, , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

ميراث العثمانية بعد قرن من الانهيار

الإعلانات

نعلم جميعاً أنّ السلطنة العثمانيّة كانت قد انهارت تماماً وتغيّرت سنة 1908، خاتمة بذلك مئة عام تامّة من التدهور والانقلابات والصراعات الداخليّة العنيفة، المصحوبة بتدخّل خارجي عظيم. في تلك الفترة وعقب انقلاب\ثورة 1908 خرجت إلى الحياة أربع مشاريع تريد الاستفادة من تركة السلطنة العثمانية والسيطرة عليها. وكان لانقلاب 1913 أثر عظيم على هذه المشاريع جميعاً بتحوّل تبعيّة العثمانيّة من التاج البريطاني إلى التاج الألماني وبشكل مطلق، ما دفع بريطانيا لأن تبذل جهدها لدعم كلّ المشاريع العربيّة التي تريد الاستحواذ على تركة العثمانيّة، حيث توجد القوى والقوّات البريطانيّة فعلاً.

لدراسة هذه المرحلة أنشر هنا هذه التدوينة التي تشرح كل واحدة من المشاريع التي أرادت السيطرة على تركة السلطنة العثمانية. والتي فشلت جميعاً بكلّ حال بتدخّل فرنسا والولايات المتّحدة الأميركيّة. وهو التدخّل الذي رسم حدود دول المنطقة على ما هي عليه اليوم. وما نتج عنه لاحقاً من طرد كامل للنفوذ البريطانية من بلاد الشرق الأوسط بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية. أمّا المشاريع الناجحة فلا ضرورة لذكرها في هذه التدوينة، طالما أنّ دراستها تعني دراسة تاريخ الدول المعاصرة.

كفاتحة ينبغي القول أنّ عهد الاضطرابات بدأ في المنطقة كجزء من الصراع الإمبراطوري على البحر المتوسّط. إذ في نهاية القرن 18 عقد السلطان سليم الثالث التحالف مع الإمبراطورية البريطانية، وقد حملت الأخيرة ميراث الإمبراطورية الپرتغالية البحري. هذا التحالف العثماني-البريطاني الجديد أدخل العثمانية في حلف مع عدوّها القديم؛ أسرة هابسبورگ، وأخلّ بـ250 سنة من التحالف العثماني-الفرنسي، وضرب مصالح فرنسا في المتوسّط. فصارت العثمانية هكذا من أعضاء التحالف الثاني (1798–1802) بعد أن كانت من أعدائه.

هذا الخلل أسقط فرنسا في سلسلة من الحروب الداخلية، قادت إلى الثورة الفرنسيّة وإلى سيطرة بونابرت على السلطة، سيطرة شرعها في الفترة (1798-1801) بحملة على المتوسّط لسحب المناطق العثمانية التي كانت قبل سليم الثالث ولقرنين ونصف مصالح فرنسيّة تحت السلطنة العثمانية، وهي جزيرة مالطا، والإسكندرية والقاهرة في مصر، ويافا وعكا ونابلس في فلسطين… لكن، انهزمت فرنسا ونجحت بريطانيا بالحفاظ على مكتسباتها. في الوقت الذي نجحت فيه في القسم الغربي من البحر المتوسط، ومع تراجع التأثير العثماني، حيث انكبّت فرنسا على دول المغرب العربي وعلى المناطق التي كانت تحت النفوذ العثماني من غرب أفريقيا لمنع المملكة الشريفة (المغربية) عن الاستحواذ عليها، وانتصرت في ذلك فعلاً، ليس بالسيطرة على مناطق التركة العثمانية فحسب، بل وبسلب المملكة المغربية مناطقها كذلك في حرب دامت مئة عام.

الصورة: لوحة ألمانيّة-فرنسيّة من القرن 16 للإمبراطور كارل الخامس هابسبورگ (شارلكان) تُظهر انتصار الإمبراطور الألماني على أعدائه أعضاء حلف العثمانيّة: السلطان العثماني سليمان الأوّل، والبابا كليمنس السابع، وفرانسوا الأول ملك فرنسا، وفيلهلم اللوثري دوق كليفه، يوهان فريدرش الأول البروتستانتي دوق زاكسونيا، فيليب الأوّل البروتستانتي لاندگراف هسن.
الصورة: لوحة ألمانيّة-فرنسيّة من القرن 16 للإمبراطور كارل الخامس هابسبورگ (شارلكان) تُظهر انتصار الإمبراطور الألماني على أعدائه أعضاء حلف العثمانيّة: السلطان العثماني سليمان الأوّل، والبابا كليمنس السابع، وفرانسوا الأول ملك فرنسا، وفيلهلم اللوثري دوق كليفه، يوهان فريدرش الأول البروتستانتي دوق زاكسونيا، فيليب الأوّل البروتستانتي لاندگراف هسن.

التنافس الفرنسي-البريطاني-الروسي على قيادة العثمانية

بعد فشل بوناپرت بالتفوّق العسكري في المشرق تحالف مع روسيا للتدخّل المخابراتي في العثمانيّة، فبدأ سنة 1808 عهد الانقلابات في السلطنة بدعم روسيا وفرنسا للمؤسسة الإنكشارية (يڭيچرى) للانقلاب على السلطان سليم الثالث وقتله، ووصل الأمر إلى قيام الإنكشارية بدعوة روسيا لاجتياح العثمانيّة بقوّاتها، التي أرسلتها فعلاً، ودفعت برجال الدين إلى نشر فتاوى تحضّ على التعاون مع روسيا والصديقة فرنسا لصدّ العدوّ الإنكليزي.

استمرّت أحداث هذه الحرب العثمانية حارّة تارَة وباردة تارَة أخرى، إلى أن انتهت على يد السلطان محمود الثاني سنة 1826 بمذبحة الإنكشارية (واقعه خيريه) على يد العساكر المنصورة المحمّديّة. وكانت فرنسا قد سعت لتحريض محمد علی پاشا المسعود للاستقلال بمصر، وهو أحد رجالات السلطان المقتول سليم الثالث، فأباد محمد علی پاشا قوّات المماليك سنة 1811 (وكانوا من حلفاء بريطانيا) واستفرد بحكم مصر، لكن ما لبثت بريطانيا أن استمالت محمّد علی پاشا وأبنائه في دولتهم الجديدة، عقب مذبحة الإنكشارية، وأخرجت فرنسا من اللّعبة.

سنة 1867 وبتوجيهات بريطانيّة، أصدر السلطان عبد العزيز خان بن محمود قانون نظام تشكيل الولايات (تشكيل ولايات نظام نامه سى) وهو القانون الذي حوّل كل ما تبقّى من السلطنة العثمانية إلى سلطنة يحكمها سلطان بواسطة تعيين مباشر لولاة، دون السماح بنشوء ملكيّات محلّيّة، كما كان يحدث في أيّام الإيالات.

