معالم, تاريخ, دمشق, سوريا

بعض حكايات الشاغور البطل، هويّة دمشق المشاكسة التي يشتغل الكثيرون على تخريبها

الشاغور أحد أغرب وأعند أحياء دمشق على الإطلاق، ودليل باهر على أنّ التجانس الاجتماعي هو عدوّ التطوّر والتقدّم وأنّ التنوّع الاجتماعي هو محرّض تكوين النجوم في هذا العالم المتصارع. فالشاغور كان أكثر أحياء دمشق العثمانية انفتاحاً وتقدّماً، وفيه بوتقة امتزاج الهوية الدمشقيّة حيث تتمازج ثقافات طوائف كثيرة مختلفة، ويندمج التراث على قلب واحد. في الشاغور كان يمكنك أن تكون ما شئت، لا يعترض عليك أحد… أهمّ زعامات المجتمع المحافظ كانت في الشاغور، والنوادي القوميّة اليساريّة (كالنادي العربي) كانت في الشاغور، وكذلك أوّل شارع في دمشق نال ترخيص دار علنيّة للبغاء، حيث كانت ترتصف بائعات الهوى تتصيّدن الزبائن.

أنجب حيّ الشاغور الكثير من أياقين الثقافة السورية المعاصرة، كمثل المعماري أپولّودورُس الدمشقي Ἀπολλόδωρος ὁ Δαμασκηνός باني الپانثيون Pantheum في روما، والحبر يعقوب دانون حاخام دمشق الأكبر، والشاعر والدبلوماسي نزار قبّاني، وفخامة الوزير الشهيد يوسف العظمة، ورئيس أوّل جمهورية سورية حرّة شكري القوّتلي وكان الأخير كذلك، بالإضافة إلى أبرز زعماء الثورة السورية الكبرى رئيس الحرس حسن الخرّاط والوجيه نسيب البكري ومؤسّس الجيش السوري العقيد عدنان المالكي (1) وثعلب الجو فايز منصور والوجيه يوسف لينيادو (2). ومن الشاغور كذلك الشهيد منذر رحيباني الذي قتلته قوّات أمن النظام السوري سنة 2011 بسبب رفضه لأوامر إطلاق النار على المتظاهرين في دمشق.

لكلمة “شاغوري” وقع خاصّ بين الدمشقيّين لا يعرفه غيرهم.

خريطة أحياء مدينة دمشق 2021
خريطة أحياء مدينة دمشق 2021

تبدأ حكاية حيّ الشاغور مع بداية دمشق. فبينما كان أقدم أحياء المدينة “العمارة الجوّانية” على الجهة الشمالية من المعبد القديم يأوي أعيان دمشق ومتنفّذيها، استأوى أهل التجارة وأسواقهم في حيّ الشاغور جنوب المعبد القديم، وصار الوجه التجاري للمدينة القديمة، قبل أكثر من 5000 سنة. 

في العهد الهيليني حافظ سكّان الشاغور على الديانة الفنيقية وعبدو داگون، ما دفع السلوقيّين لتسمية منطقتهم باسم حيّ دياس Δίας وهو اسم داگون بالإغريقية ويقابله في اللاتينية زِيوس Zeus وهذا سبب نسب الباب المفتوح من سور دمشق لحي الشاغور باسم باب زِوس (المشتري) وسمّاه الناس باب زكورتا أي الصغير. كما سمّاه الناس كذلك باب المقبرة بسبب وجود مقبرة دمشق القديمة خارج هذا الباب وعلى بعد 200 متر منه. سنة 670 أعلنت الدولة هذه المقبرة مقبرة إسلامية وما عاد الدفن مسموحاً فيها لغير المسلمين. وفيها مَقَام رُؤُوس الشُّـهَدَاء (3). وبسبب هذا المقام صارت المقبرة من مزارات المسلمين الشيعة من مختلف دول العالم، ومنهم من استوطن واستقرّ في الشاغور فصارت فيه حارة للشيعة.

