قصّة فتاة مع الانتحار

منشورة كما هي على مدوّنة ليس اختياراً

أقدم والدي على الانتحار في بداية صيف 1993، وكنت حينئذ أبلغ 16 عاماً في فنلندا. كانت سنة دراسيّة عصيبة عليّ آنذاك، حيث لم أستطع التركيز في أيّ شيء. وأثناء الجنازة كنت أبكي تلقائياً، إلّا أنّ الآخرين أظهروا حزنهم وعاطفتهم أكثر مني، وأتذكّر أنّني كنت مصدومة في الفترة الأولى ولكن بعد ذلك ركّزت كلّ جهودي على دعم باقي أفراد العائلة. وفي الدراسة فدائماً ما كنت متفوّقة وما زلت، حيث كنت أحرص على القيام بالأعمال المدرسية على أكمل وجه، وأولي اهتماماً كبيراً بالأنشطة الأخرى، وفي آخر المطاف أصبحت مكتئبة، ولم أتحدّث مع الأخصائي النفسي في المدرسة عن هذه الحادثة إلا وأنا في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية.

كنت محظوظة لأنّي استطعت التحدّث عن وفاة والدي مع أصدقائي ورفيقي على الفور بعد الوفاة، حيث قدّموا لي الدعم الكامل، كما أنّهم حضروا إلى الجنازة ورتّلوا أنشودة أثناء تشييعه. وكان لمواظبتي على الروتين اليومي دوراً فعّالاً للغاية، ومع ذلك لم تتلقّ عائلتي المساعدة من أيّ جهة رسمية، وكلّ ما حدث هو أنّ الشرطة والكاهن أتوا قبل الجنازة، حيث كان هناك العديد من الأصدقاء والأقارب، وأعتقد أنّه كان يجب أن تحظى أسرتنا بالمساعدة من أحد المتخصّصين، وكثيراً ما راودتني الأفكار الغريبة أيضاً في هذه الفترة، وقد جال في ذهني فكرة وهي أنّ أبي انتحر لأنّه اعتقد أنّني عاجزة على الالتحاق بالمدرسة الثانوية.

لعبت المناقشات والإرشاد الأسري دوراً مهمّاً في حياتنا، إلى جانب عدد من الإجراءات العمليّة الأخرى، وبعد مرور فترة على هذا الحادث، فكّرت في ممارسة الرياضة أكثر ممّا مضى، وكان لهذا القرار بالغ الأثر في مواجهة هذه الأزمة، ولكن بعيداً عن ذلك، تعلّمت العزف على الپيانو وعكفت على هذا النشاط حتّى يومنا هذا.

أخذتْ والدتي إجازة مرضيّة لبعض الوقت بعد هذا الحادث. وأظنّ، حاليّاً، أنّ الإجازة المرضيّة يمكن أن تمتدّ فترة أطول. وانقطعت أسرتنا عن العالم الخارجي لفترة ما، وعانت والدتي كثيراً بسبب اختلاط الأدوار، وأعتقد أنّ هذا أمر شائع في مثل هذه الظروف، ومنذ تلك اللّحظة أدركت أنّ حياتي بدأت في التدهور، وليس هناك من يقدر على إيقاف تدهورها، ولكن انتابتني مشاعر المثابرة والإرادة لكي استكمل دراستي مرّة أخرى وأعود إلى المدرسة.

كان لِزاماً عليّ أن أتولى بعض المسؤوليات، وأتذكّر أنّ تمرّدات المراهقة سبّبت لي العديد من المشاكل مع والدتي، ونتيجة لذلك ذهبتُ بالفعل إلى أحد المختصّين، ولسبب ما، لم تناقش أسرتي انتحار والدي تحت إشراف أخصّائيّ مطلقاً، ولو قمنا بمثل ذلك الإجراء لعاد الأمر على أسرتنا بالنفع الكبير، حيث إنّ التحدّث بيننا كعائلة لم يكن مُستحبّاً أو بنّاءً.

لا أتذكّر أيّ شيء يتعلّق بذهابي إلى الأخصّائي النفسي في السنة النهائية من المرحلة الثانوية بمساعدة ممرّضة المدرسة، ولا أدري كيف حدث ذلك، على أيّ حال، كنت مستاءة حقّاً في تلك المرحلة، وكان الأخصّائي النفسي إيجابيّاً معي، وساعدني التحدّث معه كثيراً. وبعد المرحلة الثانوية ذهبت إلى الخارج لاستكمل دراستي، ولكنّي لست متأكّدة إذا كان ذلك القرار جيّدا أم لا في تلك المرحلة، إذ أنّ الانتقال إلى بلد جديد دائماً ما يتسبّب في أزمة، كما أنّه يجعل الفرد يفكّر بعمق في حياته السابقة ويحاول أن يجد ذاته بشتى الطرق.

