معالم, أوزبكستان, بخاريّون, تاريخ, دمشق, سوريا

آثار تاريخيّة بناها البخاريّة الأوزبك في دمشق

قبل أن تمنحنا الدولة العثمانية لقب {البخاري} مطلع القرن العشرين، كان البخاريّة الأوزبك في دمشق يحملون لقب {النقشبنديّين} أو بأغلبهم {المراديّين} نسبة إلى الشيخ {مراد بن علي بن داوود بن كمال الدين بن صالح بن محمد البخاري النقشبندي}. وكانت الحكومة العثمانية في القرنين 17-18 قد أولت المراديّين دار الإفتاء الإسلامية في دمشق. فصاروا يتبادلون منصب مفتي الشام بين أهل البيت الواحد. ومنحتهم كذلك إفتاء القدس فأسّسوا فيها سنة 1731 الزاوية النقشبندية، المعروفة اليوم باسم الزاوية البخارية.

الطريقة النقشبندية هي واحدة من أكبر الطرق الصوفية والتي تنتسب إلى محمد بهاء الدين نقشبند واشتقّ اسمها من اسمه، ومن ثم عرفت به وهو {محمد بهاء الدين النقشبندي الحسيني الأويسي البخاري} المعروف بشاه نقشبند. وُلد في مدينة بخارى سنة 1318م، وتوفّى فيها سنة 1389م.

ويعدّ أوّل من أسّس الصوفية اليسوية هو أحمد يسوي المتوفى عام 1167م ونهج نهجاً صوفياً ذاع بين الأتراك غير المسلمين أو المتحولين إلى الإسلام حديثاً. وكان لطريقته الصوفيّة مكانة في نفوس الأمة التركية في الفترة المبكرة من دخولهم في دين الإسلام. ومن الكتّاب من يقر بفضل الترك في ذيوع الطريقة اليسوية في البلاد. لأنّ أحمد يسوي سعى سعيه لنشر الإسلام عن طريق الترويج لتعاليم طريقته الصوفية. أثرت اليسوية تأثيراً عميقاً في النقشبندية، التي ازدهرت أولاً في تركستان، ثم الأناضول، ثمّ الشام.

بكلّ حال، سنة 1696م أسّس الشيخ مراد البخاري في دمشق {التكيّة المراديّة}، وجعلها في أرقى أحياء المدينة آنذاك، حيث يقيم أغلب السياسيين ورجال الدولة، حي ساروجة. وبفضلها كثرت هجرة البخاريّين إلى دمشق وقد صارت لهم فيها تكيّة. وكانوا إمّا يقرّرون الاستقرار في المدينة في طريق عودتهم من الحج إلى مكّة، أو يفدون أساساً لطلب العلم في مدارس دمشق، ثمّ يجدون الوظائف فيها ويفضّلون الاستقرار… كما يفعل أبناء العرب اليوم حيث يخرجون للدراسة في عواصم أوروپيّة ثمّ يستقرّون فيها.

في اليوم الثاني من أيلول سبتمبر 1920 أطبق الروس احتلالهم على كامل أراضي إمارة بخارا وشّردوا الكثيرين من سكّانها، ومن بينهم كانت شخصيّات هامّة وضبّاطاً وعسكريّين من جيش إمارة بخارا من بينهم جدّي {عبد الستار بن عبد القادر} ابن آخر بايات كاسان ووالد أ.د. محمّد البخاري، وتّجاراً وحرفيّون آثروا أن يجدوا الملاذ في دمشق، وأسّس بعضهم حيّ البخاريّة ضمن بساتين الميدان الذي لم تعد له أية آثار اليوم وكان لم يزل يذكره أ.د. محمد البخاري. ومنهم من سكن أحياء دمشق مثل أحياء: الأزبكية (الأوزبكية)، والمهاجرين، والنبعة على سفح جبل قاسيون، والصالحية، وسوق ساروجة، والميدان، والقدم وغيرها من الأحياء الدمشقيّة. ومنهم من سكن التكيّة المراديّة في حارة الورد.