في القرن الأوّل سجّل التاريخ سيطرة التجّار الأنباط على هذا الجزء من الدمشق، حيث أنشؤوا فيه مجتمعاً عربياً ثريّاً ومتنفّذاً، سيّما وأنّ دمشق وقعت تحت حكم المملكة النبطية الرومانية آنذاك. ومذّاك صار الشاغور حيّ المال والأعمال في مدينة دمشق، واقع لم يتغيّر على مرّ العصور. ولم تزل أهمّ أسواق دمشق فيه إلى اليوم.

خلال الحرب الإسلامية-البيزنطية في القرن السابع والى الشاغور الفاتحين المسلمين، ما ساهم بقوّة في استسلام المدينة لاحقاً للقوّات الإسلامية. ثمّ في القرن 13 ومع وفادة النازحين عن العراق هرباً من اجتياح المغول، بدأ حيّ الشاغور بالتوسّع خارج الباب الصغير حيث تنمو البيوت حول مقبرة باب الصغير. ثمّ في القرن 16 نزل في حيّ الشاغور البرّاني اليهود السفارديّون النازحون عن غرناطة. وأقاموا في المنطقة ما بين كنيسة الزيتون وشارع الأمين. ونمت ممتلكاتهم بعدها حتّى صار لهم في الحيّ عشرين كنيس، دمّرت أحداث 1840 أغلبها.

هكذا تنوّع مجتمع الشاغور ما بين مسلمين سنة وشيعة، ومسيحيّين أرثذوكس ويهود سفارديّين (حريديّين لاحقاً)، واختلطت فيه البيوت المتحرّرة بالبيوت شديدة المحافظة. ولا غرابة هنا أن يكون الشاغور هو الحي الذي عاند فتوى الشيخ محمّد أفندي الڤاني في تحريم القهوة والتبغ سنة 1660، فافتتح المقاهي في ظلّ التحريم. 

وكان الشيخ محمّد أفندي الڤاني قد صار الخطيب الأوّل للسلطنة العثمانية سنة 1665 وهو من دعاة السلفية، فحرّم الصوفيّة وكفّرها سنة 1660، فهرب علمائها إلى دمشق والتجؤوا إلى حيّ الشاغور. فغضب عليها الشيخ الڤاني واتّهم الدمشقيّين بتسميم عقول المسلمين بالقهوة الدمشقية والنبيذ الدمشقي. ومع وصول الڤاني إلى منصب واعظ العثمانية بعد خمس سنوات أفتى بكفر أهل دمشق، وبوجوب تطهّر المدينة من الدنس الموجود فيها. كان ردّ الشاغوريّين بزيادة عدد المقاهي، وبالسماح بشرب النبيذ علناً نكاية بالڤاني، وباتخاذ القهوة مشروباً تقليديّاً لدمشق، وبفتح المدينة ومدارسها ملجأً للصوفيّة من كلّ أجاء العثمانية، فتوافد المهاجرون إلى دمشق وغوطتيها، وكذلك وفد إليها المزيد من اليهود السفارديم.

نال حيّ الشاغور تسميته من مجاري متسارعة لنهري بانياس وتورا كانت تمرّ فيه، ويقال أنّ الشاغور كان شلّالاً لنهر بانياس، لكنّ النهر اليوم مغطّى لا ترى الناس مجراه على سطح الأرض. وفي طفولتي سحبتني شُغرة نهر بانياس في الربوة في موسم ذوبان الثلوج، وكانت سرعة المياه فعلاً قوية لا يقدر الإنسان على مقاومتها ببساطة، وجسدي صغير آنذاك بعمر ستّ سنوات، فقد سحبتني الشُغرة لنحو 600 متر قبل أن يقدر خالي فؤاد ومن قفز معه إلى الماء على التقاطي وإنقاذي من الغرق.

