  • شركة Justus Perthes Verlag Gotha GmbH في گوتا، ألمانيا.
  • شركة Almanach de Gotha, Ltd في لندن، بريطانيا.

وعلى الرغم من ضياع الديوان الأصلي بكلّ وثائقه، غير أنّ البيوت الثريّة في أوروپا لم تزل تحتفظ بنسخ من وثائقها وخرائط أملاكها القديمة، وهذا ما تقوم الشركات الجديدة بتوثيقه والتحقّق منه، من طريق ورثة تركة يوستوس پيرتيس الأوّل في لندن وگوتا.

أمير {زاكسه گيسافه} أليكزاندر سنة 2014 يقف قبالة لوحة لجدّه الملك الزاكسوني أوگوستوس القوي. وهو من سلالة قبيلة ڤيتّين.
أمير {زاكسه گيسافه} أليكزاندر سنة 2014 يقف قبالة لوحة لجدّه الملك الزاكسوني أوگوستوس القوي. وهو من سلالة قبيلة ڤيتّين.

العائلة المالكة في بريطانيا هي اليوم الوريث الأبرز ضمن شبكة {الإيتِچونيّين} وسلالتهم العشائرية، التي لم تزل حيّة إلى اليوم وباستمرار من القرن السابع. والعائلة المالكة البريطانيّة {آل ويندزى} هم في الأصل قبيلة {گوتا وزاكسه كوبورگ} أحد أفرع قبيلة {ڤيتّين}.

حكمت قبيلة {گوتا وزاكسه كوبورگ} Haus Sachsen-Coburg und Gotha في بريطانيا وبلجيكا والپرتغال وبلغاريا والبرازيل والمكسيك. وكان قد غيّر فرع القبيلة البريطانية اسمه إلى بيت {ويندزى} Windsor سنة 1917 حين خجل الملك جورج الخامس بأصوله الألمانيّة أمام الشعب البريطاني، عقب الحرب العالمية الأولى.

قبيلة {ڤيتّين} Haus Wettin واحدة من أقدم العائلات الملكيّة في أوروپا، وهي من الزاكسون. تأسّست في القرن 11 وكانت لا تعترف بسوى نسب الإناث الأمومي فيها. لكن، خطّ العائلة الذي امتلك دوقيّة {إرنيستين} Ernestinische Herzogtümer (الألبيرتيّين) ألغى التمسّك بالنسب الأمومي وتحوّل إلى التمسّك بالنسب الأبوي، وهو ما أنتج الفرع، قبيلة {گوتا وزاكسه كوبورگ}، التي انحدرت منها الملكة إليزابيث الثانية، آل ويندزى.

خط قبيلة {ڤيتّين} الأمومي لم يزل مستمرّاً إلى اليوم في العائلة المالكة البلجيكيّة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s