وكان أميرنا حاكم خانيّة قوقند {خودايار خان} وآخر أمراء بخارا، قد نزح هو الآخر إلى دمشق ونزل في التكية المرادية حتّى آخر أيّام حياته، ولم تزل أسرته تقيم في دمشق إلى اليوم. ونزل جدّي مع خادمه إسكندر إلى دمشق في صحبة الأمير خودايار خان ولحمايته. ثمّ تفرّق أولاده في بلاد الدنيا، ومنهم أبي محمّد الذي اختار العودة إلى أوزبكستان سنة 1977. ومع توافد البخاريّين الأوزبك إلى دمشق وقد كانوا دعاة لنشر العلم والتعليم فقد أسّسوا المدارس لاستقبال أبناء قومهم الوافدين إلى شام شريف لتلقّي العلم ولأبناء دمشق على حد سواء، وكان آخرها المدرسة التي أغلقت أبوابها خلال خمسينيّات القرن العشرين، بعد أن خرّجت شخصيّات لامعة في التاريخ السوري الحديث، وتمّ هدمها فيما بعد ليبني مكانها مسجد الأفرم المعروف اليوم في منطقة شورى بدمشق.

وكان ممّن وفدوا على دمشق من رجال دولة إمارة بخارا الشيخ {موسى خوجه} آخر مسؤولي صك النقود وبيت مال أمير بخارا. الذي أسّس في دمشق جمعية خيريّة بخاريّة، خدمها {المجاورون} وقاموا على خدمة اللاجئين البخاريّة التركستانيّين في دمشق، وكانت مكاناً ثابر اللاجئون من إمارة بخارا على الالتقاء فيه حتى وفاة آخرهم في ستينيّات القرن العشرين.

هذه التدوينة جزء من مقال كنت أنجزته سنة 2010، قبل النزوح عن دمشق وكان والدي لم يزل حيّاً في طشقند.


بضعة آلاف من المواطنين السوريين البخارية (الأوزبك)، يعيشون اليوم في سوريا. وهم من أبناء وأحفاد أولئك الذين قدموا إلى سوريا في مراحل متعدّدة، منهم من جاءها طلباً للعلم في شام شريف المقدّسة لديهم واستقرّوا فيها، ومنهم من أسّس المدارس لاستقبال أبناء قومه الوافدين إلى شام شريف لتلقّي العلم ولأبناء دمشق على حد سواء، وكان آخرها المدرسة التي أغلقت أبوابها خلال خمسينات القرن العشرين، بعد أن خرّجت شخصيّات لامعة في التاريخ السوري الحديث، وتمّ هدمها فيما بعد ليبني مكانها مسجد الأفرم المعروف اليوم في منطقة شورى بدمشق، ومنهم من جاءها لخدمة حجاج بيت الله الحرام وأقام المساجد والتكايا التي لا يزال بعضها قائماً حتى اليوم.

عند الحديث عن الآثار المعمارية التي تركها البخاريّين الأوزبك الأوائل في دمشق لابد أن نذكر أنّهم كانوا دعاة لنشر العلم والتعليم، وتشير المراجع التاريخيّة إلى تواجد الأوزبك في دمشق منذ القرن السابع عشر الميلادي. ومن بين تلك المراجع بحث المساجد العثمانيّة في دمشق الذي أعدّه الباحث عماد الأرمشي المتخصّص بالدراسات التاريخيّة العربيّة والإسلاميّة، وتناول فيه الجامع المرادي الذي شيّده عام  1696م، {مراد بن علي بن داوود بن كمال الدين بن صالح بن محمد البخاري النقشبندي} المتوفى عام  1719م.

