بالنسبة لي، الزيتون الأسود أطيب سناك في الحياة

دائماً ما أرى معارفي الألمان في برلين يحملون سناك من قديد اللّحم، والأتراك يحملون كيس بزورات مملّحة أو محلّاة، وكلّهم لذيذ ولا أمجّهم… لكن، تبقى عندي زبدية أو كأس صغير فيها كمشة زيتون أسود، أطيب من كلّ غيرها من السناكات. حين أعمل على المكتب، أو أقرأ كتاباً، أو أحضر فيلماً، أو أحضر حديث رفيقتي بكلّ أجزائه… شوكة صغيرة وبعض زيتونات يتركون الوقت يمضي لذيذاً.

في الحقيقة، الزيتون الأسود فيه نسبة قليلة جدّاً من الكوليسترول، أقلّ كثيراً من غيره من صانعات الدهون. ومصدر ممتاز للألياف التي تحتاجها الأمعاء لصيانة عدّتها. وفي نفس الوقت، الزيتون غنيّ بالحديد والنحاس، وتختلف النسبة فيه حسب الأرض التي نبتت الشجرة فيها.

دراسة طبّيّة (رابط لها في المذيّلة) درست 26 ألف امرأة من سكّان سواحل البحر المتوسّط، ووجدت أنّ النظام الغذائي المعتمد على الزيتون وزيته يقلّل من خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين بنسبة 28٪ مقارنة بنظام غذائي يعتمد على منتجات الحليب؛ مثل الزبدة والسمن والقشطة وأشباهها من تصريفات الحليب. ولمّا توسّعت الدراسة بدراسة النظام الغذائي لسكّان شرق المتوسط “الذي أحبّ أن أسمّيه النظام الفنيقي” وجدَت أنّ نسبة الحماية يمكن أن تزيد عن 30٪، وليس السبب فقط اعتماد هذا النظام على زيت الزيتون، وإنّما كذلك بسبب اقتصار سكّان شرق المتوسّط بأكل اللّحوم الحمراء على مرّتين ثلاث شهرياً فقط. بالإضافة إلى غنى النظام الغذائي الفنيقي بالحبوب الكاملة والفواكه والخضروات والبقوليات والمكسّرات وبشكل يوميّ، إضافة إلى استهلاك الأسماك بكميّات جيّدة ولحومها خالية من الدهون المؤذية.

النظام الغذائي الفنيقي فيه فوائد عظيمة، بحسب هذه الدراسة، لأنّه يستغني عن الدهون غير الصحّية مثل الدهون غير المشبعة والمشبعة الموجودة بالزُبدة والسمن. ويستبدلها بدهون صحيّة مثل الدهون المتعدّدة غير المشبعة والدهون الأحادية غير المشبعة الموجودة في الزيتون وزيته. وزيت الزيتون هو حمض دهني أحادي غير مشبع، وجدتْ دراسة من سنة 2016 أنّ استهلاكها يقلّل من احتمال موت الفجأة، الذي يرفع احتمال حدوثه المبالغة بأكل الكربوهيدرات. ورابط الدراسة أدناه.

إلى جانب هذا الكلام… زيت الزيتون الحلو (البكر، زيت السلطة) يحتوي على نسبة عالية من نوع من مضادّات الأكسدة اسمه الپوليفينول، ومعروف أنّ ارتفاع حموضة الدم يهدّد المناعة بشكل عام ويُضعفها. وأهمّ ميزة لمضادّ حموضة الدم هذا الپوليفينول هي الوقاية من أمراض القلب والشرايّين، على عكس دهون الحليب التي تصنع أمراض قلب وشرايين، بسبب الكوليسترول الموجود فيها. وبالإضافة لكلّ هذا، الپوليفينول في الزيتون يخفّف احتمال الإصابة بالأمراض التنكّسية العصبيّة؛ مثل الرعاش والزهايمر ومرض هونتيگتون والخرف… أمراض الشيخوخة بشكل عام. لكن، هذا الكلام صحيح إذا كان نظامنا الغذائي يعتمد على دهون الزيتون دون اللّجوء لغيرها، متل دهون الحليب والشحوم.

آخر نقطة، من المهمّ التنبّه إلى أنّ الزيتون يباع دائماً محفوظ في الملح، هذا الملح كثير، ويجب الامتناع عن أكله مع الزيتون… لأنّ استهلاك هذا الملح يذهب بفوائد الزيتون كما لم تكن؛ ويرفع ضغط الدم، وقد يصنع سكتات قلبية وجلطات. لهذا السبب الأفضل إزالة الملح عن الزيتون المعلّب قبل أكله، أو الاكتفاء بزيت الزيتون.

رائع الزيتون كم هو مفيد، ومعهم حقّ الفنيقيّون يعشقنه فينقلن معهم شجرته أينما هاجروا، كأنّ شجرة الزيتون هي جذور هاتي الناس تثبتّهم في الأرض… وأنا جذوري نابتة مسقيّة بزيت الزيتون؛ ومن صغري أحبّه جدّاً وتراني لا أطبخ بغير زيت الزيتون، وفي أيّ طبخة قد أرمي كمشة زيتون.

المراجع:

نبذة عن المدوّن

مؤنس بخاري، مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات.

شارك برأيك