الشاغور هو فعلياً ربع دمشق القديمة جنوب الغربي. وينقسم الحيّ إدارياً إلى منطقتين، هنّ: الشاغور الجوّاني والشاغور البرّاني، والمقصود ما هو داخل سور دمشق القديم وما هو خارجه. ويمتدّ الشاغور الجوّاني على مساحة محصورة ما بين شارع الدرويشية وسوق الصاغة، وما بين شارع مدحت باشا والسوق الحميدية. أمّا الشاغور البرّاني فهو شوارع دمشق ما بين الجوّاني وحيّ الميدان. (4)

ومن حيّ الشاغور كانت حارة سيدي عامود (أحمد عامود)، منطقة أثرى أثرياء دمشق حتّى سنة 1925 حين قصفتها المدفعيّة الفرنسية مع قصف الشاغور، عقاباً للحيّ على تمويل مقاومة الاحتلال الفرنسي والمساهمة فيها بأبنائه. تهدّم الكثير من حيّ الشاغور تلك السنة، لكنّ حارات “مبلّط، وسيدي عامود، والقاضي، والمرستان، والمنجدين” احترقت بالكامل، فقامت سلطات الاحتلال بإعادة بنائها على تصميم فرنسي خرجت من بعدها بشكل حيّ تجاريّ أطلق عليه الدمشقيّون اسم حيّ الحريقة… تخليداً للحريقة التي أشعلها القصف الفرنسي. (5)

وفي ذلك الحريق الذي قضى على حارة (صآء) سيدي عامود خسرت دمشق بيوت آل البكري وآل القوّتلي وآل الببيلي وآل الركابي وآل الفرّا وآل العجلاني وآل أغريبوز وآل آقبيق التاريخية، بالإضافة إلى مسجد (ضريح) أحمد عامود والعديد من المنشآت التاريخية والبيوت الدمشقية الجميلة العائدة إلى عدد من الأسر الدمشقية ذات النفوذ والمكانة. وقد دُمّرت تلك الأوابد كلّياً بفعل الحريق الناجم عن القصف الفرنسي, ولم ينج منها سوى البيمارستان النوري ودار شاعر الشام الراحل خليل مردم بك. (6)(7)

خريطة توسّع مدينة دمشق حتّى نهاية الدولة العثمانية
خريطة توسّع مدينة دمشق حتّى نهاية الدولة العثمانية

احتضن حيّ الشاغور مقرّات عدّة مؤسّسات اجتماعية كان لها الأثر الأبرز في حياة العرب في ولاية شام العثمانية، ثمّ في دولة سوريا المعاصرة. منها مثلاً النادي العربي ومحفل نور دمشق الماسوني والجمعية العربية الفتاة.

النادي العربي هو أوّل مؤسّسة عربية نادت وعملت للوحدة العربية، تأسّس من تجمّع الموالين لدولة محمّد علي بعد انسحاب قوّات إبراهيم باشا عن دمشق سنة 1841، تكوّن أعضاءه بداية من أعيان أحياء الشاغور والميدان. سنة 1918 انتقل النادي إلى مقرّ جديد في شارع بورسعيد فوق سينما الأهرام تمهيداً لاستضافة المؤتمر السوري العام في العام التالي. أغلقت السلطات الفرنسية النادي سنة 1920 وحظرت أنشطته وأصدرت أحكام إعدام بحقّ أعضائه لمنعهم عن العودة إلى دمشق، وهم: عبد القادر سكر، شكري الطباع، أحمد قدري، خير الدين الزركلي، توفيق فرج، خليل بكر ظاظا، رياض الصلح، عمر بهلوان، حسني مفرج، سليم عبد الرحمن، عمر شاكر، عادل أرسلان، عثمان قاسم، توفيق اليازجي، بهجت الشهابي، رفيق التميمي، محمد علي التميمي ( 8 ). 

