الإعلام وتحليل المضمون الإعلامي

أ. د. محمّد البخاري

المقدّمة

 منطق النظريات العلمية في المجالات الإنسانية المختلفة يعتمد على مجموعة عوامل مشتركة تنبع من بيئة الإنسان ومجموعة المنبهات والاستجابات التي تتكون استجابة لها. وقد استوعب الإنسان إنسانيته بعد أن تمكن مع مرور الزمن من تشخيص العوامل البيئية والاجتماعية والنفسية  المحيطة به،  وطور الإنسان اللغة ومفرداتها لأن اللغة في شكلها الأول وبطبيعتها البسيطة البدائية كانت ضرورية لحياة الجماعة ولازمة أساساً لتكوين علاقات إنسانية بين أفرادها، ومع مرور الزمن تطورت اللغة المكتوبة وأصبحت ذاكرة للمجتمع الإنساني ومكنته من تنسيق جهود البشر وتوحيدها في مجرى مشترك، وجعلت من تداول الخبرة بين الأفراد والأجيال والمجتمعات أمراً ممكناً.

وبهذا المعنى الواسع أصبحت اللغة الأداة الرئيسية للاتصال بين بني البشر، وتحولت إلى أداة فكر لتبادل الآراء والأفكار، وجاءت المطبعة لتفتح الطريق أمام الثورة الصناعية التي مهدت لها الثورة العلمية، وما أن دخل العالم القرن العشرين حتى صار يعيش ثورة شاملة شملت تقنيات الإعلام والاتصال. وانحسرت المسافات الجغرافية أمام القدرات التكنولوجية لوسائل الاتصال الحديثة، وتم تسخيرها وتوظيفها لخدمة الحصول على ونقل المعلومات وتبادلها بين المجتمعات البشرية مما دعى حكومات الدول إلى إخضاعها لنظرياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. مما دفع بعلماء الإعلام والاتصال إلى تأسيس نظريات إعلامية مستنتجه من النظريات السياسية الأوسع انتشاراً ومن تطبيقاتها العملية في مختلف المجتمعات المتقدمة من دينية ورأسمالية وتعاونية واشتراكية وهجينة أو خاصة تتميز عن غيرها.

ولا غرابة في أن يكون لإعلام الدول النامية قولٌ في هذا المجال سيما وأن هذه الدول ابتليت بأوضاع فرضتها عليها السياسات الاستعمارية، ونتج عنها ما تعانيه اليوم من تفاقم خلافات سياسية مردها الاستغلال الاقتصادي وتكريس التخلف، انعكست بالنتيجة على فعاليات تلك الدول الإعلامية والاتصالية. ورغم ولوج عالم اليوم القرن الحادي والعشرين وانتشار العولمة مع تنامي عصر المعلوماتية والوسائل المتطورة للاستشعار عن بعد فإننا نلاحظ استمرار الدول النامية في تخبطها بمشاكلها الإعلامية والاتصالية الآخذة بالازدياد والصعوبة والتعقيد. 

