مدينة الرقّة الفنيقيّة

يغيب عن معارف العرب اليوم أنّ مدينة الرقّة كانت فيما مضى أحد أهمّ عواصم العرب، اعتبرها الفنيقيّون مدينة مقدّسة كما نقدّس مكّة والمدينة المنوّرة والقدس اليوم. ونالت حظوتها عند البابليّين كعاصمة إقليميّة لإقليم آسيا. وأجلّها المسيحيّون العرب حين اعتبروها أحد عتبات الرُصافة المقدّسة، كونها الميناء الذي يُعبر الفرات منه إلى الرُصافة؛ محجّ المسيحيّين العرب. وبقيت الرقّة مدينة جليلة مقدّرة عند العرب حتّى العصر العبّاسي؛ حين اتّخذها العبّاسيّون عاصمة اقتصاديّة وعلميّة للدولة، تنال مرتبة شقيقة بغداد ويقيم فيها الخلفاء العبّاسيّون، هكذا إلى أن دمّرها الأرمن بأمر إيلخان العراق المغولي سنة 1288.

سكنت الناس الرقّة منذ الفترة التي نعرفها باسم الفترة العُبَيديّة أو فترة العُبَيد (نسبة إلى منطقة تل العُبَيد في العراق)، وهي الفترة التي تسبق السومريّة، وتسبقنا بحوالي 8500 سنة، وكانت من أوائل المدن الزراعية في العالم. وأقدم الآثار الحضريّة المعروفة في الرقّة تعود إلى حوالي 7500 سنة في منطقة تل زيدان على الضفة الشرقية لنهر البليخ. وإلى جانب تل زيدان يقع موقع تل البيعة1، وهو التل الذي اتّخذه البابليّون مركزاً للمدينة قبل 4000 سنة وأطلقوا عليها اسم تُتُّل (تُل تُل) مع الحفاظ على مكانتها كعاصمة لعبادة داگون، رب الأمورو ومعبودهم الأهمّ. 

اسم تُتُّل (تُل تُل) البابلي هو صيغة جمع معناها التلال أو كما نقول اليوم تُلول. وكان لتُتُّل شقيقة جنوبية على نهر الفرات وبنفس الاسم، مذكورة في نصوص ماري كشقيقة توأم لتُتُّل الشمالية2 ولا يُعرف موقعها الدقيق، غير أنّها على مجرى الفرات بين ماري وبابل.

قديماً عبد الأمورو والفنيقيّون من العرب إلهاً أطلقوا عليه اسم داگون 𐤃𐤂𐤍 وأسّسوا لعرشه مدينة الرقّة لتكون المدينة المقدّسة لأهم معابد داگون، وانتشرت عبادته في مختلف الممالك الأمورية آنذاك: إبلا وأسوريا وأوگاريت وحيت انتشر الأمورو. وداگون ليس اختراعاً فنيقياً، بل ورد ذكره كذلك في النقوش السومرية القديمة باسم “دَ-گَن” 3𒀭𒁕𒃶 وعبده الأگديون كذلك باكراً بذات الاسم السومري ثمّ صار اسمه “دَگَنَ” الذي عنى في السومريّة كلمة “السمكة” (القن=السيّد). وهو نفسه الربّ الذي عرّفه البابليّون لاحقاً باسم أداد وذكرته النصوص الآرامية الغربيّة باسم هداد وحَدد4… ورمزُ داگون في آثار الرقّة هو حوريّ البحر، رجل نصفه سمكة أو سمكة نصفها رجل.

داگون \ داغون \ داجون
داگون \ داغون \ داجون

في نصوص ماري الأموريّة المنقوشة قبل 4500 سنة فهرس للآلهة التي عبدها الناس في منطقة النهرين، وذكر هذا الفهرس أنّ داگون هو نفسه أداد وهو نفسه إلُّ (إيلو) وهو نفسه إيل 𐤀𐤋5، ما يعني أنّ اسمه ذاته صار اللّه. 

