السوسن تاج الأنوثه

زهرة السوسن

سوسن الجولان Iris Hermona هي أحد أربعين نوع من أنواع السوسن السوري المنتشره على شرق المتوسط، من ضمن حوالي 300 نوع مختلف من السوسن حول العالم، إذن تنتشر أنواع السوسن وبشكل طبيعي في عموم آسيا وأوروپا وأميركا الشماليه ومن أصل نباتات هذه المناطق الواسعه.

 سوسنة الجولان السوري، وتنتشر برّيّاً في مثل هذا الوقت من كلّ عام معلنة حلول فصل الربيع.
سوسنة الجولان السوري، وتنتشر برّيّاً في مثل هذا الوقت من كلّ عام معلنة حلول فصل الربيع.

قدّس الناس زهرة السوسن في عموم العالم، إذ كما تقدّست في منشوريا ووسط آسيا والشرق الأوسط، كذلك كانت مقدّسة وذات اعتبار رمزي للأميركيّين الأصليّين في قارّة أميركا الشماليه وعلى غرب شمال الجنوبيّه.

اعتبر السوريّون قديماً أنّ السوسن تاج الأنوثه ومن علامات نهوض عشتار من سباتها الشتوي، وتقدّست على أنّها زهرةٌ أنثى ورمزٌ للمرأه وللخصوبه. أسماها الفينيقيّون “شوشن” من كلمة “شوش” أو “شش” بمعنى حياة وعَمار، وأطلقوا على الأراضي التي تظهر فيها اسم “شوشان” أي الخصبه أو المعموره، ومن الفينيقيّة دخلت إلى الآرامية وبقيت “شوشن” ثمّ تعربت فصارت “سوسن” و“سوزان”.

أمّا الإغريق فقد أطلقوا على زهرة السوسن اسم “إيريس” أو “ريش” ἶρις من “إير” التي تعني “النفس” وحافظوا على التأنيث فصار “إيريس” اسماً ورمزاً لرسولة “هيرا” ووزيرتها في مجمع الآلهة الإغريقي على جبل أوليمپ، وكانت إيريس تُطلق قوس قزح حاملاً رسائل الآلهه إلى الأرض. فكانت في مقام جبريل العربي في الثقافة الإغريقيه.

“هيرا” أو “حيرا” أو “إيرا” في الثقافة الإغريقية هي ربّة الربّات على جبل أوليمپ، أنتيم زيوس، خليلته وشقيقته، السيدة الأولى على عرش الأوليمپ. سيّدة الهواء والأهواء والروح والحياه ووسواس الخطيئه فكيدها عظيم. 

تتشابه أسماء “هيرا” و”إيريس” في الإغريقيه القديمه وفيها انتساب، حيث لُفظت إيريس أحياناً هيريس على سواحل المتوسط، في تشابه مع اسم هيرا، فكأنّ هيريس لغوياً منسوبة إلى هيرا.

حتّى اليوم، استمرّت كلمة إيريس îris في اللّغة اليونانية بمعنى “قوس قزح” وكذلك بمعنى “قزحيّة العين” ومنها انتقلت إلى اللاتينيّه وإلى باقي اللّغات الأوروپيّه.

في الإغريقية القديمه iridos تعني قزح، و”إيريدو” كان طيف الألوان الذي تطلقه إيريس على الأرض تنزيلاً للوحي وتوصيلاً لكلمات هيرا وأوامرها، ولربما ورثنا من اسم إيريدو كلمات الإرادة ويُريد في العربية المعاصره. وفي الثقافات الهيلينيه الأخيرة صارت هيرا ملكة للشرّ والأذى تكيد للناس وتفرّق بينهم، بينما يعمل زيوس على الخلق باستمرار سدّاً وإصلاحاً لمفاسد هيرا.

ريليف إغريقي من العصر الروماني يُظهر إيريس تمسك بقوس قزح وتتحكّم بالصحّه والحياة
ريليف إغريقي من العصر الروماني يُظهر إيريس تمسك بقوس قزح وتتحكّم بالصحّه والحياة

لكن في ثقافة عرب شرق الشمال القديمة صار إيريدو الملك الذكر قُزح، ملك النار، الشيطان، سيّد الغواية وواعياً من نفسه، لا مجرّد شعاع تطلقه إيريس (شوشن)، فخرجت من هذه الأسطورة كلمات الشواش والتشويش بمعنى الضلال والتضليل. وصارت العرب تعتبر ظهور قوس قزح دليل على شرّ نازل بالأرض وابتلاء يجب افتداءه بأضحيه.

من بقايا إيريس الإغريقيه في ثقافتنا العربيه كلمات عريس وعروس وعرس، حيث أنّ إيريس ارتبطت بعيد الربيع وبالخصوبة وبالزواج وبالجنس، فحتّى الرغبة الجنسيّه هي أثر القزحيه في عين كلّ إنسان، التي خلقتها هيرا في عيون البشر لتتحكّم بهم من خلالها، والتي تدفع الإنسان منجذباً نحو أهوائها وغِواياتها في الآخرين. لذا نقول في سوريّتنا اليوم على الشخص الفاقد القدرة على التركيز بأنّه “مشوَّش” بأهوائه ورغباته المكبوته، أي متأثّر بأفعال “شوشن” ووساوسها.

ومن الأثر كذلك كلمة عرص وعرْصه وعرَصه ذات المنشأ المصري وبمختلف معانيها، فعرْص الماكر من ذات المنشأ الذي خرجت منه كلمة عَرَصه التي كانت تعني قطعة أرض خصبة للزراعه بينما صارت اليوم اسماً للأرض المخطّطه المخصّصه للبناء (المونّسه في اللّهجه السوريه).