أعيد افتتاح النادي العربي سنة 1937 لتعيد السلطات الفرنسية إغلاقه في العام التالي بسبب موقفه المعارض لألمانيا النازية، وكانت السلطات الفرنسية في سوريا قد أيّدت حكومة الاحتلال النازي في پاريس. وبقي النادي محظوراً إلى أن خرجت القوّات الفرنسية من سوريا سنة 1945 ليعاد افتتاحه فوراً. وأذكر أنّني حضرت عدّة ندوات نظّمها النادي العربي سنة 2011 يحذّر فيها من العنف ويدعو الحكومة السورية إلى احتواء روّاد التغيير السلمي في سوريا… مع الأسف، كل من شارك في تنظيم هذه الدعوات يقيم اليوم مهجّراً خارج سوريا.

محفل نور دمشق تأسس سنة 1898 وأبرز مؤسّسيه فارس الخوري وجميل مرد بك. ثمّ أُغلق سنة 1914. وبينما نعرف فارس الخوري كأحد مؤسّسي الجمهورية السورية، أسّس جميل مردم بك الجمعية العربية الفتاة في پاريس سنة 1911 وصار لها مكتب في دمشق في حي الشاغور. وكان مردم بك كذلك أمين عام المؤتمر العربي الأوّل في پاريس سنة 1913، وهو مؤتمر عُقد في فرنسا لأعضاء المعارضة العثمانية لثورة\انقلاب 1908 من أنصار الدولة القومية العربية. (9)

الجمعية العربية الفتاة تأسّست في پاريس ثمّ في الشاغور الدمشقي، ثمّ تحوّلت سنة 1919 إلى حزب الاستقلال العربي وشكّل أعضاءه أغلبية الحضور في المؤتمر السوري العام في نفس السنة، وكان الحزب هو الأساس للكتلة الوطنية سنة 1929. بعد أن كانت فرنسا قد حظرت حزب الاستقلال سنة 1920 وأغلقت مقرّه الرئيس؛ النادي العربي.

ولحيّ الشاغور الدمشقي شقيقة فلسطينيّة هي مدينة الشاغور في الجليل الأعلى على سفح جبل الراس (الشاغور) النازل إلى سهل الشاغور، والتي تصرّ السلطات الإسرائيلية على اعتبار أحيائها قرى منفصلة دون أن تمنحها صفة مدينة رسميّاً، لكي لا تنافس مستوطنة كَرْمِيئِيل כַּרְמִיאֵל المجاورة. وتسمّى الشاغور على الخارطة اليوم قرى: البعنة ودير الأسد ومجد الكروم (10) وتتوسّط مدينة الشاغور الفلسطينية منطقتي شاغور البعنة وشاغور عرابة، اللاتي تبعن نيابة صفد المملوكية، ثمّ صارت من نواحي قضاء عكّاء العثماني. (11)

لو كان للزعامة اسم بأحياء المدن لكان اسمها الشاغور.

المراجع:

  1. عدنان المالكي، مركز الشرق العربي للدراسات. 
  2. فارس المرّ. عن حارة اليهود الدمشقيّة. صور. 2016.
  3. “Places to Visit: Damascus”. Ahlul Bayt Digital Islamic Library Project. 24 September 2014.
  4. محمد الأزن، عمر المالكي. الشاغور الجواني، قصة نهر تحوّل إلى حيّ سكنيّ. 2009
  5. منير كيالي. الشاغور بوابة دمشق الصغيرة وتاريخ زمان وإنسان. الوطن. سوريات. 2017.
  6. ربيع عرابي. حي الحريقة ونيران الحضارة الفرنسية. أندلسيات. 2015.
  7. من تاريخ حي الشاغور ودمشق القديمة. تنسيقية حي الشاغور. 2012.
  8. شيار خليل. النادي العربي بدمشق، قصة الولادة وبدايات الفكر العربي. eSyria. 2011.
  9. طارق علي. الماسونية الدمشقية، القطبة المخفية في تاريخ سوريا الحديث. رصيف 22. 2020.
  10. “Table 3 – Population of Localities Numbering Above 1,000 Residents and Other Rural Population”. Israel Central Bureau of Statistics. 2008.
  11. تعرف على الجليل والشاغور. حصاد نت. 2014.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s