ويعتبر البعض أن الإعلام ما هو إلا ظل للسياسة والاقتصاد في عملية الاتصال اليومية وتطبيق للمناهج الاقتصادية والسياسية والفكرية والتربوية والتعليمية والثقافية السائدة في هذا المجتمع أو ذاك، وأن وعي الإنسان لهذه العوامل الاجتماعية وتقديره للظروف الموضوعية والذاتية المحيطة به، يربطه ربطاً مباشراً بلغته القومية، لاسيما وأنها (أي اللغة) هي المعبر عن تقديرنا للواقع الموضوعي، ومع ظهور الوعي واللغة في المراحل الأولى لتطور المجتمعات البشرية، تمكن البشر من التواصل والاتصال ببعضهم البعض. لماذا ؟ لأن اللغة تمنح الإنسان القدرة على استثمار المنجزات الحضارية والثقافية والمعرفية المحققة، بعد أن أتاح العلم الحديث للغة ممكنات ووسائل متعددة للتعبير عن دقائق الأمور وصورها النظرية والتطبيقية لتلبي الحاجات الإنسانية. ومع تعدد خصوصيات الحاجات الإنسانية وتنوع أساليب إشباعها من وجهة النظر الاتصالية عمد رجال الإعلام إلى وضع نظريات مناسبة تحسن الخطاب الإعلامي وتستخدم وسيلة الاتصال المتاحة لتجسيد المستويات الإعلامية والوظيفية المطلوبة، وهي: المستوى المعلوماتي: الذي يتوسل باللغة لتوصيل المعلومات إلى المتلقي بأسلوب مباشر وبصياغة واضحة ودقيقة؛ والمستوى الإقناعي: وهو الذي يهدف إلى إقناع المتلقي ودعوته للالتزام أولاً ومن ثم تبني المضمون المعرفي المطروح أو الفكرة المقصودة أو الرأي المراد إيصاله ومن ثم تدعيمه عن طريق خلق قناعات معينة لدى جموع الجماهير العريضة؛ والمستوى التعبيري: الذي يدخل في باب فن الأدب المستخدم في وسائل الإعلام الجماهيرية المقروءة والمسموعة والمرئية التي أصبحت تستخدم الصور الثابتة والمتحركة زيادة في التأثير.

ومع انتشار شبكة الانترنيت العالمية خلال تسعينيات القرن الماضي، ترددت أصوات تقول بأن المسألة أصبحت مسالة وقت، لتفسح الصحف المطبوعة الطريق أمام التوزيع الإلكتروني بالكامل، وبعد مرور سنوات على تلك التنبؤات ترددت أحاديث بين مغامري النشر الإلكتروني العرب تبشر بترك النشر الإلكتروني والعودة للنشر والتوزيع التقليدي، دون أي إيضاح لأسباب نجاح أو فشل تجربتهم تلك ؟ أو عن عوائدهم المالية التي هي في الحد الأدنى تكاد تغطي التكاليف. خاصة وأن نجاح أي مشروع إعلامي تجاري يعتمد بالدرجة الأولى على المبيعات، والاشتراكات، والإعلانات التجارية، في الوقت الذي تقدم فيه الصحف الإلكترونية خدماتها في البلدان العربية بالمجان تقريباً، لأن الإعلان يكاد في الآونة الأخيرة يغطي بعض نفقات تلك المواقع الإلكترونية بشكل لا يمكن التعويل عليه لإنجاح أي مشروع إعلامي الكتروني تجاري.

ومن الواضح أن تجارب إطلاق وسائل إعلام واتصال جماهيري إلكترونية جديدة هي استثمار في المجهول، لأن مؤسسات الإعلام الجماهيري على ما يبدوا تصرف من مواردها الذاتية ومن عوائد مبيعاتها على مواقعها الإلكترونية، مما يساعد على أن تفرض علاقات السوق نفسها على وسائل الإعلام الجماهيري التجارية المطبوعة وتوجهها نحو الابتكار أو التوقف عن بث إصداراتها الإلكترونية عبر مواقعها الإلكترونية في الإنترنت. أو الحد منها أو تأخيرها لتتمكن من تسويق طبعاتها، والبحث عن طرق للحفاظ على مشتركيها، في الوقت الذي أصبحت فيه الصفحات الإلكترونية لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري غير التجارية تزدهر كونها تحقق خفضاً في نفقات النشر والتوزيع وتجعلها في متناول الراغبين في أي مكان، وفي أي وقت يرغبونه، وهو ما يحقق سعة الانتشار والوصول للأهداف المرسومة.

ولكن المشكلة القائمة أمام الباحثين العرب في المجال الإعلامي اليوم تبقى متمثلة بكيفية تحويل الكم الهائل من الصفحات الإلكترونية إلى بنك قومي شامل يختزن المعلومات والمعرفة باللغة العربية يمكن الوصول إليها في أي مكان وأي وقت دون الرجوع إلى أكداس الورق في المكتبات الوطنية للحصول على المعلومات المطلوبة للمعرفة والتحصيل العلمي، وهو ما يحتاج لتمويل لا بد أن تتحمل جزءاً هاماً منه المؤسسات الثقافية العربية الحكومية، وبالإضافة لمشكلة إيجاد جهة حكومية تشرف على إشهار والتحقق من مصادر وسعة انتشار ودراسة محتوى تلك الوسائل ودراسة استخداماتها الفعلية وليست المفترضة كمورد من موارد بنك المعلومات القومي العربي.