استمرّت عبادة “دَ-گَن” السومري في العهد الأخميني لكن تحوّل معنى اسمه ليصبح الحرث والمحراث والحبوب، طالما أنّ حضارة الأخمينيّين كانت حضارة زراعية تقدّس زراعة الحبوب. آنذاك تحوّل عن اسم دگن ببساطة اسم “الدّخَن” وهي أصناف من الحبوب كانت تُزرع في منطقة النهرين لأغراض دينيّة، طالما أنّ لها دوراً مهمّاً في صناعة البيرة العراقية، وطالما أنّ البيرة كانت مشروب التقرّب إلى اللّه في الصلاة6. وهي كذلك الحبوب التي مكّنت الناس من علف الحيوانات الداجنة أثناء فصل الشتاء، فمكّنت لهم الحليب والبيض طيلة مواسم موت الزرع.

أمّا على الجانب الكنعاني، من لم يهتمّوا للزراعة وفضّلوا الإبحار والتجارة عليها، فقد ارتبط اسم “داگون” بالغيم والإمطار، وصارت الناس تتضرّع وتضحّي لداگون كي لا يُغرق قوارب الصيد والسفن بالعواصف والأعاصير. وفي أوگاريت، التي كتبت اسم “دَگَن” بصيغة “دجن” فقد ارتبطت معاني اسم هذا المعبود بالدواجن من الحيوانات، وتشابهت رؤى الأوگاريتيّين مع أهل ماري في الجزيرة في فهم “دَگَن” حين رأوه راعياً للحياة من خلال دفع الحيوانات لطاعة البشر واستدجانها. فهو من طوّع الحيوان في خدمة الإنسان.

استمرّت عبادة “داگون” الفنيقي في العصر الهيليني، إذ كانت ديانته قد دخلت المجتمع الإغريقي عبر الفنيقيّين وقبل العصر الأخميني. مع انتهاء الحكم الأخميني والتحوّل إلى العصر الهيليني، استمكنت عبادة داگون أكثر كإله ذكر ترتبط معاني اسمه بالزراعة والحصاد فقط، خاصّة وأنّ المعتقدات الهيلينيّة الشرقية قضت على كلّ الجوانب الأنثوية في ديانات المنطقة تاركة ذكورة الأديان وحدها. وفي هذه النقطة يقول كتاب داگون المقدّس: “وداگون، بعد اكتشافه للحبوب والمحراث، صار يسمّى زِوس الحارث Δίας Αρωτρίου (دياس أروتريو)” أي أنّ زِوس الإغريقي هو نفسه داگون الفنيقي، لكن مع اقتصار اهتمامه بالمزارعين فقط، والتخلّي عن الصيّادين ومربّي المواشي.

كاتب كتاب داگون المقدّس هو المؤرّخ الفنيقي سَكُنْيَتُن 𐤎𐤊𐤍𐤉𐤕𐤍 ويسمّى في الإغريقية “سَنچونيَثو البيروتي”7 Σαγχουνιάθων عاش يوم كانت بيروت عاصمة لمملكة تسمّى “بِروتُس” (بروتو) واشتغل في بلاط الملك “أبي بعل” يوم كانت سميراميس ملكة أسوريا. ولا يُعرف تماماً زمن حياة سَكُنْيَتُن لكنّه كان بالتأكيد قبل حرب طروادة (أي قبل 1260 ق.م)8. معنى اسمه سَكُنْيَتُن بالعربيّة المعاصرة هو “يد (نعمة) الله”9. وتكمن أهميّة سَكُنْيَتُن في أنّه كتب كتباً ثلاث في عبادة داگون صارت هي الكتب المقدّسة لديانته. ثمّ ترجمها إلى الإغريقية فيلو الجبيلي Φίλων Βύβλιος خلال القرن الأوّل10، فصارت كتب سَكُنْيَتُن هي الكتب المقدّسة لكلّ من تحدّث الإغريقية حول العالم، قبل المسيحيّة. قبل هذا التاريخ كانت صلوات داگون (زِوس) تُرفع بالفنيقيّة فقط.