سنة 1876، أعاد السلطان عبد الحميد الثاني العمل بالدستور العثماني وصارت الدولة ملكيّة دستوريّة يقودها مجلس نيابي يُنتخب ديمقراطيّاً، أخرجت انتخاباته من السلطة كلّ الأحزاب التي دعمتها المخابرات الفرنسية والألمانية بالخفاء. ثم سنة 1908 وقعت انتخابات جعلت حزب الاتّحاد والترقّي المدعوم من ألمانيا حزب أغلبيّة برلمانيّة، تلاه في عدد المقاعد بأقلّيّة حزب الاتّحاد اللّيبرالي المدعوم من بريطانيا. فضغطت بريطانيا على السلطان عبد الحميد الثاني لحلّ البرلمان وتعطيل العمل بالدستور تحت دعوى استعادة الخلافة الإسلاميّة.

لذلك حاولت فرنسا من جديد استعادة نفوذها في العثمانية بالتحالف مع ألمانيا لدعم ثورة\انقلاب القوميّين سنة 1909، لكن بريطانيا عادت وانتصرت من جديد بدعمها لحزب الاتّحاد اللّيبرالي الذي أعاد تنظيم نفسه تحت اسم حزب الحرّيّة والائتلاف وفاز بانتخابات 1912. فقامت ألمانيا سنة 1913 بدعم انقلاب الباشاوات الثلاث لمنع دخول العثمانية الحرب العالمية الأولى في صفّ بريطانيا، وجرّتها إلى دخول الحرب إلى صفّ ألمانيا. وانقرضت من بعدها.

لوحة رسمها الفرنسي Louis Émile Pinel de Grandchamp سنة 1855 وأهداها للسلطان العثماني عبد المجيد، يعبّر فيها عن التحالف الثلاثي العثماني-الفرنسي-البريطاني ضد روسيا في حرب القرم.
لوحة رسمها الفرنسي Louis Émile Pinel de Grandchamp سنة 1855 وأهداها للسلطان العثماني عبد المجيد، يعبّر فيها عن التحالف الثلاثي العثماني-الفرنسي-البريطاني ضد روسيا في حرب القرم.

فدرلة العثمانية ومملكة التاجين: العربي والتركي

في مواجهة القوى الداخلية والخارجية التي تهدّد وجود السلطنة، وعلى إثر انقلاب 1908 الذي أطاح بالسلطان عبد الحميد الثاني، اضّطر السلطان محمّد الخامس إلى الشروع في مجموعة من الإصلاحات تمنح المزيد من الحكم الذاتي للعديد من الإثنيّات في البلد، وتحويلها فعليّاً إلى دولة فيدرالية تتكوّن من ثلاث كيانات شبه مستقلة:

  • إقليم عربستان. العاصمة دمشق شام شريف. وكانت مدينة ذات أغلبيّة عربية مسلمة. لغة الإقليم الرسمية هي العربيّة.
  • إقليم رومليا وقبرص. العاصمة سلانيك. وكانت مدينة ذات أغلبيّة تركيّة يهودية. لغات الإقليم الرسمية هي التركيّة واليونانية.
  • إقليم تركيا. العاصمة القسطنطينيّة. وكانت مدينة ذات أغلبية تركية مسلمة. لغة الإقليم الرسمية هي التركية.
  • أقاليم شهريلر الأزاد (المدن الحرّة). وهي مدن ذات إدارة اتّحادية خاصّة بها تصل إلى مستوى الإقليم (مثل مدينة برلين اليوم). وهذه المدن هي: القسطنطينية، دمشق، سلانيك، مكة المكرّمة، المدينة المنوّرة، القدس، بيروت، جدّة، حلب، إزمير، أُسقب (سكوبيا).

تقليداً للقيصريّة الألمانيّة Deutsches Kaiserreich شرعت حكومة الاتّحاد والترقّي بتنفيذ مشروع الفدرلة سنة 1910 وكانت آنذاك لم تزل حكومة انقلاب، ثمّ وعقب فوز جمعيّة الاتّحاد والترقّي بأغلبيّة برلمانيّة في انتخابات 1912 اكتسب المشروع شرعيّة برلمانيّة؛ عطّلها انقلاب حزب الحرّيّة والائتلاف Hürriyet ve İtilâf Fırkası المدعوم من بريطانيا، بحركة انقلابيّة عسكريّة سمّت نفسها حركة الضبّاط المنقذين Halâskâr Zâbitân طردت قادات جمعيّة الاتّحاد والترقّي خارج البلاد. وشكّل حزب الحرّيّة والائتلاف حكومة دخلت مفاوضات مؤتمر لندن للسلام سنة 1912.

ثمّ وفي العام التالي 1913 نظّمت جمعيّة الاتّحاد والترقّي انقلاباً مضادّاً بتهديد السلاح طرد أعضاء حزب الحرّيّة والائتلاف إلى مصر وألبانيا. فتشكّلت حكومة عسكريّة باسم حكومة الباشاوات الثلاث (اوچ پاشلر) عطّلت الديمقراطيّة في البلاد بالكامل وسحبت فريق العثمانيّة من مؤتمر لندن، وأطلقت للضبّاط الألمان مطلق الحريّة في الأراضي العثمانية، وجنّدت قوى الدولة كاملة في خدمة التدخّل الألماني في الحرب العالمية الأولى سنة 1914.

بعد هزيمة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، أعادت بريطانيا حزب الحرّيّة والائتلاف على رأس السلطة ومنحته حرّيّة اعتقال ومحاكمة أعضاء حزب وجمعيّة الاتّحاد والترقّي، الذين حوكموا تماماً بمثل ما حوكم أعضاء الحكومة النازية بعد الحرب العالمية الثانية. واشتغل حزب الحرّيّة والائتلاف آنذاك على تشكيل الحركة التركيّة الوطنيّة Türk Ulusal Hareketi التي أشرفت على تأسيس الجمعيّة الوطنيّة الكبرى بدعم من الولايات المتّحدة الأميركيّة.

وهذه الأخيرة هي التي تحوّلت إلى مجلس الأمّة التركي الكبير Türkiye Büyük Millet Meclisi الذي تطوّر إلى مؤسّسة البرلمان التركي. وهي المؤسّسة التي قامت أخيراً سنة 1922 بإلغاء السلطنة العثمانيّة بشكل رسمي ثمّ طردت آل عثمان جميعاً عن تركيا وصادرت أملاكهم وسحبت عنهم الجنسيّة التركيّة، وكانوا أكثر من 150 شخص.

وكان مشروع الفدرلة هو الذي أقرّ تحوّل البلاد عن الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني الألماني، وكان يهدف لدفع كل لغات الدولة لاستخدام الحرف اللاتيني، بما فيها التركيّة والعربيّة واليونانيّة والكرديّة. لكنّ هذا المشروع لم يتحوّل قانون إلّا سنة 1928. ثمّ أحدث مصطفى كمال سنة 1928 {هيئة اللّغة التّركية} التي عدّت تحويل الأبجديّة إلى اللاتينيّة أحد إجراءات التتريك. فحوّلت الأغلبية الساحقة من أهل البلاد إلى أميّين.

