لغة, إتيمولوجي, البلاد العربية, خرائط

في جدليّة العرب عاربة ومستعربة والخرافات فيها

في القرن الثامن، أي قبل 1300 سنة، وبنتيجة أحداث الفتنة الثانية، اخترع النسّابة العرب قضيّة  العرب العاربة والمستعربة لإهانة القبائل التي لم توافق على نظام الحكم. ثمّ جاء الرد بعد مئة سنة وقد تغيّر نظام الحكم بنتيجة الفتنة الثالثة، بقلب كل الدعاوى التي ادّعاها النسّابة فاتهموا العرب العاربة بأنّها مستعربة وقالوا أنّ من ادُّعي أنّهم مستعربين هم العرب العاربة. وقاعدة هذه الخلافات بدأت في دمشق أو ادُّعي حدوثها فيها. فيما كان يروى عن ملاسنات بين الأمراء الأمويّين والعامّة.

وكانت من نتيجة هذه الأحداث قيام مدرسة نحويي البصرة بإخراج الحِميرية والألسن اليمانية وغيرها من اللّغة العربية واعتبارها لغات غير عربية، وتحوّلت لهجات عربيّة قديمة فجأة إلى لغات عجميّة، وحدث هذا في مطلع الحكم العبّاسي لا قبله… الموضوع كلّه من أوّله خرافة لأغراض سياسيّة، ولا يؤخذ بها، ولن نخرج من الخرافة إلى نطاق العقل إلا برمي كل ما يتعلّق بخرافة العرب العاربة والمستعربة. والإرتكان إلى الآثار والمكتشفات الأثرية ودراستها.

المخطّط الزمني للفتن في الدولة الإسلامية
المخطّط الزمني للفتن في الدولة الإسلامية، راجع النسخة التفاعلية من هنا

سنة 744 خُلع الخليفة الأموي {الوليد الثاني} (الوليد بن يزيد) وكان هذا الأمير ملحداً غير مسلم، حتّى من قبل أن يرث العرش. فثارت عليه الناس، وقادهم ابن عمّه {يزيد الثالث} (يزيد بن الوليد بن عبد الملك) فاجتمع إليه الضبّاط اليمانية من أساسات الدولة المروانيّة. {الوليد الثاني} كان كأبيه {يزيد بن عبد الملك} منحازاً إلى المضريّين القيسيّة ومغلّباً لهم على الكلبيّين اليمانية. هذا الانحياز أشعر الكلبيّين بالظلم وهم في الأساس من دعم جدّهم {مروان بن الحكم} حتّى صار له العرش سنة 684. وكان أعداءه في تلك السنة هم المُضريّون القيسيّون الذين بايعوا {عبد الله بن الزبير} واستنكروا الوراثة في بيت الأمويّين. لاحقاً، كان ميل {يزيد بن عبد الملك} إلى المضريّين خيانة في نظر البعض من البيت الأموي لميراث {مروان بن الحكم} وللكلبيّين اليمانية.

حين جلس {الوليد الثاني} على العرش سنة 743 منح ولاية العراق لصديق أبيه {يوسف بن عمر الثقفي} فقام هذا الأخير بحبس رؤساء القبائل اليمانية حتّى تجتمع مضر إليه وعذّب سلفه اليماني {خالد بن عبد الله القسري} حتّى مات تحت التعذيب سنة 743. وهذا أغضب كلّ اليمانية. بكلّ حال، تجمّع اليمانية تحت راية {يزيد الثالث} وتوجّهوا إلى دمشق فخلعوا {الوليد الثاني} سنة 744 وقام من بعدها {يزيد الثالث} بإعادة كلّ سلطات الدولة إلى أيدي اليمانية.

هذه الأحداث أدّت إلى اندلاع الثورة الهاشميّة من خراسان سنة 747 والتي جمعت انتصاراً للقيسيّة، فأنهت العرش الأموي سنة 750 ومنحته للعبّاسيّين، الذين منحوا بدورهم سلطات مطلقة للقيسيّين على حساب اليمانيّين وكلّ من والاهم من العرب. هذه الأحداث جميعاً ما بين سنوات 743 – 750 ألهبت الأقلام العربيّة تسفّه من عروبة بعض العرب، فصار كلّ فريق يتّهم الفريق الآخر في أصالة عروبته، ويدّعي أنّه مستعرب، لكي ينفي عنه حقّه في السلطة وفي إدارة البلاد. وقد كان العرف السائد من أيّام {عبد الملك بن مروان} أن لا يكون في السلطة والمناصب غير عرب، وهو أمير التعريب.