ومع انتشار الثقافة الهيلينيّة في كلّ المنطقة من أفغانستان على الشرق إلى روما على الغرب، بقيت مدينة الرقّة مدينة رئيسة لعبادة داگون؛ الذي صار اسمه زِوس، وصار معبد زِوس الأكبر في الرقّة محجّاً لكلّ الناس في العالم الهيليني. ما وضع مدينة الرقّة بمثابة مكّة الهيلينيّة، وما مكّنها بالتالي من الإثراء والازدهار بشكل لم تعرفه غيرها من مدن العرب قديماً، سوى بابل. هذه المكانة الكبيرة لمدينة الرقّة وضعتها كذلك هدفاً للتهميش في عصر المسيحيّة الأوّل وخاصّة بعد أن تحوّلت الإمبراطورية إلى المسيحية سنة 32111.

وعلى الرغم من انتشار إنشاء معابد كبيرة لعبادة داگون في العديد من المدن الفنيقية في المشرق، لكن بقيت له مع ذلك مدينة الرقّة محجّاً لا ينافس. وكان من تلك المدن التي عرفت معابداً كبيرة لداگون وفقاً لنصوص ماري: صيدا وجبيل وبيروت في لبنان، وإِسْدُود وزرَد وغزّة وبيت دجن12 في فلسطين، وإبلا وأوگاريت وتل زيدان (الرقّة) في سوريا، ومدينة مَنّه في نينوى في العراق، وكذلك إرم ذات العماد التي لا نعرف موقعها بالضبط.

على تابوت الملك الفنيقي “إشمُن عازار” 𐤀𐤔𐤌𐤍𐤏𐤆𐤓 في صيدا نقرأ من القرن الخامس قبل الميلاد أنّ عازار ضمّ إلى ملكه ممالك دورا ويافا؛ وكذلك أراضي داگون الواسعة في سهل شارون13، ما يعني أنّه كان لفنيقيّي القرن 5 ق.م معبد لداگون في سهل شارون وسط فلسطين.

ديكور شيّد لتمثيل معبد داگون لفيلم شمشون ودليلة سنة 1949.
ديكور شيّد لتمثيل معبد داگون في الرقّة لفيلم شمشون ودليلة سنة 1949.

بكلّ حال، خلال القرن الثالث قبل الميلاد تغيّر اسم مدينة الرقّة من تُتُّل البابلي إلى نِقيفوريون Νικηφόριον أي النقفوريّة نسبة إلى الملك السلوقي نِقفور الأوّل المعروف كذلك باسم نيقاتور Σέλευκος Νικάτωρ. لأنّه أحبّ المدينة وأجلّها وكاد أن يجعل فيها عاصمة للإمبراطورية السلوقية. خليفته سلوقس الثاني Σέλευκος Β΄ ὁ Καλλίνικος ὁ Πώγων أعاد تنظيم وتوسيع المدينة وغيّر اسمها إلى كَلِّنِكوس (قلِّنِقم) Καλλίνικος نسبة إلى نفسه14، حيث أنّه منح نفسه لقب قلِّنِقُس أي المنتصر ببهاء15. فصار معنى اسم المدينة في تلك الحقبة هو المنتصرة أو البهيّة. ولشدّة تعظيم الإغريق السلوقيّين لمدينة قلِّنِقم (الرقّة) كتب بعض مؤرّخيهم أنّها مدينة إغريقية أسّسها الإسكندر المقدوني بنفسه16 وهذا من المبالغة.

مع تحوّل الإمبراطورية الرومانية إلى المسيحيّة في القرن الرابع أُهملت الرقّة وهجرها أغلب أهلها، إلى أن وصل إلى العرش البيزنطي سنة 457 الإمبراطور “ليو الأول”. سنة 466 أمر ليو بإعادة بناء المدينة وغيّر اسمها إلى ليونتوپوليس Leontopolis أي المدينة اللّيونيّة (المدينة الأسديّة)، لكن بقي الناس على استخدام اسم قلِّنِقم17 وصارت آنذاك أحد ثلاث مناطق تجارية حرّة ما بين الإمبراطوريّتين الساسانية والبيزنطية. فعادت وازدهرت من جديد.