منظر عام لدمشق من عهد الاحتلال الفرنسي، يظهر فيه الجامع المرادي
منظر عام لدمشق من عهد الاحتلال الفرنسي، يظهر فيه الجامع المرادي

الجامع المرادي في حارة الورد

مقام المرادي في دمشق
مقام المرادي في دمشق

يقع الجامع المرادي، وهو وقف إسلامي اشتهر بـ{التكيّة المرادية}، وبـ{جامع النقشبندي} عام 1899م، خارج أسوار مدينة دمشق القديمة في حارة الورد من حيّ سوق ساروجا، وهو صغير الحجم ولم يزل قائماً وعليه لوحة رخامية معلّقة على جداره كتب عليها: {مسجد المرادي، بناه محمد مراد المرادي سنة 1108 هجرية}. وجعله تكيّة ومدرسة، وكان له باب كبير، سُـدّ اليوم ولا تزال آثاره موجودة، والباب الذي يدخل منه اليوم الى الجامع هو باب صغير والى جانبه منارة مستديرة مبنية من الحجارة السوداء والبيضاء، وكتب على قاعدتها المربعة سنة  1765م النص التالي (راجع ذيل ثمار المقاصد ص 251.):

منارة للهدى شيدت بحق بأعلى رأسها الله يذكر
بسم الله أبدأ في بناها وحمديا علي لمن تشكر
وسهم للقضا اضمرت فيها بتاريخ لمن بالسوء أبصر
اجيبوا داعياً لله نادى ونادى للصلاة الله أكبر
بنى هدا الجامع سنة 1108 مراد بن علي بن داوود بن كمال الدين بن صالح بن محمد البخاري النقشبندي المتوفى سنة 1132 للهجرية.

وتتألّف المدرسة من صحن ومصلّى ومدفن. والصحن مفروش بالموزاييك، وعلى أطرافه الشماليّة والغربيّة سبع غرف لـ{المجاورين} (أي العابدين المنقطعين للعبادة فقط) بنيت من الحجارة السوداء. وسكن هذه الغرف فيما بعد لاجئون من إمارة بخارا منذ مطلع عشرينيات القرن العشرين، وكانت مقرّاً للجمعيّة الخيريّة البخاريّة بدمشق، التي رأسها الشيخ {موسى خوجه} آخر مسؤولي صك النقود وبيت مال أمير بخارا، وكانت مكاناً ثابر اللاجئون من إمارة بخارا على الالتقاء فيه حتى وفاة آخرهم في ستينات القرن العشرين. ولم يزل يتذكر أ.د. محمد البخاري تلك اللقاءات التي شارك فيها في صباه. يقدّم مع أقرانه الرز البخاري والشاي للكبار خلال جلساتهم في بهو المدرسة التي توقفت عن العمل بسبب إقامة اللاجئين البخارية فيها. 

وإلى الجنوب من المدرسة هناك ثلاث قناطر، ومن ورائها المصلى وهو مؤلف من غرفة واسعة لها قوس عظيم، ومن فوق القوس سقف عادي، والمحراب والمنبر عاديّان، والى يمين المحراب قبّة فخمة بحيطان مزخرفة تحتها قبران كبيران يُعتقد أنهما لمراد البخاري وشقيقه، وعلى أحدهما لوحة خطّت عليها سنة  1747م الأبيات التالية:

ضريح مولى منيب لله في كل مشهد
قطب الزمان وغوث للكل في كل مقصد
النقشبندي من قد نال المقام المؤصلا
تاريخه جاء بيتاُ مسدد السبك مفرد

وأشار المؤرّخ الدكتور {أكرم العلبي} في كتابه {خطط دمشق}: أنّ الجامع جزء من المدرسة المراديّة البرّانيّة التي أنشأها الشيخ {مراد بن علي البخاري النقشبندي} في نفس تاريخ بناء الجامع. وذكر العلّامة الكبير الشيخ {محمد أحمد دهمان} أنّ مئذنة الجامع القديمة سقطت أثر زلزال دمشق الشهير سنة 1759م أيام سلطنة السلطان العثماني {عبد الحميد الأول}، وأعيد بنائها من جديد. 

