فن, لغة, أديان, إتيمولوجي, العراق, تاريخ

في تأصيل كلمة سُلُك

كلمة سُلُك ولو أنّها اسم لغطاء يوضع على الرأس، غير أنّها صيغة جمع مفردها سِلْك. وهي واحدة من أهمّ الكلمات في تراث العربيّ، لشدّة قِدَمها، ولشدّة ما تمثّله من فلسفات وتقاليد أثّرت على تاريخ حضارة العربي. سُلُك التي نستعملها تسمية لغطاء الرأس العربي-السومري… شبكة الصيّاد التي كان السومريّ غير الفلّاح يرتديها على رأسه، ثمّ تحوّلت إلى قماش السُلُك في رمزيّة نقوشه.


في الماضي، ومن قَبل اختراع الزراعة، لمّا عبدت طائفة من السومريّين وعموم سكّان سواحل الخليج العربي إلهاً للرزق. صوّرنه بشكل رجل نصفه سمكة، وأسمينه أبگل (أبجل) 𒉣𒈨 واستمرّت عبادته عدّة آلاف من السنوات، ارتبطت بشكر البحر والنهر على تقديم السمك رزقاً تعتاش منه الناس. وبقيت هذه الديانة موجودة في العهود الأگّديّة والبابليّة والأسوريّة ثمّ تحوّلت إلى فلسفات من ضمن الأديان اللاحقة.

أبجل الأشوريّين
أبجل الأشوريّين
أبجل الفنيقيّين، دجن، داگون
أبجل الفنيقيّين، دجن، داگون
أبجل نينوى
أبجل نينوى

في تلك الديانة صارت الناس إلى تبجيل وتقدير من يشتغل في مهنة صيد السمك، وأطلق السومريّون على الواحد المحترف منهم تسمية صَيّادُ وهي تسمية مستمرّة إلى اليوم لم تتغيّر. هذا الصيّاد، ولأنّه كان مقدّراً في المجتمع، لفّ شبكة صيده ووضعها دوماً على رأسه، فصار معروفاً بين الناس. ومن جهة ثانية، مال الناس إلى احترام وتقديس شبكه الصيد هذه، تماماً كما يحترم المسلم اليوم سجّادة صلاته، لأنّ هذه الشبكة هي ممارسته للتعبّد للإله أبگل (أبجل) بواسطة صيد السمك، ففي هذه الشبكة يتلقّى الإنسان نعمة الحياة من أبگل ويستخرجها من الماء. 

وذهب المتشدّدون من الصيّادين إلى مرحلة اعتزال البرّ في الماء في شيء من الزهد والصوفيّة، فنشأ بدو الماء، وصارت حياتهم دائمة مستمرّة في قوارب دائريّة لم تزل موجودة إلى اليوم، اسمها القفّة و الكفّة، غير أنّها كانت بحجوم أكبر بكثير ممّ هو معروف اليوم، وكانت من طابقين، يحتوي السفليّ منها على حيوانات ثديّة يستفيد بدويّ الماء من حليبها. والمهمّ في الموضوع، أنّ الصيّاد حينها عدّ حمل شبكة الصيد على رأسه باستمرار، شرف له، ورمز من رموز عبادته، في مستوى يوازي قيمة حجاب الشعر عند المرأة المسلمة في عصرنا.

قوارب القفّة (الكفّة) الصغيرة
قوارب القفّة (الكفّة) الصغيرة
سفينة القفّة (الكفّة) السومريّة بنصف حجمها الأصلي، كما صنعها سنة 2011 الدكتور إيرڤينگ فينكل Irving Finkel
سفينة القفّة (الكفّة) السومريّة بنصف حجمها الأصلي، كما صنعها سنة 2011 الدكتور إيرڤينگ فينكل Irving Finkel

في تلك الديانة التي انتشر حضورها من الخليج العربية إلى وادي النيل، وفي هذا المجتمع، استُعملت ثلاث كلمات مستخرجة جميعاً من بعضها. هي الشُلُق و الشُلُوق و الشَليتُ. أو السُلُك و السُلُوك و السَليتُ.

في المعجم الأگّدي نجد أنّ اسم شبكة صيد السمك هي سَليتُ و شَليتُ عن اسم السمك شُلُوق. وممتهن صيد السمك على اسمه السومريّ صَيّادُ.