بسبب الحروب الساسانية-البيزنطية دُمّرت قلِّنِقم بعدها ثلاث مرّات، وأعاد البيزنطيّون إعمارها في كلّ مرّة، وكثر فيها التغالبة النازحين من شرق الجزيرة من ولاية “أسوري إستان” الساسانيّة، وإذ ذاك عادت مدينة عربيّة أطلق عليها أهلها بلسان مُضر “رّگّه”، لأنّها هضبة تظهر من بعيد وكأنّها مرقوقة بسبب انبساط صحنها. ثمّ، سنة 639 ضُمّت الرقّة إلى الدولة الإسلامية بعد اتّفاق عمر بن الخطّاب وتغلب على انحيازهم سلماً إلى دولته. ومذ ذاك صارت الرقّة من مدن ولاية ديار مضر الإسلامية.

بقي أهل الرقّة العرب وقراها مسيحيّين بأغلبهم مع أقلّيّة يهودية فيها18، حتّى مع الاهتمام العبّاسي الكبير بها. إذ في القرن الثامن أمر الخليفة أبو جعفر المنصور ببناء مدينة جديدة إلى جانب الرقّة أسماها الرافقة19، واستعملها عاصمة صيفيّة للدولة العبّاسية، وبقي من بعده خلفاء بني العبّاس على نفس العادة. وكانت مدينة مائية تشبه بهندستها مدينة البندقية الإيطالية اليوم. وهكذا ترك العبّاسيّون المدينة القديمة للمسيحيّين على حالها؛ وابتنوا لأنفسهم مدينة جديدة إلى جوارها، تماماً كما فعل البابليّون من قبل مع ترك المدينة القديمة للفنيقيّين على حالها، وبناء تُتُّل إلى جوارها. 

بعد عهد هارون الرشيد وموته المفاجئ في طوس في خرسان، انقسمت الدولة العبّاسية إدارياً إلى شرقيّة وغربيّة، فصارت مدينة الرقّة عاصمة للقسم الغربي من الدولة العبّاسية وقاعدة شعبيّة للأمين تدير الأحلاف العربيّة، في وجه المأمون المتمترس في خُرسان في نَيْسَابُور عاصمة القسم الشرقي من الدولة العبّاسية حيث تُدار الأحلاف الفارسيّة. وهي فترة انتهت بحصار بغداد ومقتل الأمين.

خلال القرن 11 صارت الرقّة من ممتلكات إمارة العلويّين النميريّة الذين استقلّوا بديار مضر. ثمّ انتقلوا بعاصمة إمارتهم من حرّان إلى الرقّة لحَصانة قلعة جُعبر. ثمّ ذهب التطاحن الفاطمي-السلجوقي بكلّ إمارات المنطقة. مع حلول العهد الزنگي عادت الرقّة وازدهرت، وشاع عنها آنذاك أوانيها الزرقاء المزججة، واشتُهرت صناعاتها وصادراتها فعُرف الصابون الرقّي والبطيخ الرقّي والعنب الرقّي. وبقيت الرقّة مزدهرة متنوّعة ولم تتغيّر أحوالها إلّا في القرن 13 مع الحروب الهائلة التي عصفت بالمنطقة وغيّرت منطقة الجزيرة كلّها بالعموم. 

خلال القرن 13 انتقل أغلب أهل الرقّة للحياة في حلب، وانتقلت معهم صناعاتهم وحرفهم التي أنعشت حلب وازدهرت بسببها، وصارت مدينة رئيسية في المنطقة. ففي ستينيات القرن 13 غزت الرقّة ودمّرت أغلبها قوات المغولي جِمَگَر أحد ألوية أباقا خان الدَّولَةُ الإِلخَانِيَّةُ، ثمّ حاصرت من بقي من أهلها على الضفة الغربية لنهر البليخ لا يغادرها أحد. ثمّ سنة 1271 عقد جِمَگَر اتّفاق تحالف مع قوّات الحملة الصليبية التاسعة20 وسلّم المنطقة لقوّات أرمنيّة تتبع مملكة أرمينيا في گيليگيا؛ أحد ممالك الصليبيّين21

ثمّ سنة 1284 تحوّل الخان أحمد تكودار بالدولة الإِلخَانِيَّةُ إلى الإسلام وصالح المماليك، فانقلب عليه أرغون خان وهو المعروف بكرهه للمسلمين واصطفافه في صفّ المسيحيّين الأوروپيّين22، وسلّم كلّ وزارته ليهود ومنع عنها حتّى المغول. وفي عهده ارتكبت القوّات المحاصرة للرقّة مجزرة رهيبة سنة 1288 أبادت فيها كلّ من بقي من سكّان المدينة وكلّ من نزح إليها من أهل الأرياف. وبهذا لم يبق في المدينة أحد من أهل المدينة الأصليّين وانتهت الرقّة.