وأكّد ذلك الدكتور {قتيبة الشهابي} في سياق حديثه عن المساجد العثمانية وذكر أن مئذنة جامع المرادي هي من المآذن المشيّدة في العهد العثماني على الطراز الشامي بتأثير مملوكي أرقش (الأرقش: أي المنقّط بسواد وبياض وهو غير الأبلق. ورَقَشَ الشيء رقشاً أي نقشه. والرقش والرقشة أي لون فيه كدرة بياض وسواد)، جذعها مثمّن الأضلاع كثيف الرقش بالأشرطة البسيطة والأشكال الهندسية الحجرية بلون أسود كالمثلّثات والمسدّسات وأشباه المنحرف والنجوم ثمانيّة الرؤوس، ويحمل هذا الجذع شرفة مثمّنة، وينتهي رأس المئذنة بذروة صنوبريّة الشكل. وتمّ بناء المئذنة من الطراز الشامي بتأثير مملوكي أرقش غير أنّ عناصرها الزخرفيّة أضعف من عناصر مثيلاتها من نفس الطراز مثل جامع العجلوني وجامع القاري في دمشق.

الجامع المرادي في حارة الورد في دمشق
الجامع المرادي في حارة الورد في دمشق

جامع المراديّة في باب البريد

ويذكر {عماد الأرمشي} أنّ جامع المراديّة القديم المندثر في باب البريد بمحلّة العصرونيّة في دمشق بناه {مراد بن علي بن داوود بن كمال الدين بن صالح بن محمد البخاري النقشبندي} أيضاً، المتوفى سنة 1719م، وقال شيخنا {عبد القادر بن بدران} في كتابه {منادمة الأطلال} أنّ مدرسة المراديّة بباب البريد مشهورة ومعروفة وهي ذات مدرستين صغرى وكبرى، والثانية ذات حجرات سُفلى وعليا، كانت محطّ الرجال الأفاضل معمورة بالعلماء، وكان بها مكتبة عظيمة حتّى كان يقال عنها أنّها أزهر دمشق. ثمّ إن نظّارها باعوا جانباً منها ومن أوقافها، وقطعوا راتب الطلبة، وأمست في عصرنا (1921م) كأمثالها خالية من دراسة العلم. ويضيف {د. أسعد طلس} من بعده قوله: لم يبق اليوم منها (1942م) إلا بابها المتين، وما عدا ذلك فمتهدم وغلب على أمره.

ويتابع الباحث {عماد الأرمشي} أنّي من ضمن أبحاثي عن مساجد دمشق قمت بدراسة تاريخيّة مفصّلة مخصّصة لمنتدى ياسمين الشام وبحثت عن جامع المراديّة القديم في باب البريد بمحلّة العصرونيّة المتاخمة للسوق الحميدية ولم أجده، ولعلّ باحث أخر يبلغنا مكانه. رحم الله الحاج الشيخ {مراد بن علي بن داوود بن كمال الدين بن صالح بن محمد البخاري النقشبندي} الذي انشأ هذين الجامعين سنة  1696م طيب الله ثراه. 

ولقد وجدت في أثناء بحثي عن {مراد بن علي البخاري} كتاب اسمه {سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر} لـ{أبي الفضل محمد خليل بن علي المرادي} مؤلّف هذا الكتاب، وهو {أبو المودّة المولى محمد خليل بن السيد علي بن السيد محمد بن السيد محمد مراد بن علي المرادي الحسيني الحنفي}، بخاري الأصل، دمشقي المولد.

وولد بدمشق، ونشأ في كنف والده، وقرأ القرآن على الشيخ {سليمان الدبركي المصري}، وأخذ العلم عن فضلاء عصره، وطالع في العلوم والأدبيّات واللّغة التركيّة والإنشاء والتوقيع. ولما عُزل ابن عمه السيد {عبد الله بن السيد طاهر المرادي} عن إفتاء دمشق، وُجِّه إليه هذا المنصب ونقابة الأشراف في اليوم السابع من شهر شعبان سنة 1192هـ (1778م)، وكان إذ ذاك في الآستانة (القسطنطينية)، فرحل عنها إلى دمشق حيث قام بمهام الفتوى، وبقي فيها إلى سنة  1790م حيث انتقل إلى حلب الشهباء وهناك كانت وفاته رحمه الله في صفر سنة 1206هـ (1791م)، وهو في شرخ شبابه.