وكلنا يعلم أهمية المعرفة في بناء الأمم والشعوب، ولا يخفى على أحد أهمية العلم والتعلم لنا كأمة تريد أن يكون لها مكان واضح في التاريخ الإنساني المعاصر، فنحن أمة اهتمت بالقراءة وقرض الشعر منذ أقدم العصور، ومع ذلك ظلت اهتماماتنا كعرب متواضعة إذا ما قارناها باهتمامات الأمم الأخرى وهو ما أشار إليه تقرير التنمية البشرية لعام 2003 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للإنماء ويعطينا بعض المؤشرات الرقمية الخطرة· رغم تركيزه على الحريات، وحقوق المرأة، وحق الحصول على المعرفة في تدخل شبه صريح في الشؤون الداخلية لدول ذات سيادة متناسياً التضييق أو تجاوز تلك الحريات والحقوق في بعض الدول المتقدمة، ودون تناول غيرها من المشاكل المعاصرة التي تواجه التدفق الإعلامي الدولي.

ومن المؤشرات الإيجابية أن معظم وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري العربية تقريباً تعتبر ملكاً للدولة أي لها مصادر تمويل ثابتة، وبالتالي تسهل عملية دخولها عالم وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري الإلكترونية، ولكن هذا الدخول قد لا يتناسب مع عصر العولمة المعلوماتية المتغير والمفتوح في عصر أصبح يعرف بعصر الكلمة الحرة التي تعتمد على عقول البشر وتحاول التخلص من سلطان الرقابة لتحل محلها سلطات الإشراف ومتابعة مدى التقيد بالقوانين الوطنية للنشر والإعلام والتدخل عند الحاجة عن طريق السلطات القضائية صاحبة القول الفصل في مثل هذه الحالات.

وأورد التقرير المشار إليه أن عدد الصحف في البلدان العربية آخذ بالانخفاض ليصل إلى أقل من 53 نسخة صحيفة لكل ألف نسمة، بينما هي في الدول المتقدمة تبلغ نحو 285 نسخة صحيفة لكل ألف نسمة، إضافة لتميز بعض الصحف في الدول المتقدمة بحرية التعبير وهو أمر على ما نعتقد مشكوك فيه كثيراً !!؟ رغم التطور الكبير الذي تشهده وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في الوطن العربي خلال العقود الأخيرة. ويشير التقرير المذكور إلى أن استخدام الحاسب الآلي لم يزل محدوداً في البلدان العربية ويشير إلى وجود 18 حاسوب لكل ألف نسمة، في الوقت الذي هو 78 حاسوباً في الدول المتقدمة، وأن عدد مستخدمي خدمات شبكة الإنترنيت العالمية لا يتجاوز في البلدان العربية الـ 1.6%، الأمر الذي يعيق التوسع باستخدام موارد بنك المعلومات القومي الإلكتروني في أكثر البلدان العربية في الوقت الحاضر على الأقل. ونضيف إليها مشاكل اللغة في التواصل الحضاري لعصر العولمة فمؤشرات الترجمة في البلدان العربية تشير إلي أمرين مهمين أولهما حب اللغة القومية والتعلق برغبة الانفتاح على التجارب العالمية. ولكن في المجر مثلا بلغ عدد الكتب المترجمة 519 كتابا وفي إسبانيا 920 كتابا لكل مليون نسمة، بينما كان عددها في البلدان العربية لا يتجاوز الـ 4.4 كتب. ومن قضايا تحويل ذلك الكم الهائل من الصفحات الإلكترونية إلى بنك قومي ووطني شامل للمعلومات والمعرفة قضية البحث العلمي التي تحتاج لتوفير النفقات المالية اللازمة. ويشير تقرير التنمية البشرية آنف الذكر إلى أن الدول العربية تخصص للإنفاق على البحث العلمي نسبة لا تتجاوز الـ 2% من مجموع الدخل الوطني، إضافة لندرة الباحثين والمتخصصين اللذين لا يتجاوز عددهم في البلدان العربية عن 371 لكل مليون نسمة، مقابل 979 لكل مليون نسمة في العالم المتقدم. وهو ما يفسر عدد براءات الاختراع المسجلة في العالم المتقدم مقارنة بالإنتاج الوطني العربي للمعرفة، فقد سجلت دولة الإمارات العربية المتحدة 32 براءة اختراع، ومع حلول عام ألفين سجلت المملكة العربية السعودية 171 براءة اختراع، بينما سجلت كوريا 16328 براءة اختراع، وسجل الكيان الصهيوني 7652 براءة اختراع خلال نفس الفترة.

