النوروز أقدم الأعياد الإنسانية

نوروز

اليوم سأحكي حكاية النوروز، هذا العيد العتيق الذي تحاول القوميّات المختلفة كلّ منها اقتناصه لصفّها، وبداعي الاحتكار وكعادة القوميّين، اخترع كلّ منهم أسطورة تلائم العشيرة وتنسب منبع هذا العيد العتيق إلى بطل قومي مفترض. لكن في هذه التدوينة سأقف على الوقائع الثابتة تاريخيّاً إلى جانب حيثيات اليوم المعاصر.

في عصرنا الراهن تحتفل أغلب قارة آسيا بعيد نوروز، من القسم المسلم من الصين شرقاً وحتى تركيا غرباً، بالإضافة إلى الجماعة البهائية في الولايات المتحدة الأميركية. قبل المسيحية والإسلام اتسع انتشار رقعة احتفالية النوروز حول العالم لتشمل نصف أوروبا الشرقي بالإضافة إلى شرق وشمال أفريقيا، مع معظم قارة آسيا باستثناء الأقوام الصينية. لكن احتفالات هذا العيد وصلت حتى إندونيسيا وجزر جنوب شرق آسيا. كما ثبت احتفال شعوب شمال وجنوب أميركا الأصليين بيوم نوروز دون استعمال نفس التسمية كشعوب الپيرو وبوليڤيا والمايان جنوب المكسيك، ببساطة احتفلت بالنوروز كل الشعوب التي عبدت الشمس قديماً وبذات الطقوس تماماً.

في الواقع بدأ الاحتفال بعيد نوروز في الشرق الأوسط قبل نحو 4000 سنة، وقد يكون أقدم الاحتفالات الإنسانية التي لم تزل حيّة حتى اليوم. النوروز هو الاحتفال بالاعتدال الشمسي حين يتعامد مركز قرص الشمس مع خط الاستواء الأرضي. والتسمية معناها ببساطة “يوم جديد” أو “رأس جديد” أي رأس السنة. (نو = جديد) و(روز، روس، روش = رأس).

من طقوس احتفالات أكيتو، احتفال “القمر الجديد” في بابل قبل 4000 سنة

يوم بدأ الاحتفال بطقوس عيد نوروز في بابل قبل نحو 4000 سنة كان يسمّى باللّغة البابلية “نَوَسَرده” التي تعني حرفياً “سنة جديدة”، حين انطلق الاحتفال بعيد الاعتدال الشمسي مع اختراع السنة الشمسية البابلية كتقويم للفلاحين، في وقت بدأ اقتصاد الدولة يعتمد على الشمس أكثر فأكثر نتيجة للاعتماد على الزراعة. يفترض بعض المؤرخين الاحتفال بيوم الاعتدال الشمسي في جنوب العراق قبل اختراع التقويم الشمسي. من حيث المنطق الفكرة جائزة لكن لا دلائل أثرية عليها حتى اليوم. بكل حال، اعتمدت حكومة بابل يوم نوروز “نَوَسَرده” رأساً للتقويم وبداية لسنة جديدة، ما جعله عيداً تحتفل فيه الناس وبطقوس دينية احتفالية.

كانت طقوس بابل يوم نَوَسَرده تقوم على احتفال الناس ببركة الإله الشمس “سوريا” من خلال التبرّع بأطباق القمح المنبّت إلى معبد الشمس الرئيسي في المدينة، ومن ثمّ يحتفل الناس جميعاً بأكلها مع الرهبان بينما يقوم الفريق الأخير بإنشاد الأناشيد والتراتيل الدينية. في الواقع بدأ احتفال الفلاحين بيوم الشمس مع أول مظاهر نبت حبات القمح المبذورة في الأرض.

اعتماد بابل لاحتفالية “نَوَسَرده” نشر طقوسه الاحتفالية حيثما حكمت بابل، ومع انتشار ديانة الشمس انتشر معها النَوَسَرده حيثما توجه الناس في صلواتهم صوب مشرق الشمس، محوّرين اسم العيد لاحقاً من “نَوَ-سَرده” إلى “نَوَ-روس” بمعنى (رأس جديد) كما نقول اليوم “رأس السنة” بدلاً عن “السنة الجديدة”.

