تاريخ المعمول

معمول

المعمول من أهمّ حلويّات مظاهر عيد الفطر في دول المشرق العربي، يبدأ الناس بتحضيره بعد ليلة القدر أواخر رمضان ليصبح جاهزاً للاستهلاك طيلة أيام العيد، حيث يقدّم لزوّار البيت أيّاً كانوا وفي أيّ وقت. والباحث خلف تاريخ المعمول يجد ماضياً مثيراً وتفاصيل رائعة من مسيرة تطوّر هذه الحلويات وتعلّقها بالأعياد وبتقاليد الحياة.

في مصر يسمّى المعمول بالكعك، سواء أكنّا في الدلتا أو في الصعيد، وماضي الكعك في مصر عريق قديم قدّره الناس في مصر القديمة حتّى تركوه في القبور مع الموتى مؤونة للحياة الآخرة، وأيّام عبادة الشمس ”آتون“ صُنع معمول الكعك بشكل أقراص عليها نقش الشمس، لكن لم يصلنا ما كان في خلطة الكعك المصري قديماً، فما اكتُشف في القبور الملكيّة شبه متحجّر.

الكعك المصري
الكعك المصري

في العهد الفاطمي أسّست الدولة من القاهرة دائرة حكومية باسم ”دار الفطرة“ كان واجبها صناعة فطرة العيد من معمول الكعك وتوزيعها على الناس مجاناً أوّل أيام عيد الفطر، وكانت تموّل هذه الدائرة من زكاة الفطر، التي درجت تسميتها بالتالي ”فطرة العيد“. واستمرّت هذه المؤسّسة بالعمل لاحقاً في عموم السلطنة الأيوبية ثمّ في عهد سلاطين المماليك، حتى توقّفت في القرن الخامس عشر.

والمعمول كان معروفاً وشائعاً كذلك أيام الدولة البيزنطية قبل الإسلام، إذ صنعه الروم للأعياد المسيحية وقبل الصوم الكبير، ويُشكّل بشكل أهرامات صغيرة عليها رسم الصليب أو بشكل أقراص دائرية ترمز إلى تاج المسيح، ثمّ انتشرت هذه التقاليد حيث حكمت الإمبراطورية البيزنطية، ولم تزل إلى اليوم في اليونان وبولغاريا وعموم البلقان.

المعمول الشامي
المعمول الشامي

وعرف الناس من بابل ما يشبه المعمول في أيام أسوريا السلوقية، فكانت الناس تأكله في الأعياد الدينية على أنه لقيمات مباركة معمولة من جسد الله النابت من الأرض، وشكلها كان أقرب إلى الكليچة المعاصرة من المعمول التقليدي.

اليهود كذلك تصنع معمول العجوة خصّيصاً ليوم الفور (قرعة الخلاص) وكذلك في رأس السنة ويوم الحَنُكَّة (عيد الأنوار)، ويتميّز المعمول اليهودي بخلوّه من السميد، حيث تنحصر عجينته بطحين القمح الأبيض فقط.

ومن تطويرات المعمول في سلطنة الروم الإسلامية وأيّام أيوبيّي حلب خرجت كذلك ”الكرَبيج“ أو “الكربيچ” (بالتركية Kerebiç) وهو معمول محشو بالجوز أو الفستق الحلبي ومغطّى بالناطف، دبس مصنوع من بياض البيض مع القطر والعصلج (عرق الحلاوة).

حلوى الكربيچ
حلوى الكربيچ

تزداد الإثارة في تاريخ المعمول مع التعمّق في تاريخ وصفاته وجذوره من قلب البيئة العربية. إذ تعود وصفة المعمول أساساً إلى سلف لم يزل حيّاً في مجتمعات الخليج العربي يسمّى الخبيص أو الخبيصة، وهذا الأخير يعود بدوره إلى جدّ أكبر يسمّى البثيث.