ويمكن قراءة المزيد من التفاصيل في تدوينتي {مشروع السلطان محمّد الخامس لتحويل العثمانية إلى دولة فيدرالية}

خريطة الدولة العليّة العثمانيّة بشكل اتّحادي
خريطة الدولة العلية العثمانية بشكل اتّحادي

تصاعد التيّار الاتّحادي في الدولة العثمانية

عقب انهيار الدولة العثمانية على إثر أحداث 1909، استقبلت القاهرة السياسيّين والمتنفّذين الهاربين من استبداد جماعة الاتّحاد والترقّي القوميّين في الأناضول والشام والعراق.

وكانت لهذه الجماعة جمعيّة دعمتها فرنسا وألمانيا وتأسّست سنة 1889 تحت اسم جمعيّة الاتّحاد العثماني (اتحاد عثماني جمعيتی)، وهي جمعية عسكريّة تكوّنت عضويّتها من تآلف عدّة منظّمات للضبّاط القوميّين في الدولة العثمانيّة، أهمّهم: حركة تركيا الفتاة، وحركة الطاشناق (للأرمن)، وجمعية الوطن (العربيّة)، والجمعية القحطانيّة (العهد لاحقاً)، وجمعيّة الحريّة العثمانيّة (لليونان واليهود السفرديّين)، وحركة العثمانيّة الفتاة (للأكراد). وكان لجميع هذه الحركات مكاتب في پاريس ودمشق وصلونيك.

وهدفت هذه الجمعيّة في بدايتها إلى تحويل السلطنة العثمانيّة إلى النظام الاتّحادي. وعلى هذا، سنة 1909 كلّ من عارض النظام الاتّحادي (الفدرالي) من الملكيّين الدستوريّين وجماعة السلطنة والخلافة هرب إلى مصر. وسنة 1906 رفعت جمعيّة الاتّحاديّين آنذاك الدعوة إلى أن يكون السلطان العثماني ملكاً على العرب والترك من طريق تكوين إمبراطوريّة تركيّة-عربيّة يضع فيها السلطان التاج العربي إلى جانب التاج التركي (مملكة ذات تاجين). {فكرة الفريق عبد العزيز علي الشلبي الشركسي المصري المشهور باسم عزيز علي المصري}.

وكانت جماعة الاتّحاد والترقّي قد لوحقت ونُفيت عن العثمانيّة على إثر محاولة انقلاب فاشلة سنة 1895 استهدفت السلطان عبد الحميد الثاني. فهرب أغلب أعضائها إلى پاريس. ثمّ، وبعد ثلاث سنوات، سنة 1897 صفح السلطان عبد الحميد الثاني عن أعضاء الجماعة ودعاهم للعودة إلى السلطنة والمشاركة في الحركة السياسيّة. فعادت الجمعيّة إلى النشاط في البلاد العثمانية مع بقاء زعيمها أحمد رضا مقيماً في پاريس.

ثمّ، سنة 1901 انشق أمراء من الأسرة العثمانية وفرّوا إلى پاريس للانضمام إلى حركة تركيا الفتاة. وهم: داماد محمود باشا وابناه صباح الدين ولطف الله. وأسّسوا حزب رابطة المشاريع الخاصة واللامركزية الذي دعى إلى حلّ نظام الولايات والمزيد من اللامركزيّة الإداريّة ودولة عثمانيّة فيدراليّة. ثمّ نظّموا في پاريس سنة 1902 مؤتمراً للمعارضة العثمانيّة حاولوا فيه توحيد جماعة الاتّحاد والترقّي بحزبهم، حزب الرابطة. لكنّ المساعي فشلت وانقسمت حركة تركيا الفتاة بين الجانبين. واتّهم زعيم الجماعة أحمد رضا بك جماعة الداماد محمود باشا برعاية تسلّل بريطاني إلى جماعة الاتّحاد والترقّي.

مؤتمر المعارضة العثمانية الأوّل في پاريس سنة 1902
مؤتمر المعارضة العثمانية الأوّل في پاريس سنة 1902

استيلاء ألمانيا على الدولة العثمانية

سنة 1907 نظّمت پاريس مؤتمراً ثانياً للمعارضة العثمانية نجح باتّفاق كلّ أجنحة المعارضة وانضمام حزب الأمراء العثمانيّين (الرابطة) والاتّحاد الثوري الأرمني إلى جماعة الاتّحاد والترقّي، كما استمالوا جماعة الملكيّة الدستوريّة، وقاموا معاً بتأسيس جمعيّة الحريّة العثمانية في مدينة صلونيك، التي صارت تقوم مقام القيادة الجديدة لجماعة الاتّحاد والترقّي. وهي الجمعية التي قادت ونفّذت انقلاب سنة 1909 وخلعت السلطان عبد الحميد الثاني.

بعد حرب البلقان سنة 1912 والمجازر التي أبادت أتراك البلقان، وبموجب نتائج انتخابات تلك السنة التي فاز فيها حزب الحرّيّة والائتلاف بأغلبيّة برلمانيّة توالي بريطانيا، استغلّ التيّار الألماني الظروف ودعم انقلاباً داخل جمعيّة الاتّحاد والترقّي نفسها، فاستعمل ثلاث من ضبّاط حركة تركيا الفتاة عساكرهم للانقلاب على الحكومة الاتّحاديّة، وهم طلعت باشا وأنور باشا وجمال باشا، وأنشأ هذا الانقلاب حزب الاتّحاد والترقّي وحوّل الدولة إلى دولة الحزب الواحد التي فرضت القوميّة التركيّة، وطردت حركات القوميّات الأخرى من جمعيّة الاتّحاد العثماني وبهذا انتهت جمعيّة الاتّحاد والترقّي.

في الواقع، انقلاب 1913 وحكومة الباشاوات الثلاث لم تكتف بطرد أولياء بريطانيا من الحكومة العثمانيّة، ولم تكتف كذلك بطرد الحركات القوميّة غير التركية من العثمانيّة، بل تولّى جمال باشا مهمّة حمّلته لاحقاً لقب جمال السفّاح، وهي مهمّة اعتقال وإعدام أولياء فرنسا كذلك، أعضاء جميع الحركات القوميّة داخل بدن الاتّحاد والترقّي، حتّى روّاد القوميّة التركيّة، لأنّ فرنسا رفضت دعم المشروع الألماني داخل العثمانية قُبيل الحرب العالميّة الأولى. وبهذا خلت حركة تركيا الفتاة من روحها المؤسّسة، واستبدلتهم ألمانيا بأولياء لها تتحكّم بهم بالمطلق. وعلى ما يبدو أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة كانت راضية آنذاك عن هذا التحوّل، ولربّما دعمته بالتراضي مع الحكومة الألمانيّة.

وبهذا، دخلت الدولة العثمانية (أو ما تبقّى منها) الحرب العالميّة الأولى في خدمة ألمانيّا. وليس كحليف للدولة الألمانيّة… أمّا المطرودين والناجين من أعمال حركة الباشاوات الثلاث فقد لجؤوا بأغلبهم إلى القاهرة، متحالفين مع الأعداء القدامى الموجودين فيها، جماعات الخلافة والسلطنة والملكيّة الدستوريّة، ممهّدين لمشروع جديد طرحته مصر على المنطقة.