وكتاب {سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر} هو مرجع هام في تراجم أعيان وعلماء القرن الثاني عشر الهجري (يطابق ما بين السنوات من 1688 إلى 1784 للميلاد) لما حواه من تراجم ناهزت الـ 750 ترجمة. ويقع الكتاب في أربع أجزاء طبعت أجزاؤه الثلاثة الأولى في القسطنطينية عام  1874م ثم طبع الجزء الرابع في القاهرة عام  1883م. ومن هذه الطبعة أعيد تصويره مرّتين الأولى في بغداد والثانية في بيروت. والكتاب نادر الوجود، ويحتاج إلى تصحيح وتحقيق لتعم الفائدة منه، ولا غنى لدارس التاريخ العثماني في القرن الثاني عشر الهجري في البلاد العربية ، وخصوصاً بلاد الشام، عن هذا الكتاب.

جامع ومدرسة الأفرم

جامع الأفرم في دمشق
جامع الأفرم في دمشق

ومن الأبحاث التي أعدّها الباحث {عماد الأرمشي} المتخصّص بالدراسات التاريخيّة العربيّة والإسلاميّة عن المساجد المملوكيّة في دمشق بحثاً تناول فيه {جامع الأفرم} وذكر فيه أن جامع الأفرم يقع خارج أسوار مدينة دمشق القديمة غربي الصالحيّة بحيّ المهاجرين منطقة الأفرم عند التقاء جادّة الأفرم نفسها بجادّة الحواكير. وقد شَـَّيد هذا الجامع المبارك نائب السلطنة المملوكية في الشام الأمير {جمال الدين آقوش الدواداري المنصوري الأفرم} عام 1306م. وأكّد المؤرّخ الدمشقي الكبير {الحافظ بن كثير}: أنّه في مستهل ذي القعدة من سنة ست وسبعمائة اكتمل بناء الجامع الأفرم الذي أنشأه الأمير {جمال الدين} نائب السلطنة عند الرباط الناصري بالصالحية وقد رتب فيه خطيباً يخطب يوم الجمعة وهو القاضي {شمس الدين محمد بن أبي العز الحنفي} وحضر نائب السلطنة والقضاة ومدّ الصاحب {شهاب الدين} سماطاً بعد الصلاة.

وذكر المؤرّخ {أحمد بن طولون الصالحي} المسجد في {القلائد الجوهرية} واصفاً مئذنة الجامع بأنّ غالبها من الآجر، ومن طبقة واحدة. وذكر الباحث {عماد الأرمشي} أنّه من ضمن أبحاثه عن مساجد دمشق، هناك دراسة تاريخية مفصلة منشورة بمنتدى المنعكس الثقافي، وأنّ وصف ابن كثير وابن طولون للمسجد أو المئذنة لم يعطيا هذا البناء الجميل حقّه من الوصف، وكل ما علمناه وفهمناه أنهما كانا من الحجارة والآجر وربما كانا من الخشب أو اللّبن، ولا نملك أية معلومات إضافية لإلقاء الضوء على شكل البناء وهندسة بنائه وكمال منظره. 

وأثناء بحثه عن المئذنة وجد ما أورده فضيلة الأستاذ {محمد أحمد دهمان} في كتابه {رحاب دمشق} أنّ المئذنة تضرّرت أثر زلزال دمشق الشهير سنة 1759م أيام السلطان العثماني {عبد الحميد الأول}، ومن ثمّ رُمّمت. ثم هُدم الجامع كلّياً أيام الوالي العثماني المصلح {مدحت باشا} عام 1878م، واستعملت حجارته لرصف الشوارع، وكانت الأبنية المحيطة به أصلاً مهدّمة منذ غزو تيمورلنگ لدمشق سنة 1401م، ولم يقم أحد بإعادة بنائها لبعدها عن دمشق وعن قرية الصالحية نفسها. واستمرّ حال الجامع والمئذنة مخرّبين حتى عام 1909م، حين أعيد إعماره من جديد. وما لبث أن هُدم الجامع، وأعيد بناءه مرة ثالثة عام 1955م. 