البثيث أساساً حلوى أزدية انتشرت حول عموم الخليج العربي قبل ألفي سنة وربما أكثر، وهي في الأصل تلطيف للتمر، حيث يٌفرم التمر ويضاف له طحين القمح المحمّص والسمن، ثمّ يقلّب على النار حتّى يتجانس. ولاحقاً مع استيراد حبوب الهيل من الهند صارت كذلك من أساس وصفة البثيث.

حلوى البثيث
حلوى البثيث

وزادت قيمة البثيث مع الزمن حين خرج استهلاكه عن إطار الأعياد فصار زاد البحارة الرئيسي، يُصنع كي تحمله السفن الراحلة في عمق الخليج والمحيط سواء لغطّاسي صيد اللؤلؤ أو للتجارة والاستكشاف، حيث حفظ السمن التمر من الأكسدة في بطن السفينه الرطب، وقدّم مزيج طحين القمح قيمة غذائية متكاملة مع التمر.

وعن البثيث تطوّر الخبيص، وصار له وصفات متنوعة وبأشكال متعدّدة قبل نشوء معمول الخبيص، الذي صار المعمول بصيغته المعروفة اليوم. يعدّد محمد بن حسن البغدادي في كتاب الطبيخ ست وصفات للخبيص كانت شائعة في بغداد سنة 1226، هي الخبيص التقليدي وخبيص الزعفران وخبيص الكافور وخبيص اللوز وخبيص القرع وخبيص الجزر.

حلوى الخبيص
حلوى الخبيص

نقرأ في كتاب الطبيخ من قرن 13 أنّ الخبيص التقليدي يحتوي على لبّ خبز السميد المفروك كالفتيت وزيت السمسم والسكّر المنخول وقد يُستبدل زيت السمسم بالحليب.

وصفة خبيص الزعفران تحتوي على دقيق السميد بدل لبّ الخبز، وكذلك ماء الورد والعسل والخشخاش والفستق ويزيّن بالسكر الناعم. أما خبيص الكافور فمن مغلي دقيق السميد مع الدبس، ويرش عليه السكّر الناعم مع الكافور. بينما يخلو خبيص اللّوز من السميد تماماً ويُعمل من دقيق اللّوز الحلو، أمّا خبيص القرع فيُعمل من دقيق القرع المجفّف بعد السلق، حيث يُغلى مع زيت السمسم ثمّ يسقى بالجلّاب حتى ينعقد، وأخيراً خبيص الجزر فيُعمل بوصفة خبيص القرع ذاتها بعد سلق الجزر دون خشبه.

وعن الخبيص تطوّر معمول الخبيص (أي الخبيص المعمول بـ) فصار حشوة في عجينة من السميد، ثمّ صار المعمول عجينة من السميد أو\و طحين القمح مع السمن وتحشى بعجوة التمر والمكسّرات أو الجوز أو اللّوز أو الفستق أو القشطة أو الجبن، فيقال معمول بعجوة أو معمول بالجوز وهكذا…

الكليجة أو الكليچة شكل آخر من تطوير البثبث شائع في العراق والجزيرة والقصيم وحول الخليج العربي ومخصّص لعيد الفطر، وهي عبارة عن كعك مجوّف من طحين القمح محشي بالتمر أو العسل أو دبس التمر مع المكسّرات.

حلوى الكليچة
حلوى الكليچة

ذكرها ابن بطوطة المغربي باسم كليجا ”خبز معجون بالسّمن يسمّونه الكليجا“ ولم يكن قد رآها من قبل، حين تعرّف إليها نحو سنة 1334 على مائدة والي خيوارزم الأمير قُطْلودُمُور في مدينة الجرجانية (گرگانچ) Urgench غرب أوزبكستان المعاصرة، وكانت آنذاك بقوله ”أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها“، وقُطْلودُمُور هو ابن خالة السلطان محمد أوزبك خان القبجاق (مملكة جوچي)، وكانت مملكة جوچي على علاقات وثيقة بالعراق والشام، تستورد منه مشغولات الزجاج ومشغولات الخشب والأطباء والطبّاخين والمعلّمين، ومن القبجاق حكمنا أخيراً المماليك.