شُلُوق (شُلُق) وهو اسم لصنف من السمك النهري واردٌ كثيراً في نقوش المنطقة ما بين دجلة والمتوسّط. ويُعتقد اليوم أنّ صنف سمك الشُلُوق هو سمك القنومي Petrocephalus bane أو سمك الفيل الذي عبده بعض المصريّين قديماً. والقنومي هو أحد أصناف سمك الفيل التي كانت بحجم الكف، وعاشت سابقاً في نهر العاصي. اليوم بقي في نهر العاصي سمكة لخّ العاصي، وهي من قريبات سمك الشُلُوق ومن نفس عائلة سمك الفيل، لكن بشكل مختلف. أمّا سمك الشُلُوق (الشُلُوك) نفسه فلم يزل موجوداً إلى اليوم في دجلة والفرات، ويصطاده الناس لأكله.

سمكة شُلُوق (شُلُك)
سمكة شُلُوق (شُلُك)

وعلى الأغلب أنّ أسلافنا من العرب القدامى قد أطلقوا على سمك الفيل اسم الشُلُوق أو السُلُوك عن اسم شبكة الصيّاد السَليتُ و الشَليتُ أو السُلُك أو الشُلُك. حيث أنّه السمك الذي تصطاده هذه الشبكة. فكلمة السُلُك أو السُّلوكُ كما سجّلها الفراهيدي يشرحها بأنّها الخيوط التي يخاط بها الثياب. والواحدة منها: سُلْكة. وهي كذلك الخيوط التي ينسج بها الصيّاد شبكة صيده.

بعد اختراع القماش، ولمّا صار العرب من أهل سواحل الخليج العربي والنهرين يستبدلون ارتداء شبكة الصيّاد بارتداء القماش، حافظوا على نقشه بشكل شبكة الصيد، إذ أنّها رمز حضارتهم وحياتهم وفلسفتهم، وكرامة ديانتهم ومعتقداتهم، التي ارتبطت جميعاً بهرميّة عبادة أبگل (أبجل) 𒉣𒈨 وشكره كخالق على نعمة الحياة. ثمّ صارت قبائل العرب تغيّر لون خيط نقشة الشبكة على السُلُك لتميّز نفسها وأنسابها، أو حتّى طوائفها الدينية. ثمّ زيّنت هذا السُلُك بالمزيد من الرموز التي تعبّر عن معتقداتها، كأمواج الماء (رمز دجلة) والأفعى والشمس وزوبعة عشتار وبتلات زهرات اللّوتس والرمّان وغيرها. 


في اللّغة المالطية أطلق المالطيّون قديماً على العربيّ تسمية شَلُوك xlokk وهي تحوير مالطي عن الكلمة العربية  شَلُوق. والسبب كان أنّ العرب الذين داوموا على زيارة مالطا في مواسم التجارة هم من الذين يأكلون سمك الشُلُوق ويجلبونه معهم للتجارة. ولمّا كان هؤلاء العرب يصلون مالطا مع موسم هبوب الرياح الجنوبيّة الشرقيّة فقد بقيت كلمة xlokk إلى اليوم في المالطيّة تسمية للرياح الموسميّة القادمة من جنوب الشرق. وعليه فإنّ كلمة شلُكّات أو شلُقّات في المالطية القديمة ستعني حرفيّاً العرب.

ولأنّ عباد السمك – من قدّسوا الأسماك من العهد السومري عبر العصور وحتّى عهد الأديان الإبراهيميّة – كانوا ينشدون للأسماك في صلواتهم بالغناء والترانيم الدينيّة الجميّلة، فقد بقيت في لغة الپالولہ كلمة شِلُوک بمعنى ترنيمة وصوت التسبيح والإنشاد. ولغة الپالولہ هي أحد اللّغات الأصليّة في پاكستان. والكلمة ذاتها موجودة في السنسكريتية بصيغة شلوكه श्लोक بمعنى “يَطرَبُ” أو “صوتٌ يُطرِبُ”.

وهكذا نرى ارتباط السُلُك بشدّة بفكر العربيّ وفلسفاته، وحضارة الخليج العربيّ والنهرين والفنيقيّين في كلّ مكان. وصار واضحاً تأصيل اسم السُلُك والقيَم التي فيه.

3 رأي حول “في تأصيل كلمة سُلُك”

  1. عاشت الايداي
    صارلي شي ساعة ادور بمصارد اجنبية وعربية عن اصل الجفية ( الكوفية) وارتباطها بالسومريين ، ممكن تنورنا بمصدر؟

    إعجاب

  2. هل يوجد علاقة بين السلك و الوشاح الديني المستعمل في صلاوات اليهود ؟ نلاحظ الخطوط المستقيمة ع الاضلاع الأربعة على السلك و على وشاحهم.

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s