الباشاوات الثلاث: طلعت باشا وأنور باشا وجمال باشا
الباشاوات الثلاث: طلعت باشا وأنور باشا وجمال باشا

ظهور مشروع السلطنة العربيّة العلويّة

استقبلت القاهرة السياسيّين والمتنفّذين العثمانيّين الهاربين من استبداد جماعة الاتّحاد والترقّي القوميّين في الأناضول والشام والعراق. ثمّ أضافت إليهم الهاربين من استبداد دولة الحزب الواحد التي صنعتها ألمانيا والباشاوات الثلاث. وصارت القاهرة هكذا أهمّ قواعد التخطيط لمشروع بديل عن السلطنة العثمانيّة.

كان محمّد علي باشا قد طرح مشروع السلطنة العربيّة من القاهرة حوالي سنة 1830، ورأى أنّ السلطنة العثمانية قد فسدت وانتهت باغتيال السلطان سليم الثالث، وأنّها ما عادت عثمانيّة بعد مذبحة الانكشاريّة سنة 1826 وصارت ساحة تنافس للنفوذ الأجنبي. لذا فقد حان الوقت لبناء بديل لها. وازدادت جدّية الطرح العلوي عقب انقلاب سنة 1909 في القسطنطينيّة (إسطنبول). وجد الخديوي عبّاس حلمي الثاني الفرصة مناسبة لرعاية المعارضة العثمانيّة، وتكوين شراكة تسعى بجدّية لتأسيس المملكة العربيّة، وكان أغلب رجال الأعمال الهاربين إلى القاهرة من شركاء بريطانيا في الاقتصاد العثماني.

من بين اللاجئين إلى القاهرة بعد انقلاب 1909 كان أحمد عزّت پاشا العابد، وكان في منصب المستشار الأوّل للسلطان عبد الحميد الثاني وهو ابن مؤسّسة المخابرات العثمانية… في الواقع ترك أحمد پاشا العابد القسطنطينيّة صوب واشنطن الأميركية أوّلاً حيث اشتغل ولده محمّد علي العابد سفيراً للعثمانية. لكنّ واشنطن رفضت استقباله وقد انحازت إلى صفّ عساكر الانقلاب، فتركها محمّد علي العابد ليجتمع بوالده أحمد عزّت پاشا في سويسرا ومنها معاً إلى القاهرة.

في القاهرة استقبلهم الخديوي عبّاس حلمي الثاني شخصيّاً وأظهر رغبته بتولّي أحمد عزّت پاشا العابد قيادة المشروع العربي العلوي، وشدّ الأطراف إليه، وتنظيم مؤسّساته. وفعلاً وافق أحمد پاشا العابد وانطلق المشروع.

ويمكن قراءة المزيد من التفاصيل في تدوينتي {مشاريع الدولة العربية، من السلطنة إلى الجمهورية}

الخديوي عباس حلمي الثاني على يخته الخاصة المعروفة بـ” نعمة الله” سنة 1926
الخديوي عباس حلمي الثاني على يخته الخاصة المعروفة بـ” نعمة الله” سنة 1926

الحروب المصريّة-العثمانية وميراث السلطان سليم الثالث

سنة 1808 وكما أسلفت وقعت حادثة الانقلاب على السلطان سليم الثالث ومقتله على يد الإنكشاريّة، بتحريض ودعم من المخابرات الفرنسية والقوّات البحرية الروسيّة. فشل اغتيال السلطان سليم الثالث آنذاك بهزيمة الحلف البريطاني، إذ دعمت بريطانيا بشكل مباشر وغير مباشر سيطرة أهمّ رجالات السلطان سليم الثالث على مصر. فعزلت هكذا تيّار روسيا في العثمانية عن أفريقيا كلّها.

كانت روسيا في حالة حرب فعليّة مع العثمانية منذ سنة 1806، وهي الحالة التي أجبرت السلطان سليم الثالث على التحالف مع بريطانيا وإنهاء قرابة ثلاث قرون من العداء العثماني-الهابسبورگي. ثمّ، مع فشل اغتيال السلطان سليم الثالث بتحقيق مآربه سنة 1808، شرعت روسيا في حرب جديدة على العثمانية سنة 1810 أخافت فرنسا من خسارة القسطنطينية لمصلحة روسيا، وهو غير ما أرادته.

لذا، سنة 1811 أعلن ناپليون بوناپرت الحرب على روسيا، ودعى العثمانية للمشاركة فيها وغزو الأراضي الروسية لاستعادة الممتلكات العثمانية السابقة. رفض السلطان محمود الثاني العرض الفرنسي لفقدان الثقة بالحليف القديم، واستسلمت العثمانية لروسيا بموجب معاهدة بخارست سنة 1812، التي تراضى فيها الطرفان على حدود جديدة، منحت روسيا المزيد من الأراض في القوقاز والبحر الأسود.

في تلك الفترة دخلت شركة الهند الشرقيّة EIC ساحة الصراع بدعم آل سعود (إمارة الدرعيّة) لاحتلال مكّة والمدينة المنوّرة سنة 1812، هذه الحرب أجبرت العثمانيّة، ليس على مصالحة روسيا وحسب، بل كذلك صعود العلاقات إلى مرتبة التحالف والتنسيق المشترك. وهي الحالة التي منحت السلطان محمود الثاني الراحة لتنفيذ مجزرة الإنكشارية (واقعة خيرية) والقضاء التام على هذه المؤسّسة سنة 1826.

وكان قرار المجزرة نتيجة مباشرة لخذلان الإنكشاريّة للدولة العثمانية في حرب اليونان سنة 1821 على الجبهة الغربيّة، وكذلك حرب أرض روم التي غزت فيها القوّات القاجارية أراضي العثمانية من الشرق في نفس السنة 1821 متحالفة مع عشائر كردية محلّيّة. لكن، عقب مجزرة الإنكشاريّة فوراً تحالفت قوى الأعداء: بريطانيا وفرنسا وروسيا، وأبادت قوّات البحريّة العثمانية في معركة ناڤارين سنة 1827.

عساكر منصورهٔ محمديه عقب واقعه خيريّه سنة 1826
عساكر منصورهٔ محمديه عقب واقعه خيريّه سنة 1826

الحرب المصرية-العثمانية الأولى

الهزيمة الكبرى عقب معركة ناڤارين سنة 1827 دفعت روسيا لمتابعة حربها على العثمانية سنتي 1828-1829 وهي التي أرادت الانتقام لإبادة حلفائها الإنكشاريّين. وطمعت بسحب البلقان كلّه من يد العثمانية. فعادت بريطانيا وفرنسا، ومعهم الحكومة العثمانية، يطلبون من السلطان محمود الثاني التفاوض على أي اتّفاقيّة توقف هذه الحرب، فقد تجرّ العثمانية إلى الاستسلام الكامل، ما يعني سقوط نفوذها المتوسّطي كلّه في يد الإمبراطورية الروسيّة.