وذكر المستشرقان الألمانيّان {كارل ڤولتسينگير} Karl Wulzinger، و{كارل ڤَتسينگير} Carl Watzinger في كتابهما {الآثار الإسلامية في مدينه دمشق} الصفحة رقم 241 والصفحة رقم 248، أنّ بناء جامع الأفرم يقع في زقاق الزيتون، وهو مسجد حديث يحتفظ جزء منه بحجارة المسجد القديم، ولا يزال مستعملاً، ولكنّنا لم نتفقّده. ولا بد أنّه كان عامراً في هذه المنطقة ويعود الى سنة  1306م.

وذكره المستشرق النمساوي ألفريد فون كريمر Alfred von Kremer في الصفحة 25 من كتابه {طوبوغرافية دمشق}. وكريمر هو مستشرق ودبلوماسي ورجل دولة نمساوي قام برحلة إلى سوريا دامت عامين بين 1849 ـ 1851م وكان من ثمار رحلته هذه كتابه {طوبوغرافية دمشق} لمصلحة الحكومة النمساوية. وهذا الكتاب يعدّ بالنسبة لموضوعنا مصدراً لا يستهان به، استفاد منه الباحثان الألمانيان ڤولتسينگير وڤَتسينگير وأحالا إليه مراراً في كتابهما كتاب {الآثار الإسلامية في مدينه دمشق}.

ونوه الدكتور {أسعد طلس} عندما أحصى مساجد دمشق ضمن تحقيقه {لثمار المقاصد في ذكر المساجد} أنّ هذا المسجد قد تهدّم ولم يبق من بنائه شيء إلا الحجارة التي بني بها مجدداً سنة 1909م بعناية أحد وجهاء مهاجري بخارا المرحوم {داوود بن عبد الجبار} حفيد الشيخ {أحمد اليسوي بن مولانا شمس الدين ازكندي}، وأحفاده لا يزالون مقيمين في دمشق حتى هذا اليوم.

وللمسجد صحن مفروش بالتراب وفي جنوبه المصلّى المكتوب على بابه بالبخاريّة: {بو جامع شريف بخارا اشرافندن شيخ احمد يسوي سليمان ولي مولانا شمس الدين از كندي سلاسندن علما ومشايخ ندن داود بن الشيخ عبد الجبار طرفندن بنا وتأسيس اولنمشدي سنة 1328 تاريخندن} والمصلّى مؤلّف من غرفة فيها قاعدتان حجريّتان من فوقهما سقف خشبي، وفيها محراب من الجبس وثماني نوافذ صغيرة، وفي كل جهة من الجهات الأربعة شباكان آخران، وإلى جانب المصلّى الأيمن حديقة صغيرة فيها قبر مجدّد المسجد المتوفى سنة  1916م، وللمسجد منارة حجريّة حسنة أنشأها الشيخ داوود المذكور بمعاونة السيد {رضا أفندي القوّتلي}، وفي الصحن ثلاث غرف اتّخذها أولاد المجدّد بيتاً لسكنهم ومدرسة يعلّمون فيها الأطفال والأيتام.

والجدير بالذكر أنّ البيت كان لم يزل قائماً والمدرسة ظلّت مستمرة في نشاطاتها حتى أواسط خمسينات القرن العشرين وخرّجت مجموعة من الأعلام الدمشقيّين من بينهم وزير الاقتصاد السوري السابق {محمّد العمادي}، وأغلقت عندما وضعت وزارة الأوقاف يدها عليها كونها من الأوقاف الإسلامية. وتمّ هدم البيت والمدرسة والمسجد بالكامل وأعيد بناء المسجد من جديد على شكله الحالي القائم اليوم (حوار أجراه في طشقند أ.د. محمد البخاري مع علاء الدين البخاري حفيد داوود بن عبد الجبار رحمه الله، والمقيم بمدينة دمشق في أثناء زيارته لأوزبكستان عام 1986م بدعوة من جمعية وطن للعلاقات الثقافية بالأوزبك المقيمين في الدول الأجنبيّة).