ولمّا منح {عبد الملك بن مروان} كلّ السلطات إلى الكلبيّين اليمانية بعد أن سحبها من المضريّين القيسيّين، عقاباً لهم على موالاة {بن الزبير}. شكّك الناس في عروبة المضريّين وبرّروا غضب المروانيّين عليهم بالانتقاص من عروبتهم. ثمّ لمّا تمكّنت السلطة للقيسيّين في عهد {المنصور} (أبو جعفر عبد الله بن محمد المنصور) اشتغلوا بالتشكيك في عروبة اليمانيّين وكلّ أسلافهم، ثمّ توسّعوا حتّى وصل البعض منهم بالتشكيك بعروبة بعض القيسيّين من غير المضريّين. والمشكلة هنا أن كلمة {يمانية} قبل الإسلام كانت تشير إلى أغلب سكّان شبه الجزيرة العربية، وبجعل اليمانية مستعربين صارت شبه الجزيرة العربية كلها مستعربة! وهذا غير منطقي.

خارطة المواطن الأصلية لكلّ من اللّهجات العربيّة المعاصرة
 اعتماداً على تصانيف اللغويّين: روبرت هيتزرون 1990، أحمد الجلّاد 2009، جانيت واتسون 2011.
كلّ لون يعبّر عن تصنيف رئيس من تصانيف لهجات اللّغة العربية.
كلّ نقطة تعبّر عن الموطن المنشأ للهجة فرعيّة عن اللّهجة الرئيسة.
باللون التوتي المَواطن المنشأ للّهجة الشاميّة.
باللون السماوي المَواطن المنشأ للّهجة العربيّة الغربيّة.
باللون الرمادي المَواطن المنشأ للّهجة العربيّة الفصحى.
باللون الأصفر المَواطن المنشأ للّهجة العربيّة القيسيّة.
باللون الأزرق المَواطن المنشأ للّهجة العربيّة المصريّة (النيليّة).
باللون الأحمر المَواطن المنشأ للّهجة العربيّة اليمانيّة.
خارطة المواطن الأصلية لكلّ من اللّهجات العربيّة المعاصرة
اعتماداً على تصانيف اللغويّين: روبرت هيتزرون 1990، أحمد الجلّاد 2009، جانيت واتسون 2011.
كلّ لون يعبّر عن تصنيف رئيس من تصانيف لهجات اللّغة العربية.
كلّ نقطة تعبّر عن الموطن المنشأ للهجة فرعيّة عن اللّهجة الرئيسة.
باللون التوتي المَواطن المنشأ للّهجة الشاميّة.
باللون السماوي المَواطن المنشأ للّهجة العربيّة الغربيّة.
باللون الرمادي المَواطن المنشأ للّهجة العربيّة الفصحى.
باللون الأصفر المَواطن المنشأ للّهجة العربيّة القيسيّة.
باللون الأزرق المَواطن المنشأ للّهجة العربيّة المصريّة (النيليّة).
باللون الأحمر المَواطن المنشأ للّهجة العربيّة اليمانيّة.

هكذا نرى أنّ أساس المشكلة كلّها كان فكرة أنّ الحكم والاقتصاد في الدولة الإسلاميّة ينبغي أن يكون حصراً في يد العرب، فصار الخلاف على من هم فعلاً العرب. واشتغل العرب هكذا في تكسير أنساب إخوانهم من العرب وتحويلهم إلى مستعربين، طمعاً بالسلطة والنفوذ.

وكانت مدرسة نحويّي البصرة قد دخلت هذا النزاع الإثني وتورّطت به وفيه، منذ توفّى {السفّاح} وجلس في مكانه {المنصور}. فقامت هي الأخرى بإخراج لهجات يمانية من اللّغة العربيّة والتشكيك في فصاحتها لا بل وحتّى اتّهامها بالاستعراب. انظر معي هذه الحادثة المسجلة في كتاب محمّد بن يزيد المبرد {الكامل في اللّغة والأدب}، التي على ما يبدو (وبغضّ النظر عن صحّتها ووقوعها) كانت البادئة التي دفعت ببعض العرب لتسمية شقّ من لغتهم بالفصحى، ثمّ الاندفاع وراء تعظيمها بطيئاً، قرناً خلف قرن، حتّى وصلت إلى ما وصلناه نحن اليوم. وهذه الحادثة هي من مجريات النزاع اليماني-القيسي على السلطة.

يروي المبرد فيقول: {وحدّثني من لا أحصي من أصحابنا عن الأصمعي عن شعبة عن قتادة، قال: قال معاوية يوماً: من أفصح الناس؟ فقام رجل من السماط فقال: قوم تباعدوا عن فراتيّة العراق، وتيامنوا عن كشكشة تميم، وتياسروا عن كسكسة بكر، ليس فيهم غمغمة قضاعة، ولا طمطمانيّة حِمير. فقال له معاوية: من أولئك؟ فقال: قومي يا أمير المؤمنين، فقال له معاوية: من أنت؟ قال: أنا رجل من جرم. قال الأصمعي: وجرم من فصحاء الناس.}.