هذه الأحداث ساقت فرنسا لاحتلال الجزائر سنة 1830، بتراض مع بريطانيا، وكانت الجزائر وتونس أطراف في معركة ناڤارين إلى جانب العثمانية وحلفاء في وجه البحريّة الروسيّة. وبهذا خسر السلطان محمود الثاني أي قوّات بحريّة حليفة في البحر المتوسّط، ما ساق به إلى توقيع معاهدة القسطنطينيّة سنة 1832، وهي الاتّفاقية التي اعترفت لبريطانيا باستقلال اليونان، واقرّت بتخلّي العثمانيّة عن أي علاقات وارتباطات لها في شمال أفريقيا، حتّى مع السلطنة الشريفة (المغرب).

وقبل توقيع معاهدة القسطنطينيّة بعام واحد، قامت قوّات محمّد علي المصريّة سنة 1831 بغزو الممتلكات العثمانيّة، مطالبة بحكم الشام وحلب والزور، بعد أن خسر محمّد علي حكم اليونان (المورة) بموافقة السلطان على التخلّي عنها لبريطانيا. واستمرّت الحرب المصريّة-العثمانيّة عامين ونصف أجبرت السلطان محمود الثاني على طلب الدعم والمساندة من روسيا! التي كانت تقصف القلاع العثمانية قبل عامين فقط. وفعلاً ساهمت روسيا بقوّاتها لصدّ جيش محمّد علي عن التقدّم شمالاً ما بعد قونية.

وكان محمّد علي قد عرض مشروع التمدّد على الشام وحلب عقب معاهدة بخارست سنة 1812، وطلب الدعم البريطاني لتحقيقه، حماية للمنطقة من التوسّع الروسي. لكن، خشيت بريطانيا من ميلاد دولة مصريّة جديدة فماطلت بتجاوبها مع مخطّط محمّد علي، الذي انشغل بحروب مع المماليك والوهّابيّين وتدخّلات شركة الهند الشرقية EIC في شبه الجزيرة العربيّة. ثمّ، جاءت سنة 1831 وخسارة الجزائر وتسليم القوّات المصريّة لقواعدها في المورة للقوّات الفرنسيّة؛ حافزاً لمحمّد علي للشروع بتنفيذ المشروع.

هذه الحرب أجبرت السلطان محمود الثاني على توقيع معاهدتين سنة 1833، الأولى يعترف بها بالحكم الذاتي المصري ويعترف لمحمّد علي ولأبنائه بحكم مصر والسودان وكريت والحجاز والشام وحلب والبادية من شبه الجزيرة العربية (الدرعية وشمّر)، ولم يبق للعثمانية من بلاد العرب هكذا سوى العراق واليمن. أمّا المعاهدة الثانية فهي معاهدة هنكار إسكله سي، معاهدة دفاع مشترك ما بين روسيا والعثمانية، وضعت القواعد العسكرية العثمانية جميعاً في خدمة القوّات الروسيّة.

تداعيات معاهدة هنكار إسكله سي، وخوف بريطانيا وفرنسا من نهضة إمبراطورية عربية بديلة عن الإمبراطورية العثمانية، ساقت إلى الحرب المصرية-العثمانية الثانية.

خريطة خديويّة محمّد علي سنة 1840
خريطة خديويّة محمّد علي سنة 1840

الحرب المصرية-العثمانية الثانية

سنة 1829 ولدعم مشروعه بالتمدّد على العثمانية، قام محمّد علي بفتح صفحة جديدة من العلاقات الجيّدة مع فرنسا وأهداها مسلّة الأقصر، التي وصلت پاريس في نفس السنة التي وُقّعت فيها معاهدة 1833 ما بين محمّد علي والسلطان محمود الثاني. هذه العلاقات تطوّرت إلى تقارب في كلّ المجالات، لا سيّما وأنّ فرنسا وباحتلالها الجزائر صارت جارة أفريقيّة داخل المجال المصري. هذا التقارب أرعب بريطانيا وروسيا.

سنة 1839 تحالفت بريطانيا والنمسا وروسيا وألمانيا (پروسيا) مع السلطنة العثمانية لطرد القوّات المصريّة من جزيرة العرب. فقامت مصر بدعوة القوّات الفرنسية والإسپانية للمساعدة على صدّ هذا التحالف.

انتهت هذه الحرب في العام التالي بتقاسم فرنسا وبريطانيا للأراضي التي كانت تحت إدارة مصر محمّد علي. ولو أنّها رفعت الراية العثمانية. غير أنّ الواقع أنّ العثمانيّة خسرتها منذ اجتاحها محمّد علي ولم تعد إليها سلطتها أبداً بعدها. وبهزيمة القوّات المصريّة انسحب محمّد علي من كريت وقبرص وحلب والشام والحجاز وكل شبه الجزيرة العربيّة. بينما خرجت روسيا وإسپانيا والنمسا والعثمانيّة من اللّعبة خاليات الوفاض.

وبموجب هذه الحرب صارت القواعد العسكرية في كلّ من: نزيب في حلب، وطرطوس وبيروت وصيدا وعكّا في الشام، وجدّة في الحجاز، قواعد للقوّات البريطانيّة والفرنسيّة، تحت الراية العثمانيّة.

وبنتيجة هذه الحرب، اشتغل السلطان عبد المجيد الأوّل بمساعدة مستشارين فرنسيّين على صياغة قانون التنظيمات الخيريّة، الذي تحمل مراحله رسمياً اسميّ {خط الكلخانة الشريف – خط همايون}. ورغم أنّ هذا القانون قد حوّل العثمانية من دولة دينيّة إلى دولة مواطنة عادلة، غير أنّه أسّس لظهور المتصرّفيّات والولايات، وأطلق يد فرنسا وبريطانيا تتقاسمان إدارة العثمانية وفق مصالحهم.

بموجب نتيجة الحرب المصريّة-العثمانية الثانية. بالأزرق المناطق التي صارت تحت تصرّف فرنسا وبريطانيا تحت الراية العثمانية. وبالأخضر المناطق التي صارت مملكة محمّد علي.
بموجب نتيجة الحرب المصريّة-العثمانية الثانية. بالأزرق المناطق التي صارت تحت تصرّف فرنسا وبريطانيا تحت الراية العثمانية. وبالأخضر المناطق التي صارت مملكة محمّد علي.

استيلاء بريطانيا وفرنسا على إدارة السلطنة العثمانية

اعتُمد الخطّ الهمايوني سنة 1856 ولم يكن بمقدور السلطان العثماني إلغاءه ولا تغييره الا بموافقة فرنسا وبريطانيا. واستهدفت القوّتين من هذا القانون وبشكل أساسي حرمان الدبلوماسيّة الأجنبيّة، والروسيّة خاصّة، من آيّة ذريعة للتدخّل في شؤون الامبراطوريّة العثمانية. وصارت الدبلوماسيّة الفرنسيّة والبريطانيّة هكذا من الإدارة المحلّيّة داخل السلطنة، وليست أجنبيّة.