وتابع الباحث عماد الأرمشي أنّه ضمن أبحاثه عن مساجد دمشق هناك دراسة تاريخيّة مفصّلة نشرت بمنتدى المنعكس الثقافي ذكر فيها: أنّه في كلّ مرّة كان يتم إعادة إعمار أي أثر تاريخي، أو مدرسة أو مسجد أو جامع، كان لا يمكن إعادة الأثر إلى ما كان عليه في الماضي، فما بالكم إذا أعيد إعمار هذا الجامع ثلاث مرات وبفترات زمنية متباعدة وبعيده جداً عن جذوره المملوكيّة التي ضاعت مع أعماق الزمن، وضاعت معها معالم جامع الأفرم القديم. وعند زيارتي الميدانية للجامع سنة 2007 وسنة 2010 لم أشتم رائحة الأفرم، ولا رائحة العصر المملوكي للجامع، ولا حتى العثماني، بل وجدت مسجداً مستجدّاً مستحدث بواجهة حجريّة عريضة صمّاء خالية من كافة العناصر الجمالية والتزينيّة يتخلّلها نافذتان عريضتان على حرم الصلاة، ومن فوقهما نافذتان صغيرتان تتوسّطهما نافذة جميلة نوعا ما محمولة على عمودين، وتّم زخرفة النافذة بزخرفة حجرية أنيقة ويعلو النوافذ طنف كامل من المقرنصات، وفي منتصف الواجهة لوحة حجرية كتب عليها بخط نسخي جميل: جامع الأفرم.

وعلى بوّابة المسجد ظهرت بعض التزيينات الطفيفة ولكنها ليست بالقدر الكافي كما هي الحال في المساجد التي بنيت بنفس الحقبة التاريخية. والمئذنة مجدّدة بالكامل وأخذت شكل المآذن ذات الطراز الشامي بتأثير مملوكي غني بالزخارف، جذعها مثمّن الأضلاع بطبقة واحدة، أحاديّة الشرفة، ومزخرفة بالمقرنصات الجميلة، وأسفل الشرفة أشرطة تزيينيّة رومانية، وهي مثمنة الأضلاع يحيط بها درابزين حجري مفرّغ بالرسوم الهندسيّة، وتنتهي المئذنة بجذع ومنه إلى ذروة بصليّة متوّجة بتفاحتين وهلال مغلق وكأنّها بنيت عام 1990م. وحرم الصلاة، حرم عادي لا يوجد فيه أي أثر مملوكي، ومحرابه ومنبره كبقيّة المساجد الحديثة العهد المبنية في منتصف القرن العشرين.

وجرى توثيق الجامع بالنص والصورة والخارطة عام 2006 ضمن المباني الأثرية العالميّة في مدينة دمشق تحت اسم جامع الأفرم برقم 221 في مجلّد {كتاب العمارة والمجتمع العثماني في مدينة دمشق بالقرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين} للباحثين الألمانيين ويبر، وستيفان، وتحقيق البروفسور الدكتور جودرن كريمر، والبروفسور الدكتور دورثي ساسك. والموثق هذا موجود في جامعة برلين بألمانيا. واختتم عماد الأرمشي بقوله: جامع الأفرم مازال قائما حتى يومنا هذا في حي المهاجرين وهو الذي شيده نائب السلطنة المملوكية في الشام الأمير Vجمال الدين آقوش الدواداري المنصوري الأفرم}. واختتم دراسته بقوله: أنّ جامع الأفرم كان من أعظم جوامع دمشق، وكيف ندرسه ولم يبق منه إلا حجراً واحداً؟