في عهد المماليك سكنت المنطقة قبائل شتّى، من عرب وكرد وترك وغيرهم وشاعت الفوضى، ثمّ في العهد العثماني أنشأت الدولة في القرن 16 إيالة الرقّة وجعلت عاصمتها في الرُها (أورفا) حيث مقرّ الوالي، وسلّمت الأراضي لإقطاعيّين كرد يزيديّين مكافأة على حلفهم وحرب المماليك الجركس. مع ذلك بقي السكّان بالأغلبيّة من العرب وبالأخص من قبيلة آل الفضل من طيء.

خريطة إيالة الرقّة العثمانية المنشأة سنة 1586. كانت تضم منطقة غرب الجزيرة (ديار مضر) من جبال طوروس شمالاً إلى بادية الشام جنوباً. عاصمتها الرُها (أورفا) وانتهت سنة 1864 لتحلّ مكانها متصرّفيّة الزور. كانت تحدّ إيالة الرقّة: إيالة ديار بكر من الشمال وإيالة بغداد من الشرق وإيالة حلب من الغرب وإيالة شام من الجنوب الغربي. في القرن السابع عشر، شملت الإيالة السناجق التالية: سنجق بني ربيعة، سنجق جماسة، سنجق حرّان، سنجق خربوط (هربود)، سنجق دير الرهَبة، سنجق الرقّة، سنجق الرُها (أورفا)، سنجق سروج، سنجق عانة وهيت من الأنبار.
خريطة إيالة الرقّة العثمانية المنشأة سنة 1586. كانت تضم منطقة غرب الجزيرة (ديار مضر) من جبال طوروس شمالاً إلى بادية الشام جنوباً. عاصمتها الرُها (أورفا) وانتهت سنة 1864 لتحلّ مكانها متصرّفيّة الزور. كانت تحدّ إيالة الرقّة: إيالة ديار بكر من الشمال وإيالة بغداد من الشرق وإيالة حلب من الغرب وإيالة شام من الجنوب الغربي. في القرن السابع عشر، شملت الإيالة السناجق التالية: سنجق بني ربيعة، سنجق جماسة، سنجق حرّان، سنجق خربوط (هربود)، سنجق دير الرهَبة، سنجق الرقّة، سنجق الرُها (أورفا)، سنجق سروج، سنجق عانة وهيت من الأنبار.

سنة 1864 أنشأت الحكومة العثمانية مقرّاً قياديّاً للإنكشارية في مدينة الرقّة23 مع تأسيس فصائل نظاميّة لآل الفضل في الجيش العثماني. فسحبت المنطقة بالتالي من سيطرة الپاشاوات الكرد وصار لها پاشاوات عرب. ثمّ شرعت بعدها في تطبيق سياسية الإسكان في الرقّة24 حيث فرضت على البدو من كلّ الأعراق الاستيطان في مدن اختارتها، وكان نصيب الرقّة الكثير من بدو المنطقة من العرب والتركمان والكرد. 

أغلب العرب المُسكنين في المدينة من قبائل الدليم والبوبدران والموالي وأغلبهم من منطقة ٱلْعَشَارَة شرق سوريا. أمّا الكرد فجيء بهم نتيجة التهجير الكبير للكرد من أورفا من منطقة نهد الجبل، وهم في الأغلبيّة من قبيلة ميلان. أمّا باقي عشائر الرقّة العربيّة فهي محلّية في المنطقة ولم يأت بها قانون الإسكان العثماني. ثمّ خلال القرن العشرين نمت الرقّة لتصبح في حجمها سادس المدن السورية، ولم يزل اقتصادها في أغلبه قائماً على الزراعة.