وكان خط همايوني قد أسّس لنظام القضاء المدني في السلطنة العثمانيّة، فسحب بساط القضاء من تحت المحاكم الشرعيّة، وتحوّل بالمحاكم في أراضي إيالتيّ حلب والشام إلى تعيين قُضاة أوروپيّين، لا ارتباط لهم بالشرع الإسلامي. فأدّى الازدواج في المحاكم وفي القانون، إلى نوع من الخلط والاتّجاه إلى الغرب والتشريعات العَلمانية في بلاد الشام.

عاد خط همايون بالفوائد الجمّة على فرنسا وبريطانيا، إذ توطّدت علاقات وثيقة بين الطوائف المسيحيّة العربيّة مع بعثتيهما الدبلوماسيّتين في المشرق، كما أنّ الطوائف الكاثوليكيّة والپروتستانتيّة اتّخذت موقفاً مؤيّداً ومتعاطفاً مع الخطّ الهمايوني، الذي ركّز على المساواة بين الأديان والمذاهب المختلفة. مع ذلك أثار خط همايون مخاوف فئة التجّار المرابين من الطوائف المسيحيّة، التي تردّدت من على منابر وندوات جمعيّاتهم على شكل مطالب وتوقّعات، أثارت حفيظة الفرنسيّين. لأنّ عدالة مواطنة خط همايون تسلب التجّار احتكار طوائفهم والتحكّم بتجارتها.

بدأ من سنة 1860 بدأ تقسيم الإيالات العثمانية إلى متصرّفيّات تديرها شركات فرنسيّة أو بريطانيّة، ثمّ سنة 1864 ضغطت بريطانيا على العثمانية لإصدار قانون الولايات المركزيّ، الذي ألغى الكثير من صلاحيّات الإيالات وامتيازاتها الذاتيّة، وحوّلها إلى ولاية منوطة بوال يعيّنه السلطان بشكل مباشرة. هذا القانون منح بريطانيا وفرنسا تحكّماً أكبر في الاقتصاد العثماني بواسطة حصر منح الامتيازات بمكتب الباب العالي فقط. وهو أساساً تحت سيطرة بريطانيا.

ثمّ، ولعزل المؤسّسات الدينيّة عن التعليم، صدر سنة 1869 قانون إصلاح التعليم، فصارت الدولة إلى توحيد المؤسّسات التعليميّة جميعاً على نظام واحد يشمل جميع المراحل من الابتدائية إلى الجامعة، يقوم على التدريس باللّغة التركيّة بدلاً عن الفرنسيّة والإنگليزيّة. مع احتفاظ المدارس في ولايات الشام (سوريه وبيروت والقدس وجبل لبنان) بحقّ التعليم بالعربيّة إلى جانب التركيّة. لكن، هذا القانون نفسه منح البعثات الأجنبيّة حقّ تأسيس المدارس الخاصّة غير الملزمة باتّباع النظام التعليمي الموحّد.

درس اللّغة الألمانيّة في ثانويّة القدّيس گيورگ في القسطنطينيّة. والتي تأسّست عام 1882 على يد لازاريين نمساويين وكانت مخصّصة في الأصل للأطفال الكاثوليك الناطقين بالألمانية الذين يعيشون في الإمبراطورية العثمانية. ثمّ صارت تستقبل طلّاب من كلّ الملل الكاثوليكيّة، ثمّ صار هدفها نشر اللّغة الألمانيّة بين عموم أطفال السلطنة العثمانيّة. والمدرسة لم تزل قائمة إلى اليوم في اسطنبول تحت اسم المدرسة الإيطالية.
درس اللّغة الألمانيّة في ثانويّة القدّيس گيورگ في القسطنطينيّة. والتي تأسّست عام 1882 على يد لازاريين نمساويين وكانت مخصّصة في الأصل للأطفال الكاثوليك الناطقين بالألمانية الذين يعيشون في الإمبراطورية العثمانية. ثمّ صارت تستقبل طلّاب من كلّ الملل الكاثوليكيّة، ثمّ صار هدفها نشر اللّغة الألمانيّة بين عموم أطفال السلطنة العثمانيّة. والمدرسة لم تزل قائمة إلى اليوم في إسطنبول تحت اسم المدرسة الإيطالية.

بريطانيا ومشروع السلطنة العربيّة العلويّة

آل العابد كانوا شركاء بريطانيا في العثمانية، وكانت هذه الأسرة أثرى الأسر العربية في السلطنة تدير حجماً هائلاً من اقتصاد العثمانية عن طريق شركات تأسّست جميعاً بشراكات مع الأسرة الملكية البريطانية، منها حصّة مهمّة في شركة الخط الحديدي الحجازي وحصّة في شركة قناة السويس. حتّى أنّ الكثيرين من الصحفيّين العثمانيّين آنذاك رأوا أنّ أحمد عزّت پاشا العابد هو الحاكم الفعلي للعثمانية مفوّضاً من طرف السلطان عبد الحميد الثاني آل عثمان. لذا بانحياز أحمد پاشا العابد إلى مشروع الدولة العربية العلوية انحازت إليه بريطانيا بالتالي وبدأت تدعمه.

وبالفعل في سنة 1911 وصل مندوب سامي بريطاني جديد إلى مصر هو الإيرل هربرت كتشنر Herbert Kitchener الذي حاول تغيير شكل مؤسسات الخديوية المصرية لتصلح لتصبح سلطنة، فضمّ مجلس الشورى مع الجمعية العمومية في هيئة واحدة تسمّى الجمعية التشريعية، وفي 1914 قام الخديوي عبّاس حلمي الثاني بإصدار قرار إنشاء الجمعية الجديدة وتعيين سعد زُغلُول رئيساً لها.

خوفاً من المشروع الجديد قامت “جهة ما” بمحاولة لاغتيال الخديوي عبّاس حلمي الثاني في أثناء زيارة رسمية كان فيها في القسطنطينية منتصف 1914. أصيب الخديوي لكنّه نجى، ثمّ خلعته بريطانيا عن قيادة مصر نهاية 1914 وعيّنت بديلاً عنه الأمير العلوي حسين كامل پاشا، وتُعرف هذه الإقالة ببداية عهد الاحتلال البريطاني لمصر.

هذه التطوّرات شكّلت خطراً على المشروع العروبي العلوي لكنّها لم تقتله. إذ أنّ بريطانيا لمست من اتصالات الخديوي عبّاس حلمي الثاني في تركيا رغبة بانحيازه إلى صفّ ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، فطلبت منه مغادرة الأناضول فرفض، فأوقعت عليه قرار الخلع. وكانت بريطانيا قد خافت أن يكون الخديوي عبّاس حلمي الثاني قد اقتنع بمشاركة تنفيذ مشروع الدولة العربية العلوية مع ألمانيا رغبة منه باستقلال مصر ومشروعها العروبي عن بريطانيا.