هذا إن لم نشر إلى مشكلة تفشي الأمية وهجرة العقول العربية إلى الخارج، ومشاكل القوة الذاتية الطاردة للكفاءات الوطنية من الدول العربية إلى الخارج، فخلال الأعوام 1998 – 2000 غادر أكثر من 15 ألف طبيب عربي إلى الخارج بالإضافة إلى 25% من أصل 300 ألف خريج جامعي هاجروا إلى أوروبا وأميركا قبل عام 1996 فقط،  وهذه كلها من العوامل التي تكرس تأخرنا عن العالم المتقدم في مجال البحث العلمي ومن بينه بحوث الإعلام والاتصال الجماهيري منذ نشوء أول أشكال وسائل الاتصال والإعلام الجماهيري الدولي في القرن الخامس عشر.

ولا أحد ينكر أهمية البحوث العلمية في تطور أي منحى من مناحي الحياة الإنسانية ومنها وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري وهو ما تحاول القيام به بعض المؤسسات الرسمية والخاصة في بعض البلدان العربية بمداخل متفاوتة ونتائج تعكس فهم وإدراك القائمين على البحث الميداني لا أكثر وهو ما يوضح دون شك مدى نقص المكتبة العربية للمراجع التي تتحدث عن أساليب الاتصال والعمل الإعلامي وتحليل المضمون الإعلامي وهو ما حاولت البحث في مقوماته منذ مطلع القرن العشرين في دراسي الموجزة هذه التي تناولت فيها: وظائف وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري؛ وتفاوت المقدرة الإقناعية لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري؛ والخصائص المميزة لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري؛ وتأثير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري على المجتمع وتطور أبحاث الإعلام والاتصال واتجاهاتها الحديثة؛ ودور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في المحافظة على القيم الاجتماعية،  وتحقيق الانصهار الثقافي والاجتماعي داخل المجتمع؛ والقائمون بالاتصال والمصادر الإعلامية؛ وقادة الرأي من وسائل الإعلام الجماهيرية؛ وتأثير الضغوط المهنية على القائم بالاتصال؛ وتأثير الجمهور الإعلامي؛ وأهمية دراسة جمهور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري؛ وغيرها. آملاً أن أكون قد قدمت خدمة للمكتبة العربية وللعاملين في هذا المجال الهام داعياً إلى ضرورة تأسيس مراكز للبحث العلمي في هذا المجال الهام للسياسات الإعلامية تتبع لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي الحكومية العربية حصراً لتراعي أهمية البحوث ودرجة سريتها وما يمكن نشره وما لا يجوز نشره من نتائجها ليبقى تحت تصرف القائمين بالتخطيط السياسي والعمل الإعلامي وتحسين أداءه والتي أعتقد أنها مؤهلة للقيام بذلك.

المؤلف

بروفيسور محمد البخاري

طشقند: 15 شباط / فبراير 2008


عودة إلى …

اترك رد


أشهر التدوينات

تبرّع لدعم استمرار مدوّنة البخاري

مرة واحدة
شهري
سنوي

تبرّعك يعيننا للاستمرار

إنشاء تبرع شهري

إنشاء تبرع سنوي

اختيار مبلغ

€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00

أو إدخال مبلغ مخصص


تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تبرعالتبرع شهريًاالتبرع سنويًا