بكلّ الأحوال. حكاية المعبود داگون توضح وبكلّ بساطة مدى الترابط بين ممالك الجزيرة والساحل الشرقي للمتوسط منذ أقصى الأزمان عمقاً في التاريخ القديم. وهو ترابط ما انحلّ ولا توقّف طيلة الأزمان الماضية، ولن يتوقّف في المستقبل. ويبقى أن تنذكّر أنّ مدينة الرقّة أحد عواصم العرب العظام، وما كانت ولا صارت مدينة على هامش حياة الإنسان العربيّ.

المراجع

1  Akkermans, Peter M. M. G.; Schwartz, Glenn M. (2003), The archaeology of Syria. From complex hunter-gatherers to early urban societies (ca. 16,000–300 BC), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 255–256.

2  Astour, M.C. (2002), “A reconstruction of the history of Ebla (Part 2)”, in Gordon, C.H.; Rendsburg, G.A. (eds.), Eblaitica: Essays on the Ebla archives and Eblaite language, Winona Lake: Eisenbrauns, pp. 57–195.

3 The Electronic Text Corpus of Sumerian Literature. https://go.monis.net/H24BL8 

4 ANET, p. 268

5  Joseph Fontenrose, “Dagon and El” Oriens 10.2 (December 1957), pp. 277-279.

6  Cherfas, Jeremy (December 23, 2015). “Millet: How A Trendy Ancient Grain Turned Nomads Into Farmers”. National Public Radio. The Salt. Retrieved May 4, 2018. https://go.monis.net/W67rxr 

7  Smith, William, ed. (1861). A Dictionary of the Bible, Comprising Its Antiquities, Biography, and Natural History. 1. p. 695.

8  “older, as they say, than the Trojan times” (Eusebius, I, ch. viii). Porphyry’s actual text does not survive, however. “During the Hellenistic and Roman periods antiquity was the proof of national virtue”, M. J. Edwards remarks, in “Philo or Sanchuniathon? A Phoenicean Cosmogony” p. 214.

9  Lipinski, E. (1992). Brepols (ed.). Dictionnaire de la Civilisation Phénicienne et Punique (in French). Turnhout. p. 387.

10   One or more of the preceding sentences incorporates text from a publication now in the public domain: Chisholm, Hugh, ed. (1911). “Philo, Herennius”. Encyclopædia Britannica. 21 (11th ed.). Cambridge University Press. p. 413.

11  Codex Justinianus 3.12.2

12  Cambridge Bible for Schools and Colleges on Judges 16:23.

13 ANET, p. 662

14 Meinecke, Michael (1995). “al-Raḳḳa”. The Encyclopedia of Islam, New Edition, Volume VIII: Ned–Sam. Leiden and New York: BRILL. pp. 410–414. 

15 Perseus Project. https://go.monis.net/2CwZhK https://go.monis.net/lMKe0v 

16  Isidoros of Charax, Parthian Stations, § 1.2

17 Mango, Marlia M. (1991). “Kallinikos”. In Kazhdan, Alexander (ed.). The Oxford Dictionary of Byzantium. Oxford and New York: Oxford University Press. p. 1094. 

18  Revue de l’Orient chrétien 19 June 2013 at the Wayback Machine, VI (1901), p. 197. https://go.monis.net/6bvNrl 

19 البداية والنهاية/الجزء العاشر/بناء الرافقة وهي المدينة المشهورة https://go.monis.net/sSnUHg 

20  Hindley, pp. 205-206

21  Morgan, Mongols and the West

22  “On the contrary, Hulagu, accompanied by Dokuz Khatungreatly favoured Christianity”, Luisetto, p.155-156.

23 Ababsa, Myriam (20 September 2010). “Chapitre 1. ” Politique des chefs ” en Jazîra et ” politique des notables ” à Raqqa : La naissance d’une ville de front pionnier (1865-1946)”. Raqqa, territoires et pratiques sociales d’une ville syrienne. Contemporain publications. Beyrouth: Presses de l’Ifpo. pp. 25–66. 

24  Stefan Winter, “The Province of Raqqa under Ottoman Rule, 1535–1800” in Journal of Near Eastern Studies 68 (2009), 253–67.

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

شارك برأيك