عقب خلع الخديوي عبّاس حلمي الثاني واحتلال مصر سنة 1914 استلم قيادة مشروع السلطنة العربية العلوية في مصر ابنه محمّد عبد المنعم الذي تابع اتصالاته مع أحمد عزّت پاشا العابد وبقي متأمّلاً بالمملكة البريطانية. لكنّ هذه الأخيرة كانت قد سلّمت فكرة النظام العربي إلى مشروع آخر سنة 1916 هو مشروع المملكة العربية الهاشمية المتّحدة وكان على رأس هذا المشروع العقيد الآثاري البريطاني توماس لورنس Thomas Edward Lawrence.

ويمكن قراءة المزيد من التفاصيل في تدوينتي {مشاريع الدولة العربية، من السلطنة إلى الجمهورية}

خريطة مشروع السلطنة العربية العلويّة من سنة 1906 ومشروع المملكة العربية الناصرية
خريطة مشروع السلطنة العربية العلويّة من سنة 1906 ومشروع المملكة العربية الناصرية

بريطانيا ومشروع الاتّحاد الهاشمي

بالرغم من انسحاب الدعم عن مشروع تأسيس نظام عربي للشرق الأوسط، لكنّ بريطانيا ومع ذلك استمرّت في دعم المشروع العربي في مصر. حيث اعتلى عرش مصر حسين كامل، عمّ الخديوي عبّاس حلمي الثاني، وفي عهد حسين كامل صارت مصر سلطنة مستقلّة تماماً عن العثمانية، وصاحبة مشروع مستقل تحت الحماية البريطانية، فأطلق السلطان حسين كامل الإعلام المصري والمؤسّسات التعليمية في الدعوة للقومية العربية والتشجيع على نشر فكرتها. واستمرّ نشطاء الحركة العربية في مصر يهتفون باسم عبّاس حلمي الثاني حتى سنة 1931.

قد تكون المؤسّسات البريطانية قد خافت مشروع السلطنة العربية العلوية بسبب شكوكها اتّجاه عبّاس حلمي الثاني، وقد تكون قد تعرّضت لضغوط خارجية ما لاختيار توجيه الدعم للمشروع الهاشمي بديلاً عن المشروع العلوي، وقد يكون خلاف داخلي وتنافس بين المؤسّسات البريطانية نفسها؛ إذا كانت وزارة الخارجية في صفّ مشروع مصر، بينما كانت المؤسسة العسكرية في صفّ المشروع الهاشمي. لكنّ بريطانيا، في العموم، واجهت أخيراً ضغوطاً ورفضاً من فرنسا وأميركياً وروسياً للمشروع الهاشمي فتركته دون دعم يتداعى تحت أقدام المشاريع الفرنسية والأميركية.

الراية الهاشمية الملكيّة، راية الملوك من آل حسين الهاشميّين
الراية الهاشمية الملكيّة، راية الملوك من آل حسين الهاشميّين

في الخريطة نرى المشروع السياسي للممالك الهاشميّة بناء على مخطّطات الإدارة الإمبراطورية البريطانية لتقسيم الإمبراطورية العثمانية البائدة، عقب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى. ومنعت تنفيذ هذا المخطّط كلّ من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، حيث دعمت واشنطن الرغبة الفرنسية بالحصول على شمال سوريا وطرد الهاشميّين منها، كما دعمت آل سعود تالياً لإزالة كلّ نفوذ هاشمي (بريطاني) من المنطقة العربية.

اشتمل المشروع البريطاني-الهاشمي على تأسيس الدول التالية:

  • بدرجات اللّون الأخضر الممالك الهاشمية المتحالفة:
  • مملكة الحجاز وعاصمتها مكة، وتضم عسير مع الحجاز.
  • مملكة سوريا وعاصمتها دمشق، وتضم حلب والشام وسيناء.
  • مملكة العراق (النهرين) وعاصمتها بغداد، وتضم: البصرة وبغداد وشمّر ومتصرّفية الزور وأغلب ولايات الجزيرة.
  • فلسطين باللّون البرتقالي وعاصمتها حيفا، تحت الإدارة البريطانية المباشرة، مع تشكيل منطقة القدس المفتوحة (بالأصفر) بما يشبه دولة الڤاتيكان اليوم، وتمتدّ من مدينة القدس حتى مدينة يافا على البحر. ونلاحظ أنّ فلسطين آنذاك خُطّط أن تمتد من صور حتى الخليل، بينما تبقى غزّة من سوريا.
  • جبل لبنان باللّون الأزرق وعاصمتها بيروت، دولة مسيحيّة تحت النفوذ الفرنسي، وتضم معلولا كمزار مقدّس على جبال القلمون الشاميّة. بالإضافة إلى وادي النصارى. ونلاحظ أنّ طرابلس تبقى من سوريا.
خريطة مشروع الاتّحاد الهاشمي سنة 1916
خريطة مشروع الاتّحاد الهاشمي سنة 1916

آل العابد، من قيادة السلطنة العربية إلى تأسيس سوريا العربيّة

فشل مشروع السلطنة العربية العلوية دفع آل العابد وشركاتهم لمقاطعة مشروع الهاشميّين و”الثورة العربية الكبرى“. لكن، بعد تنصيب فيصل بن الحسين ملكاً على دمشق دعمه آل العابد فعيّن الملك الهاشمي ابنتهم نازيك العابد على رأس جمعية النجمة الحمراء، ولأجلها منحها يُوسُف العظمة رتبة نقيب في جيش المملكة السورية، وعيّنها فيصل على إدارة مدرسة لبنات الشهداء في دمشق، كما دعمت زوجة فيصل حَراك نازيك النسائي الذي أفضى إلى تأسيس النادي النسائي الشامي سنة 1920، وهو الذي عقد أوّل مؤتمر نسائي دولي في دمشق بينما كانت تحت الانتداب الفرنسي.

بعد إفشال بريطانيا لمشروع السلطنة العربية العلوية شرع أحمد باشا عزت العابد بتعزيز شراكاته التجارية مع شركة الهند الشرقية EIC واشتغل في تجارة الهند وامتلك فرعاً لمؤسّسته في الجُزر الفيليپينية. ثمّ دعاه الجنرال الفرنسي هنري غورو Henri Gouraud للعودة إلى دمشق سنة 1920 واستُقبل استقبال الرؤساء، وأنشأ شبكة من المشافي والعيادات الطبية ودور الأيتام في دمشق، ثمّ توفّي في القاهرة سنة 1924.

قُبيل وقوع سوريا تحت الاحتلال الفرنسي، موّل آل العابد انعقاد المؤتمر السوري العام سنة 1919 وعُقد في منزل العابدية الموجود اليوم على ساحة المرجة في دمشق. ثمّ دعم محمّد علي بن أحمد عزّت پاشا العابد؛ الدكتور عبد الرحمن الشهبندر عام 1925 لتأسيس حزب الشعب السوري، الذي اتّخذ من المبنى ذاته مقراً لرئاسته وبقي فيه حتى سنة 1958، سنة حلّ الأحزاب السورية. وبعد تشكيل الجمهورية السورية سنة 1931 سمحت فرنسا بإجراء أوّل انتخابات رئاسية حرّة ففاز فيها محمّد علي العابد ليصبح أوّل رئيس منتخب للجمهورية السورية. وكان قبلها منقطعاً عن الاشتغال العلني في السياسة منذ 1925. لكنّ دعم الرئيس الوطني الداماد أحمد نامي رجّح أصوات النوّاب السوريّين إلى كفّة محمّد علي العابد وحزب الشعب. والداماد صهر السلطان عبد الحميد الثاني.