مع قيام الأسرة الأخمينية بتوحيد الامبراطورية الأسورية (امبراطورية مشرق الشمس) ومنذ اعتمدوا الشريعة البابلية شريعة للامبراطورية الأسوريه كلّها، حوّل الأخمينيّون عيد النَوَروس من عيد محليّ إلى عيد دولي بتشريع الاحتفال به على جميع أرضي الامبراطورية الأكبر في تاريخ العالم القديم، سيّما وأنّ نظام المواطنة الأخميني ارتبط وثيقاً بالزراعة والأرض الزراعية، فتقدّس مع النظام الأخميني كل ما يرتبط بالأرض ومزارعيها. عادات الأخمينيّين نشرت العيد باسمه في معظم أرجاء العالم القديم حيثما وصل تجّار الأخمينية من شرق آسيا حتى غرب البلقان وجنوب إيطاليا.

رسم متخيل لقاعة أپدانه قبل أن يحرقها الإسكندر

نقل الأخمينيون مركز الاحتفال العالمي بالنَوَروس من بابل إلى سوسه بغرض إخراجه من المعابد وتحويله إلى عيد علماني، فبنى ملوك الأسرة الأخمينية مبناً ضخماً مكرّساً لعيد الشمس يسمّى قصر قاعة المئة عمود (أپدانه) رغم بقاء العاصمة الأخمينية في بابل، وخلال تلك الفترة وبسبب اختلاف اللهجات تحوّل اسم العيد من النَوَروس إلى النَوروز. وبالفعل خرج النوروز من معابد الشمس فتبنّته الشعوب على مختلف أديانها، لكنّ تقليداً بابلياً واحداً بقي مرتبطاً وبحدّة بهذا العيد، حيث لا يكرّس الملك البابلي الجديد، وحتى أثناء العهد الأخميني إلا أثناء الاحتفالات بعيد نوروز في قصر قاعة أپدانه.

مع الممالك الإغريقية لاحقاً استمرّت احتفالات النوروز وانتشرت حتى إيطاليا كلّها وإسبانيا وجنوب فرنسا، لكن تبدّلت الأسماء والمواعيد مع الممالك المختلفة، إلا الامبراطورية السلوقية التي حافظت على ذات التسمية وأعادت مركز الاحتفال بالنوروز إلى مدينة بابل مع اعتراف السلوقيين بالبابلية ديانة ثانية للدولة، مع تقويمها إلى جانب التقويم السلوقي الإغريقي. بينما ارتبط النوروز في مصر البطلمية بالسمك المملّح سرياً على عادات إغريقية ومبتعداً عن القمح ليتغير اسمه إلى عيد “شمو”.

مع انتشار المسيحية في الامبراطورية الرومانية وانتقال العاصمة إلى القسطنطينية انحسر الاهتمام باحتفالية النوروز في أوروبا مع انتشار الثقافات الجرمانية والرومية، واختفى تماماً فيم بعد مع انتشار الكاثوليكية، ثمّ منعت الكنائس احتفالات النوروز على المسيحيّين بشقّيها الشرقي والغربي، عدا مصر التي قرنت عيد شمو بالمسيحية ليصبح عيد الفصح القبطي.

أمّا في آسيا فقد حافظت الشعوب التركية والفارسية والجنوب آسيوية على طقوس النوروز كما هي، كما اعترفت به الدولة الساسانية عيداً رسمياً باعتباره اليوم الأول للسنة الفارسية، تماماً كما تعتبره الشعوب الكوردية اليوم رأساً للسنة الكوردية. وفي حين أخرجت الأخمينية النَوَروز من المعابد لعلمنته، ساهمت بغير قصد بإدخاله في طقوس الديانة الزردشتية، فجعلته الدولة الپارثية ثمّ الساسانية بعدها عيداً مقدّساً من طقوس الزرادشتية والمجوسية معاً.

بينما استمرّت شعوب وسط آسيا بالاحتفال بالنوروز على ذات الطقوس البابلية منذ أسّست بابل مدن الصُغد كمستوطنات بابلية وراء النهر وحتى اليوم، تتشارك أكل القمح المنبّت فجراً في البيوت بينما تصنع من عصارته السُملك (دبس القمح) في وسط القرية (عوضاً عن قاعة معبد الشمس) الذي يقدّم مع خبز القمح الكامل، ما يعني أنّ النوروز لم يزل مرتبطاً بالقمح في كلّ طقوسه.

بعد انتشار الحكومات الإسلامية مُنع على المسلمين الاحتفال بطقوس النوروز من قبل رجال الدين، فانحسرت احتفالاته في آسيا بالأقليات الزرادشتية والتنگرية والشامانية فقط رغم احتفال الحجاج بن يوسف الثقفي بالنوروز. هكذا حتى العصر العباسي حين أمر الخليفة المتوكّل باعتماد النوروز عيداً رسمياً وعطلة ملكية في عموم البلاد فعادت احتفالات النوروز بين مسلمي الشرق، دون دخولها المساجد، وكان يُحتفل به في 17 حزيران يونيو.