كان أبي متعّهد أعمال، ولكنّه كان مدمن للعمل، وعندما كان صغيراً كان يعاني من بعض مشاكل الإسراف في شرب الخمور، ولكنّه استبدل تلك الفكرة بفكرة أنّ العمل هو الشيء الوحيد الذي يستحقّ التعب من أجله، ولقد عمل بشكل مفرط لدرجة أنّ العمل استحوذ على كلّ تفكيره، وأعتقد الآن أنّه كان يجب علينا أن نقوم ببعض الأمور معاً كعائلة، وبكلّ تأكيد سافرنا إلى أماكن أخرى معاً، ولكن ما أعنيه هنا أنّنا كان يجب أن نتحدّث معاً أكثر من ذلك، إلّا أنّه كان وحيداً للغاية.

أعتقد أنّني صرت قادرة على التعامل مع ذلك الموقف بطريقة ما في مرحلتي العمْريّة، فعندما تكون في منتصف العمر، غالباً ما تصير الحياة أكثر مللاً، حيث تقوم بالأمور الحياتية المعتادة، كما يمكن أن تكون مشاكل المراهقين مُرهقة أحياناً، ولكن كانت الشركة ونجاحها هي أهمّ ما يدور في فكر والدي، ومن وجهة نظري، اعتقد أنّ هذا التفكير لا يمكن أن ينتج من عوامل خارجية، ولكن يجب على المرء أن يجده في أماكن أخرى، ومن ثمّ يتعلّم طريقة التعايش مع كلّ خيبات الحياة وأزماتها بكلّ بساطة، ومن المهمّ أن نكون قادرين على الاستمتاع بلحظات السعادة والفرح في الحياة حتّى ولو كانت قليلة. وكما أذكر أنّ وضعنا المالي لم يكن سيئاً بدرجة كبيرة، وعلى الرغم من إفلاس شركتنا، إلّا أنّنا لم نخسر ممتلكات كثيرة كالمنزل، ومع ذلك تحمّلت أسرتي كلّ الديون بعد وفاة أبي.

في مرحلة ما، درست نظريّة الانتحار لإميل دوركايم، وهذا ما دفعني إلى التفكير بأنّ الفشل يمكن أن يصبح عبئاً ثقيلاً على الفرد في فنلندا، حيث يمكن أن يبقى البشر معاً في لحظات التفوّق والنجاح، أمّا الفشل والأعباء فلا يتحمّلها إلا الشخص بمفرده، ولكنّي أعتقد أنّ البشر عليهم أن يشجّعوا أحدهم الآخر وأن يشاركوا بعضهم البعض عندما يتعرضون لخيبة أمل.

يمكن أن يكون تقبّل الوفاة الطبيعية أو الناتجة عن حادثة سيّارة أمراً سهلاً. على سبيل المثال، كسبب لوفاة الشخص، ولكن إذا أقدم أحد المقرّبين منك على الانتحار، دائماً ما تبدو فكرة طلب المساعدة في غاية الصعوبة، حيث يشعر المرء بمختلف أنواع الذنب والخجل، وغالباً ما يزال الانتحار شيئاً يُمنع التحدّث فيه في فنلندا، ولكن لحسن الحظ، تمّت مناقشة العديد من هذه الأفكار في الألفيّة الثانية.

صرت الآن أعرف أنّ أبي كان مكتئباً في مرحلة ما، وأنّه على الأرجح توفّي لذلك، ولكنّي أعتقد أنّ الحصول على مساعدة للعلاج من الاكتئاب كان أمراً في غاية الصعوبة في ذلك الوقت، حيث كان على المرء أن يُظهر أنّ كلّ الأمور تسير على ما يرام. ولكن، منذ ذلك الحين أصبحت مناقشة الاكتئاب وأسبابه ونتائجه أكثر من ذي قبل، حيث أتذكّر مقابلات Tellervo Koivisto، على سبيل المثال، وأتذكّر أنّي أحببتهم بشدّة.

في النهاية أودّ أن أوجّه كلامي إلى كلّ العائلات التي تمرّ بحالات مشابهه لحالتي، لا يجب أن تنسحبوا أكثر ممّا يجب. ويجب أن تجدوا الطريقة التي تناسبكم لكي تتعاملوا مع هذه الظروف، سواء كان بالكلام أو اللّعب أو ممارسة الرياضة، ومن الضروري أن تجدوا شخصاً مقرّباً منكم تستطيعون أن تخبروه بأفكاركم كلّها بما فيها الأفكار المظلمة والسوداويّة، كما يجب أن تستخدموا دعم الأقران في أقرب وقت ممكن بعد الوفاة، وأهمّ شيء هو أن تتذكّر أنّه في حالة انتحار أحد المقرّبين منك، فكن واثقاً تماماً بأنّ هذا الشخص بحاجة إلى وجود آخر بجانبه، فدائماً ما تُجدي فكرة البحث عن الدعم.“

المصدر

شارك برأيك