المؤرّخة العراقية نوال نصرالله تقول أنّ حلويّات شبيهة بالكليچة كانت شائعة في العراق في بابل في العهد الأخميني، معمولة بشكل القمر (أقراص دائريّة عليها نقش زهرة الحياة المقدّسة) ومعمورة بشكل أهرامات صغيرة وتباع في الأعياد والمناسبات الدينية والبازارات وكانت معروفة باسم ”قُلُّپو“، وترجّح نصرالله أنّ هذه التسمية البابلية هي أصل تسمية كليچة في العراقة، بينما يقول المستشرق الهولاندي رَيِنْهَارْت دُوزِي في معجمه ”المستدرَك“ أنّ كليجا أو كليجه كلمة فارسية تعني خبز صغير معجون بالزبدة.

وعن الكليچة العراقية تطوّرت في القيروان حلوى “المقروض” أيام القرن التاسع حين اعتمدها الأغالبة حلوى عيد الفطر فانتشرت في عموم المغرب العربي آنذاك بشطريه جنوب وشمال المتوسط. ونجدها اليوم منتشرة في تونس وليبيا والجزائر والمغرب وصقلية ومالطا وفرنسا، وتختلف التسمية مع اللّهجات لتصبح المقروط والمڨروض والمقرود وأمكرت وماكروت. والمقروض أساساً بحشوة من عجوة التمر مغلّفة بعجينة من سميد القمح الخشن، تقلى قطع المقروض بالزيت النباتي ثمّ تنقع حتى تبرد في العسل أو في القطر مع عصير الليمون أو قشر البرتقال. وتتعدّد حشوته اليوم بين التمر أو التين أو اللّوز.

حلوى المقروض
حلوى المقروض

وعن البثيث تطوّرت في تونس والجزائر حلوى الرفيس، وزيدت فيه كمية السميد وأضيفت الزبدة وأحياناً الشوكولا، وبسبب الزبدة صار قابلاً للتشكيل في قوالب أو للتقطيع بأشكال تزيينية جميلة. مع ذلك لم يزل الكثير من الناس يقدّمون الرفيس بشكل البثيث التقليدي، مفروط أو مكوّر بشكل كرات.

حلوى الرفيس بالتمر
حلوى الرفيس بالتمر

ومن أشكال تطوير البثيث كذلك في جنوب شرق آسيا نجد في مازات ماليزيا (كوي المالاي) حلويات بشكل المعمول منتشرة في ماليزيا وسنگفوره وبروناي، اسمها المكمور، معمولة من عجين السمن وطحين القمح ومحشوّة بالزبدة، ولربما وصلت هذه الحلويات إلى جنوب شرق آسيا عن طريق تجّار الإمبراطورية العُمانية، ثمّ صارت من مظاهر عيد الفطر بين مسلمي جنوب شرق آسيا.

المكمور الماليزي
المكمور الماليزي

في وسط آسيا (بخارى) اكتسب الناس بعد الإسلام عادات عرب وسط آسيا، حيث يعرف البخارية المعمول باسم الحلوى ”خلڤى“ khalva وهو أساساً بثيث مشكّل بشكل كرات، ومعمول من طحين القمح والسكر ومكسّرات الجوز والفستق والفواكه المجفّفة، ويعرف البخارية كذلك ما يشبه الكليچة العراقية باسم الظنظة، وترتبط حلويات الخلڤى والظنظة البخارية بعيديّ الفطر والأضحى بشكل خاص.

الخلڤى (الحلوى) البخارية
الخلڤى (الحلوى) البخارية

هكذا نجد من التفاصيل عالماً متمارجاً من وصفات المعمول وأسلافه لا نعلم كيف يكون مستقبله، بعد تاريخ ممتدّ لآلاف السنوات يحكي حكايا عن تاريخ الناس وأفراحها، في منطقة جغرافية تعرف تماماً كيف تقدّر الأعياد، وتحبّ الاحتفال بها وببعضها.

شارك بالمناقشة