مع التوسّع المُنگولي (المغولي) وتأسيس الامبراطورية المُنگولية حافظت الأنظمة المنگولية على طقوس النوروز وسمحت به عطلة رسمية كما تبنّته لاحقاً الأنظمة المنگولية الإسلامية ليُحتفل به في قصور الملوك والأمراء.

الاحتفال بالنوروز في عمارت چهل ستون في اصفهان

استمرّت الدول الإسلامية الشرقية اللاحقة بالاحتفال بالنوروز في آسيا بينما منعته الدول الإسلامية الغربية في أوروبا وأفريقيا (الأموية وما بعد الفاطمية)، خلال عهد الدولة الفاطمية احتفلت الخلافة الفاطمية بالنوروز باسم “النيروز القبطي” لكنّه تحوّل في قصر اللؤلؤة (مقر الخلافة) في القاهرة إلى عيد لمثليّي الجنس والمخنّثين فمنعته الدولة الأيوبية وبعدهم المماليك حتى عاد مع العثمانيّين بصفته الآسيوية، وبعد الأسرتين العثمانية والعلوية حافظت مصر على النوروز باسم عيد “شمّ النسيم” بتغيير موعده العثماني إلى موعد عيد الفصح القبطي المرتبط بالسمك المملّح وبيض الدجاج بديلاً عن القمح.

وكان النوروز كذلك عيداً معتبراً وعطلة رسمية في عهد الدولة العثمانية التي سمحت بعودة احتفالات النوروز إلى مناطق البلقان المسيحية بعد منعه مسيحياً لعدة قرون، وكان لزاماً على كلّ والٍ في آخر مراحل العثمانية أن ينظّم احتفالية مساء اليوم السابق للنوروز في الساحة المقابلة لدار الولاية، تُعلّق فيها السجاجيد على الجدران وتُرفع فيها أناشيد الطرب، بغضّ النظر عن ديانة الوالي وشعوب ولايته.

أما الشعوب الشرق أفريقيّه التي تتحدّث السواحيليه فتحتفل بالنوروز ومنذ ما قبل الإسلام باسم “النيروزى”، وتعتبره اليوم عيداً إسلامياً إلى جانب عيدي الفطر والأضحى.

في عصرنا الراهن ومنذ القرن التاسع عشر. الحكومات القومية والسلطات السوڤييتية وقبلها سلطات الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، منعت احتفالات النوروز في جميع مناطق نفوذها حول العالم، كما فعلت الصين، فلم يبق خلال القرن العشرين إلا إيران وحدها تحتفل رسمياً بعيد النوروز كرأس للسنة الإيرانية، ما بين الحرب العالمية الأولى وسنة 1990.

في الهند لم تزل الحكومة تعترف بالنوروز كأحد أعياد الأقلية المسلمة في البلاد، ويُعتبر يومه عطلة رسمية في الولايات الهندية المسلمة، حيث يحتفل المسلمون الهنود بالنوروز بأكل حلويات الپنجيري المصنوعة من طحين القمح الكامل والسكّر والسمن والفواكه المجفّفه والمستكه (المسكه). بينما وقبل الاحتلال البريطاني كانت الحكومة الإسلامية لامبراطورية المُغال الهندية تحتفل بالنوروز طيلة 19 يوم من الأبهة والبهجة، وتعتبره أحد الأعياد الإسلامية الأربعة.

لاحقاً ومع انهيار الاتحاد السوڤييتي عادت إلى الاعتراف بالنوروز جميع دول وسط آسيا والقوقاز وأكرانيا واعتمدته عطلة رسمية. أخيراً وسنة 2010 أضافت اليونسكو عيد نوروز إلى قائمة التراث الإنساني غير المادي للمحافظة على طقوسة وعاداته بين الشعوب كأقدم عيد لم يزل حياً بصفة علمانية بين 300 مليون على الأقل من شعوب العالم، حيث لا يرتبط النوروز اليوم بأيّ من أديان الشعوب التي تحتفل به. وفي جلسة شباط 2010 اعترفت منظمة الأمم المتحدة بالنوروز يوماً دولياً بتاريخ 21 آذار مارس من كل عام.

من احتفالات النوروز في أوزبكستان

1 Comment

شارك بالمناقشة