وبقي بيننا كذلك اسم حيوان ابن عرس (السرعوب) المتميّز بالمناورة بمكر وباحترافه التضليل، هو في الواقع ابن الربة إيريس بحسب الثقافه الكوينيّه في سوريا ومصر، وكان مكروهاً في أرياف الدلتا المصريه بسبب أكله لحيوانات البيت المنتجه، بينما عاش في قصور الأثرياء في المدن كحيوان أليف.

في الديانة المصرية القديمة اعتبر الناس السوسن رمزاً لجوهر النفس ولتجديد الحياة، فصارت السوسن مع الزنبق من رموز حورس الملكيه. آمن المصريون زمن عبادة حورس بأن البتلات الثلاث لأزهار السوسن والزنبق والنيلم (زهرة الأهوار) تمثّل معاً الحكمة والشجاعة والإيمان، ثالوث الديانة المصرية الأقدس. بينما اعتُبرت السوسن وحدها رمزاً للسلطة والنفوذ وبأنها الزهرة التي ستحافظ للفرعون على قوّته في الحياة الآخره.

معبد شيش الربّة سوسن

لوحة رائعة لمعبد فيله النوبي في أسوان رسمها الاسكتلاندي داڤيد روبرتس david roberts ما بين سنتي 1842-1849

الفنان الاسكتلاندي داڤيد روبرتس david roberts أبحر إلى مصر سنة 1838 وتجوّل في مصر والنوبه وسيناء وفلسطين وسوريا، ثمّ أبحر عائداً إلى المملكة المتحدة من الاسكندرية، التي التقاه فيها محمد علي پاشه قبل المغادرة سنة 1942. رسم الكثير من المخطّطات والمسوّدات أثناء زيارته ثمّ أعاد رسمها بمقاسات كبيرة بعد عودته إلى أدنبره. وفيها رسم هذه اللوحة الرائعة لمعبد فيله الإغريقي-النوبي في أسوان ما بين سنتي 1842-1849.

معبد فيلَه Φιλαί، اسمه العربي هو “أنس الوجود” واسمه القبطي هو بيلاخ (بالآخر، أي معبد آخر مصر) أمّا فيلَه فهو الاسم الإغريقي ومعناه “حبيبه” فهو معبد الحبيبة سيس (إيزيس). بني المعبد خلال القرن الثالث قبل الميلاد في عهد المملكة البطلمية، وكان مكرّساً للربة سيس (إيزيس). وكان المعبد قد بني على جزيرة فيلَه وسط النيل في أسوان، ثمّ نقله جمال عبد الناصر إلى جزيرة أگيليكا بعد بناء السد العالي.

ديانة سيس (إيزيس) البطُلميه هي إعادة إحياء لديانة مصرية قديمة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، كان اسم إيزيس المصري القديم خلالها هو HCE وتُقرأ “عيسه” أو “عيشه”، ثمّ تحوّل الاسم خلال العصر الهيليني إلى Ἶσις الذي يُلفظ إغريقياً “صيص” أو “شيش” أحد أسماء زهرة السوسن، ثمّ حوّله مترجمونا العرب خطأ إلى إيزيس عن الألمانية والإنگليزيه.

كان معبد فيلَه هو المعبد الرئيسي لديانة سيس (إيزيس) التي انتشرت حول المتوسط لحوالي ألف عام، حيث عبدت الناس الربّه سيس (إيزيس) اتّباعاً لديانة بطُلميه في مصر والنوبه والبلقان وإيطاليا، حتى أنّها كانت أحد الديانات الرسمية في روما. استمرّت عبادة سيس (إيزيس) في مصر حتى بعد مرسوم ثيودوسيوس الذي فرض المسيحيه سنة 391، إلى أن تحوّل أهل أسوان إلى المسيحي سنة 550 تحت سطوة جوستنيان، وبهذا كانت انتهت آخر الديانات التي تعبد ربّة أنثى في العالم قبل انتشار الديانات الإبراهيمية.

خلال القرون الوسطى دخلت هذه الرمزية في الكاثوليكية الأوروپيه المسيحيه لتصبح البتلات الثلاث رمزاً للثالوث المسيحي الأقدس. اتّخذت الممالك الأوروپية من السوسن رمزاً سياسياً للملكيه، ثمّ تحوّلت فرنسا لاستخدام الزنبق، بينما بقيت فلورنس على استخدام السوسن، واستمرّت إلى يومنا رمزاً لمقاطعة فرّنتسه الإيطاليه.

الصورة قطعة فيورينو ذهبية تمّ صكها في فلورنس سنة 1189 وتظهر عليها بوضوح زهرة السوسن رمز الجمهوريه.
قطعة فيورينو ذهبية تمّ صكها في فلورنس سنة 1189 وتظهر عليها بوضوح زهرة السوسن رمز الجمهوريه

الصورة قطعة فيورينو ذهبية تمّ صكها في فلورنس سنة 1189 وتظهر عليها بوضوح زهرة السوسن رمز الجمهوريه. ومن مآثرها أنها انتشرت في عموم غرب أوروپا حتى القرن 16 كعملة دوليه موحده في مقام اليورو المعاصر. ومن الملفت أنّ الثقافة الفلورنسيه تعتبر السوسن والزنبق بذات المقام، فتسمّي السوسن بما معناه “الزنبقيه” Giaggiolo نسبة لاسم الزنبق Giglio.

شارك بالمناقشة