  • – معاوية هنا هو الأمير المؤسّس للدولة الأمويّة: أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان الأموي القرشي.
  • – السماط تعني عامّة الناس، أدنى الطبقات الأدنى من الخاصّة (الأشراف).
  • – جرم قال البعض هي جرهم. وقال برنارد لويس Bernard Lewis أنّها كانت قبيلة عربية تعيش في العصور الوسطى في فلسطين وحوران وساحل مصر. وقال ويليام پوپر William Popper كانت جرم فرع من قبيلة ثعلبة، وهي فرع ثانوي من قبيلة جديلة، والذي هو في حد ذاته فرع من القبيلة العربية الكبيرة طيء. ومع ذلك، لاحظ پوپر أنّ بعض المصادر تنسب قبيلة جرم تنتمي إلى قبيلة قضاعة.
  • ـ محمّد بن يزيد المبرد هو أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر المعروف بالمُبَرِّد، عاش في العصر العبّاسي، وهو بصري، وُلد في البصرة وتوفّى في بغداد سنة 899م

ومن الرواة من نسب قول الأصمعي لمعاوية نفسه، وهذا غير صحيح. لا تسجّل التدوينات ردّ معاوية على كلام الجرمي. ولربّما كانت القصّة كلّها للتنافس ما بين جرم وقريش أيّهم أكثر عروبة. ولا حقيقة لوقوعها.

ومن الرواة من أضاف لاحقاً المزيد من الصفات التي تنتقص الفصاحة في قول الجرمي: فزادوا مثلاً: تلتلة بهراء، وتضجّع قيس، وعجرفيّة ضبة، وكشكشة هوازن، وعجعجة قضاعة… وهؤلاء جميعاً من العرب العاربة، التي أراد الرواة نفي لهجاتهم عن ما سُمّي لاحقاً بالفصحى، بادّعاء أنّ هذه اللّهجات هي انحراف عن أصلٍ جرمي. وأنّ تصحيح اللّغة وتفصيحها يكون بنقض هذه اللّهجات و”تقويمها”.

لكنّ الواقع هو غير ذلك. ما حدث فعلاً هو إضعاف اللّغة العربية عن طريق تبسطيها، بحتّها أكثر وأكثر، وإزالة قطع منها في كلّ حت. حتّى بقيت قطعة صغيرة من البحر الواسع، تسمّى الفصحى. وهكذا نرى أنّ الحرب اليمانية-القيسية ومن ثم امتداداتها بعد جلوس العبّاسيّين على العرش، سعت إلى إخراج شعوب عربيّة من عروبتها واتّهامها بالاستعراب، كمثل: أهل العراق، وتميم، وبكر، وقضاعة، وحِمير، وبهراء، وقيس (الجيس)، وضبة، وهوازن، وقضاعة… مجزرة حقيقيّة كادت تذهب بعروبة كلّ العرب.

ما حدث فعلاً هو إزالة لهجات العرب من اللّغة العربيّة وتقزيمها إلى ما ادّعى البعض أنّه لهجة جرم، أو ادّعى البعض الآخر أنّه لهجة قريش. وكلا الروايتين في رأيي أساطير غير حقيقيّة. فمن أسّس مدرسة نحويّي البصرة كانوا بأغلبهم من كنانة. وهؤلاء مالوا إلى تقويم لغتهم على باقي لغات العرب، بتنصيب لهجة كنانة لغة رسميّة بعد تقعيدها في مطلع عهد الدولة العبّاسيّة.

إذاً ما صُنع في البصرة في القرنين السابع والثامن بعد الميلاد ما كان لهجة قريش، إنّما تطوير لأمّها لهجة كنانة. وما دفع بعض الأدباء لتبرير وجوب “تقديس” نتاج مدرسة البصرة هو روايات من أمثال هذه المرويّة عن معاوية عن الأصمعي… والأصمعي هو أحد علماء مدرسة نحويي البصرة من اشتغلوا فيها بالتصنيف. وتوفّى فيها قبل مجزرة البصرة بنحو أربعين سنة.

تنافست العرب أيّ لهجاتها تكون اللّهجة الأعمّ في دولة الإسلام، فراحت تحت الأرجل في هذه الحرب الكثير من لهجات العرب. واختُزل تاريخها فهبطت مكانتها، فصار أسهل على الآخرين تشويه تاريخ العرب والحطّ منه واللّعب به. طالما أنّ المدارس العربيّة لم تزل تصرّ على تحقير الكثير من بدن اللّغة العربيّة، باعتباره انحرافاً عن الفصاحة. سيراً على نهج الرواية غير الأكيدة تلك. وصار سهلاً نفي عروبة شعوب كاملة من شعوب العرب.

وعلى ذات المنوال، وبرغم مضيّ 1300 سنة على اندلاع النزاع العربي-العربي على السلطة في نهاية أيّام الأمويّين، غير أنّنا لم نزل إلى اليوم نجترّ الخرافة ونردّد تلك الأكاذيب التي صنّفت العرب إلى عاربة ومستعربة. طمعاً بسلطة. والحقيقة أنّ كلّ العرب، عدنانية وقحطانية، ومن يومها الأوّل عرب عاربة، ليس فيها مستعربة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s