بعد انتخابه أعاد الرئيس محمّد علي العابد العمل براية المملكة السورية راية للجمهورية؛ مع تعديل بسيط حوّل فيه المثلّث الأحمر إلى ثلاث نجمات تمثّل أقاليم الاتّحاد السوري الثلاث (عواصم الجمهورية السورية) دمشق وحلب ودير الزور. وكان قصر آل العابد في حي ساروجة الدمشقي هو أوّل قصر للجمهورية السورية، بقيت إدارة مكتب الرئاسة فيه إلى أن انتقلت إلى قصر المهاجرين وقد اكتمل بناؤه.

راية الاتّحاد السوري التي اعتمدها الرئيس محمّد علي العابد وحزب الشعب السوري
راية الاتّحاد السوري التي اعتمدها الرئيس محمّد علي العابد وحزب الشعب السوري
راية الاتّحاد السوري التي اعتمدها الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان.
راية الاتّحاد السوري التي اعتمدها الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان.

كل هذه العائلات والأحزاب استهدفها جمال عبد الناصر في فترة حكمه لمصر وسوريا، ودمّر قواعدها السياسية والاقتصاديّة في البلدين.

المشيخة الناصريّة والأمل بحكم العراق مملكة ناصريّة

في أثناء الحرب العالميّة الأولى وعلى موازاة المشروع الهاشمي، نادت الناصريّة بالقوميّة العربيّة وبالثورة على العثمانيّة (الألمانيّة) تحالفاً مع بريطانيا، أملاً بالتوسّع في ولاية البصرة وحكم العراق، فصارت منبراً عروبيّاً لعرب الخليج، ودعمت وموّلت الكثير من الأنشطة السياسيّة العروبيّة في المنطقة، كما أنّها استضافت قِوَى المعارضة البغدادية للحكم العثماني، كالحركة القحطانيّة، بعد انشقاقها واستقرار جمعية العهد في دمشق.

راية مشيخة بني كعب الناصرية حتّى آخر أيّامها، ونلاحظ ولاءها للخلافة العثمانيّة باستعمال رمز القسطنطينيّة على الراية.
راية مشيخة بني كعب الناصرية حتّى آخر أيّامها، ونلاحظ ولاءها للخلافة العثمانيّة باستعمال رمز القسطنطينيّة على الراية.

سنة 1925 وأثناء مراحل تأسيس الدولة الپهلويّة وبتآمر مع القوّات البريطانيّة؛ اعتقلت الدبلوماسيّة الإيرانيّة الشيخ خزعل الكعبيّ مع أبنائه على يختهم الخاص واختطفتهم، ثمّ أسرتهم في طِهران، ثمّ أعدمتهم سنة 1936، بينما نشرت قوّاتها في الأحواز وضمّت الناصريّة بشكل نهائيّ إلى إيران. ودعم الهاشميّون هذا التحرّك للخلاص من منافسة الناصريّين على زعامة القوميّة العربيّة.

عقب اعتقال الشيخ خزعل انتفض شعب الإمارة مقاوماً سنة 1925 وقُمع الجيش الإيراني ثورته بعنف، ثمّ تكرّرت الثورة سنة 1928. ثمّ سنة 1936 غيّرت الحكومة الإيرانية اسم الإمارة إلى محافظة خوزستان. ثم تكرّرت ثورات عربية جديدة في الأحواز في 1940 و 1943 و 1945 وقُمعت دائماً بطريقة دموية.

الجدير بالذكر أنّ بريطانيا قدّمت الناصريّة مع نفطها الغزير للحكومة الپهلويّة مقابل توقّف الأخيرة عن التقارب مع الاتحاد السوڤييتي ولمنع الشيوعية في إيران. ومن المهم أن نذكر أنّ العديد من العرب استعملوا مصطلح ”ناصريّ“ بمعنى قوميّ عروبيّ، نسبة إلى هذه الإمارة الناصريّة؛ وقبل عقود من ولادة المصري جمال عبد الناصر.

أخيراً، توضيح على الهامش

جيش الإنكشارية الذي كان عماد جيوش السلطنة العثمانيّة ما بين القرنين 14-18 كان في الأساس ممنوع على المسلمين واليهود. وأغلب عناصره من المسيحيين.

المؤسّسة الإنكشارية هي التجسيد العسكري لمؤسّسة الدوشیرمه التي أسّسها السلطان اورخان غازی في القرن 14. وطالما كان أغلب سكّان العثمانية آنذاك من المسيحيّين وأغلب حروبها مع مسيحيّين فقد مُنح الأسير المسيحي حقّ التحرّر بلا قيد إذا خدم في قوات الدوشیرمه. ومن بعدها صارت عائلات وعشائر الروم تمنح أحد بنيها للدوشیرمه لكي يكون لهم رجل من العسكر فيما بعد. وعليه فقد كانت قوّات الدوشیرمه من المسيحيّين الألبان والرومان والبلغار والكروات والإغريق والصرب، والروم من مواطني سلطنة الروم الإسلاميّة السابقة للعثمانية.

أطلق الوزير الأوّل علاء الدين پاشا وزير السلطان أورخان تسمية الإنكشارية (یڭیچری) على قوّات مؤسّسة الدوشیرمه، بمعنى الجيش الجديد، لأنّه كان أوّل تنظيم للجيش العثماني يغيّر ميراث سلطنة الروم والسلاجقة.

سنة 1608 تحالف العثمانيّون مع تركمان يورير البكتاشيّين فضمّوا أضنة إلى السلطنة مع تعهّد منح قيادة قوّات الإنكشارية (يڭيچرى) لليورير فأسّسوا قيادة جديدة وصارت كلّها بكتاشيّة. والبِكْتاشيَّة هي طريقةٌ صوفيَّة تُرْكيَّة تُنْسَب إلى الحاج بِكْتَاش وَلِيّ الذي نشرها في الأَناضول، ثم في ألبانيا. وتعاليمها مُستمدة من تعاليم الشيعة الاثنَي عشرية وتعاليم الطُّرق القَلَنْدَرِيَّة والحَيْدَريَّة والفيثاغوريّة، ومن معتقدات اجتماعيّة بقيت من الدِّيانات القديمة التي دخل فيها الترك قبل إسلامهم كالمانَويّة. وفي عهدهم صارت قوّات الإنكشارية بالوراثة. أي أنّ ابن العسكري الإنكشاري مسيحي الأصل أو البكتاشي يكبر ليصبح عسكري إنكشاري. وتوقّف قَبُول التجنيد من خارج المؤسسة الإنكشارية.

bektashi order
الإعلان
الإعلانات

صورة أفاتار مؤنس بخاري
الإعلانات

تعليقات

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

الإعلانات

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم

%d مدونون معجبون بهذه: