المصدر الإعلامي قد يكون فرداً ينقل أو مؤسسة إعلامية تنقل رسالة ما بقصد أو بغير قصد، لفرد واحد أو مجموعة أفراد. والمصدر الإعلامي قد يكون محاضراَ أو خطيباً أو شخصية سياسية أو اجتماعية، أو معلقاً إذاعياً أو تلفزيونياً… الخ. ومن الصعب تحديد مدى تأثير المصدر على المادة الإعلامية وتأثير المادة الإعلامية على المتلقي، إلا أننا نستطيع تحديد السمات الواضحة لناقل المادة الإعلامية، من خلال استجابة الجمهور الإعلامي له، ومدى إيمانهم بصدق هذا المصدر أو ذاك. وأفضل طريقة لتحديد مدى تأثير المتغيرات المتعلقة بالمصدر، هي دراسة المتلقي.
ومنذ أيام أرسطو، استخدم اصطلاح Ethos للتعبير عن عنصر التصديق لدى الجمهور، هذا المصطلح الذي تطور مع الأيام وأصبح اليوم يستخدم تعبيرات كثيرة منها: تصور، مكانة، إعجاب، للتعبير عن تصديق المصدر. لأن عنصر التصديق هو صلب عملية الاتصال، وهو الذي يحدد أهمية ومكانة القائم بالاتصال،وتأثيره على الحدث الاتصالي بشكل عام. وعنصر التصديق يتضمن كل المتغيرات التي تحيط بالمصدر الإعلامي، التي يدركها المتلقي والتي تؤثر على استجابته لعملية الاتصال.
عناصر تصديق المصدر
حاول عدد من العلماء تحديد الخصائص التي تجعل المتلقي يصدق المصدر الإعلامي. ومنهم أرسطو، الذي وصفها بأنها: القدرة على التمييز الحسن والأخلاق الطيبة، وأن حسن نية المصدر تجعل المتلقين يستجيبون بشكل إيجابي للرسالة الإعلامية نفسها. وابن خلدون، الذي دعى لمناقشة ما يحكيه الراوي – المصدر – ومناقشة مادة تلك الرواية – الرسالة، للوقوف على مدى اتفاقها مع طبيعة الأمور، ومع الظروف والملابسات وأن يتأكد المستقبل من أمانة الراوي – المصدر، وصدقه وسلامة ذهنه، وطهارة عقيدته، ومتانة خلقه، وقيمته الشخصية. وأضاف هوفلاند، وجانيس، إلى تلك الخصائص: الخبرة والكفاءة، ومدى الثقة بالمصدر الإعلامي.
والمتلقي يدرك الخبرة والكفاءة اللتان يتمتع بهما المصدر الإعلامي من الطريقة التي تقدم بها المادة الإعلامية، ومدى معرفة المصدر الإعلامي لموضوع مادة عملية الاتصال. أما الثقة بالمصدر الإعلامي فتأتي من خلال إدراك نوايا القائم بالاتصال، وهدفه من عملية الاتصال، والحجج والعبارات التي يستخدمها للوصول إلى الهدف.
بينما حدد كلاً من برلو، ومرتز، ولمبرت، ثلاثة عوامل اعتبروها من خصائص صدق المصدر الإعلامي، وهي: 1- الإحساس بالأمان والطمأنينة للمصدر الإعلامي. وهو عامل الأمان والطمأنينة الذي يدخله المتحدث إلى نفوس المتلقين للمادة الإعلامية. والنابع من إحساس الجمهور الإعلامي بعدل وأمانة وطيبة ونزاهة المصدر الإعلامي؛ 2- مؤهلات المصدر الإعلامي، وهي المؤهلات والكفاءة، النابعة من خبرة المصدر الإعلامي ومهارته في تناول الموضوع وقدرته على عرضه أمام الجمهور الإعلامي؛ 3- ديناميكية المصدر الإعلامي، وهي الحالة التي يبدوا فيها القائم بالاتصال من طاقة وجرأة ونشاط وحيوية، أو خجل وخمول وكسل وتعب وإرهاق، أو عدوانية وغطرسة وتكبر.
وكلها عوامل هامة تنعكس سلباً أو إيجاباً على المصدر الإعلامي وتؤدي إلى تصديقه أو الانصراف عنه. وهي التي تحدد العلاقة بين المتلقي والمصدر الإعلامي.
والتصديق يمر عبر عدة مراحل من خلال متغيرات تنبع من ظروف الموقف الاتصالي، وهي: 1- التصديق المبدئي الذي يشعر به المتلقي قبل أن يبدأ القائم بالاتصال في تقديم الرسالة الإعلامية. وتتعلق بالتجارب الشخصية للقائم بالاتصال، ومظهره الخارجي؛ 2- التصديق النابع من الظرف الاتصالي، وهي التي تتكون أثناء عملية الاتصال؛ 3- التصديق بعد انتهاء عملية الاتصال، أي بعد أن يكون المتلقي قد كون صورة شاملة عن القائم بعملية الاتصال. وهو التصديق النهائي.
ولتصديق المصدر الإعلامي أهمية وتأثيرٍ كبيرين، قام بدراستهم خلال نصف قرن من الزمن العديد من الباحثين، نذكر منهم: هيمن، وكلمان، وهوفلاند، وماندل، أثبتت كلها أن تقسيم تصديق المصدر الإعلامي إلى ثلاثة مراحل يعتبر طريقة مثلى لفهم تأثير صدق المصدر من خلال العملية الاتصالية. فالتصديق المسبق للقائم بالاتصال يؤثر على استعداد المتلقي لتلقي المادة الإعلامية. فإذا كانت استجابة المتلقي المبدئية فيها تأييد للمصدر الإعلامي، فقد يتلقى المادة الإعلامية على الأقل. ولكن إذا كانت استجابته الأولى سلبية، فقد يعزف عن تلقيها. وإذا كان المتلقي غير مهتم بالمادة الإعلامية، فسيعجز المصدر الإعلامي عن إقناعه بالمشاركة في عملية الاتصال وبالتالي عن تحقيق أي تأثير عليه.
والمتلقي يحدد بنفسه المشاركة أو عدم المشاركة في عملية الاتصال. ويأتي قراره بالمشاركة أو عدم المشاركة على أساس إدراكه لمواقف القائم بالاتصال، وللمادة الإعلامية ومدى صدق المصدر الإعلامي، وجدارة القائم بالاتصال بالثقة، ومدى الخبرة والديناميكية لديه. وبقدر القناعة المتولدة بالمصدر الإعلامي والقائم بالاتصال والمادة الإعلامية بقدر ما يكون التأثير أكبر أو أقل حسب الظروف.
ومع مرور الزمن يضعف تأثير المصدر الإعلامي والقائم بالاتصال والمادة الإعلامية لسبب بسيط هو أن الناس بحكم طبيعتهم ميالون مع مرور الوقت إلى عدم ربط المضمون الإعلامي بالمصدر الإعلامي، وهو ما يطلق عليه “التأثير القائم” أو “التأثير النائم“.










اترك رد