ولم يزل يذكر أ.د. محمد البخاري الجامع والمدرسة التي كان يزورهما مع أبيه في خمسينات القرن الماضي والطريق التي كانا يتبعانها سيراً على الأقدام من حي المحكمة في الصالحية إلى حارة قنارة ومن ثم إلى حارة بير التوته وحارة الأولياء وحارة الحواكير حيث كان يصنع الحرفيّون المهرة فيها الأدوات الفخّاريّة المتنوّعة من صحون وأباريق ومشربيات وغيرها، ومنها إلى طلعة شورى ومن ثم السير في ممر غير عريض ممتد بين منزل الشخصية السياسية المعروفة فارس الخوري ونهر كانت مياهه وفيرة في تلك الأيام حتى الوصول في النهاية إلى مدخل الجامع والمدرسة الواقعان بين الأشجار الباسقة قبل إنشاء الجامع الحديث وحديقة المالكي والبنايات الحديثة بالقرب منهما في نهاية خمسينات القرن الماضي. وفي واحدة من تلك الزيارات أذهله أنّ الرجال اجتمعوا لذبح حصان كبير توازعت الأسر البخارية الدمشقيّة لحمه بعد ذبحه وتقطيعه، وطبخوا من لحمه في ذلك اليوم الرزّ البخاري وأنواع اللّحم المسلوق والمشوي. وكانت المرّة الأولى في حياته التي تذوّق فيها لحم الحصان. ويتذكّر زيارات التجّار البخاريّة المقيمين في لبنان والأردن والعراق والسعودية لدمشق بقصد زيارة أقاربهم والراحة والتسوق والعودة إلى أماكن إقامتهم محملين بالبضائع الدمشقية.

وفي هذا المختصر نكون قد استعرضنا جانباً من حياة وآثار الأوزبك في سورية وقدمنا بواسطتها خدمة للباحثين في هذا المجال الإنساني، وسلطنا الضوء على صفحات من العلاقات التي ربطت الشعبين الأوزبكي والسوري منذ قرون عديدة. وأنّ الأوزبك أنشؤوا في دمشق الأحياء الخاصّة بهم والعديد من دور العبادة والمدارس، وأنهم مارسوا كل المهن المعروفة آنذاك وكان من بينهم شخصيّات اجتماعيّة وسياسيّة بارزة تركت آثاراً واضحة في التاريخ السوري المعاصر.

يبقى أن أذكر أخيراً أن روسيا قسّمت تركستان بعد احتلالها إلى خمس جمهوريات استقلّت بعد انهيار الإتحاد السوڤييتي السابق وهي: أوزبكستان، وقازاقستان، وتركمانستان، وقيرغيزستان، وطاجكستان. وكان آخر المنتمين بأصولهم إلى أوزبكستان المعاصرة، وقصدوا دمشق هرباً من سلسلة الاجتياحات الروسيّة لتركستان، حاكم خانية قوقند {خودايار خان} وأسرته ولم يزل أحفاده يعيشون في دمشق حتى اليوم. وكان آخر من قصد دمشق، أبناء إمارة بخارى بعد أن احتلّها الروس بتاريخ 2/9/1920 وشّردوا الكثيرين من سكّانها، ومن بينهم كانت شخصيّات هامّة وضبّاطاً وعسكريّين من جيش إمارة بخارا من بينهم جدّي {عبد الستار بن عبد القادر} والد أ.د. محمد البخاري، وتّجاراً وحرفيّون آثروا أن يجدوا الملاذ فيها.

وأسّس بعضهم حيّ البخاريّة ضمن بساتين الميدان الذي لم تعد له أية آثار اليوم وكان لم يزل يذكره والدي. ومنهم من سكن أحياء دمشق مثل أحياء: الأزبكية (الأوزبكية)، والمهاجرين، والنبعة على سفح جبل قاسيون، والصالحية، وسوق ساروجة، والميدان، والقدم وغيرها من الأحياء الدمشقيّة. ومنهم من سكن التكيّة المراديّة في حارة الورد حتّى آخر أيّام حياته (حوار أجراه أ.د. محمد البخاري في طشقند مع {فاطمة بنت خودايار خان} المقيمة في دمشق مع أولادها وأحفادها، في أثناء زيارتها لأوزبكستان عام 1980 بدعوة من جمعية وطن للعلاقات الثقافية بالأوزبك المقيمين في الدول الأجنبية.). وكان للبخارية الذين استقروا في دمشق محلّاتهم التجاريّة، وورشاتهم الحرفية في المهاجرين، والصالحية، وسوق ساروجة، والميدان، وجانب محطة الحجاز.

4 رأي حول “آثار تاريخيّة بناها البخاريّة الأوزبك في دمشق”

  1. المقال رائع و قد جعلني اتشوق لزيارة دمشق لرؤية الاثر الذي كتبت عنه.

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s