الإعلام وتحليل المضمون الإعلامي

أ. د. محمّد البخاري

علم التحكم الأوتوماتيكي

اشتهر نوبرت وينر، أستاذ الرياضيات في معهد ماساتشوسيت للتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية (1894- 1964)، بأبحاثه العلمية في مجال التحليل الرياضي، ونظريات الاحتمالات، والمعلومات الفجائية. وكان أول من استخدم مصطلح Cybernetics كيبرنيتيك، الذي أخذه من الكلمة اليونانية Cybernetics وتعني قيادة، ومنها اشتقت الكلمة الإنكليزية Governor التي تشير إلى السيطرة الميكانيكية. وعلم التحكم الميكانيكي، هو علم المراقبة بواسطة آلات إعلامية، سواء أكانت تلك الآلات طبيعية أو عضوية أو من صناعة الإنسان. وولد هذا العلم في الولايات المتحدة الأمريكية خلال أربعينات القرن العشرين. وشجعت الحرب العالمية الثانية على تطوير أبحاث التحكم الأوتوماتيكي الذي يحتاج للدقة والسرعة لأداء المطلوب منه. وتمكن العلماء من ابتكار آلات قادرة على التفكير والاتصال، أطلق عليها اسم العقول الإليكترونية، وكانت تلك العقول قادرة على الخروج باستنتاجات استدلالية وقياسية، وقادرة على حل مشاكل رياضية، والتنبؤ منطقياً.

وتمكن الإنسان من تعليم الآلات أن تفكر تفكيراً منطقياً وتتعلم وتتصل حتى توصلت عبقرية الإنسان إلى إدخال شبكة الانترنيت العالمية حيز الخدمة الفعلية. وقال العلماء: أن جسم الإنسان ما هو إلا عبارة عن نظام كيبيرنيتيكي معقد، تتحكم به أجهزة تنظيم ذاتية لا حصر لها، وأن كل خلية في الجسم البشري ما هي إلا جهاز تحكم أوتوماتيكي. وأن هناك ملايين من وحدات التحكم الأوتوماتيكي الدقيقة التي تعمل دون توقف داخل جسم الإنسان.. وأن هذه الوحدات هي التي تتحكم بدوران الدم داخل الجسم، وفي تركيب العصارات المعدية والهضم، وتحافظ على انتظام عملية انقباض القلب والرئتين، وآلاف العمليات الأخرى التي نسميها اصطلاحاً بالوظائف الحية لأي كائن حي.

وتحقق ما تنبأ به وينر، وأصبح العالم اليوم يستخدم عملية الاتصال، والآلات الذكية “الكمبيوتر” التي تقوم بها، وتتصل مع بعضها عبر شبكات معقدة تلف الكرة الأرضية والفضاء الكوني. وجاء ميتشو كاكو، في النصف الثاني من القرن العشرين ليتنبأ بأن العلماء سينتجون آلات تمتلك أحاسيس مثل البشر، وأجهزة كمبيوتر تتفوق حتى على الإنسان حسابياً، وتعجز أمام الحقائق البيولوجية في القرن الحادي والعشرين. وقال أن ثورة الحاسوب ستغير أسلوب حياة البشر خلال القرن الواحد والعشرين، وأنها ستكون سبباً في تحول البشر من مجرد مراقبين سلبيين لأسرار الطبيعة، إلى أسياد لها يتحكمون في ظواهرها، وسوف يغدو في وسعهم صياغة المادة، والتحكم بأسس الحياة ووظائفها، وصناعة الذكاء ونشره في العالم المحيط بهم. ولعل الأنظمة الخبيرة التي تنطوي على برامج لكشف المعارف المتراكمة لخبرات الإنسان، ويمكنها أن تحلل المشاكل كالبشر تماماً، من الأمثلة على ذلك، ما تقوم به أجهزة الحاسب الآلي (الكمبيوتر) وشبكة الانترنيت العالمية اليوم من خلال البرامج المتقدمة التي وضعت قيد التداول الفعلي.

وقد قسم نوبرت وينر، الآلات إلى ثلاثة أنواع رئيسية، هي: 1- آلات القرن السابع عشر، وأوائل القرن الثامن عشر التي اتسمت بالبساطة، مثل: الساعات الميكانيكية؛ 2- آلات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والتي كانت آلات تتحرك بمصدر خارجي للطاقة، وتحول الطاقة الكيميائية إلى قدرة حركية، مثل: الآلة البخارية؛ 3- آلات الإعلام، وهي الآلات التي تميز بها القرن العشرين. وأحدثت ثورة معلوماتية حقيقية شملت العالم كله مع نهاية القرن العشرين.

نموذج ديفيد برلو

نشر ديفيد برلو، نموذجه عن الاتصال الشخصي بين فردين عام 1960وافترض في نموذجه أن الفرد يجب أن يفهم السلوك البشري حتى يستطيع أن يحلل عملية الاتصال، وتضمن نموذج برلو، العناصر الرئيسة التالية:

آ- مصدر: ويتوقف نجاح عملية الاتصال على بعض الشروط في المصدر، منها: 1- مهارات الاتصال عند المصدر: وتتضمن خمسة مهارات أساسية، تتعلق اثنتان منهم بفك الرموز، وهما القراءة والاستماع. والخامسة بالمقدرة على التفكير ووزن الأمور لتحديد الهدف من عملية الاتصال. إذ تؤثر مهارات الإنسان في قدرته على تحليل الأهداف، وعلى ما يقوم به من ردود فعل أثناء عملية الاتصال. وتؤثر على كيفية تحويل الرسائل إلى رموز تعبر عما يختزنه الذهن من معلومات وأفكار وخبرات؛ 2- اتجاه المصدر نحو نفسه: فإذا كان اتجاه الفرد نحو نفسه سلبياً، فيحتمل أن يؤثر ذلك على نوعية الرسالة التي يضعها المصدر، وعلى تأثيرها؛ 3- اتجاه المصدر نحو الموضوع: عندما يقرأ الإنسان مقالاً أو كتاباً، أو يستمع إلى محاضراً، يبقى لديه انطباع عن اتجاه الكاتب أو المتحدث نحو الموضوع ايجابياً كان أم سلبياً؛ 4- اتجاه المصدر نحو المتلقي: لأن اتجاهات المصدر نحو المتلقي هي من العوامل التي تحدد مدى نجاح أو فشل عملية الاتصال. لأن القارئ أو المستمع لن يقتنع بكلام شخص لا يشعر في أعماقه أنه يهتم به ويحترمه، بصرف النظر عما إذا كان ما يقوله صحيحاً أو منطقياً؛ 5- مستوى المعرفة عند المصدر: لأن قدر المعارف المتوفرة عن الموضوع يؤثر على الرسالة، فالإنسان لا يستطيع أن يقول ما لا يعرفه. ولا يمكن نقل مضمون رسالة غير مفهومة. ولهذا تستعين وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري بالمحررين المتخصصين لتبسيط المعلومات، وصياغتها بلغة مفهومة للجمهور الإعلامي كي يفهمها. ولا يكفي معرفة الموضوع من قبل المصدر بل يجب أن يكون المصدر نفسه قادراً على نقل المضمون بشكل مفهوم ومبسط؛ 6- النظام الثقافي والاجتماعي: إذ يتأثر القائم بالاتصال بمركزه في النظام الاجتماعي والثقافي. وهذا يفرض على الباحث معرفة أنواع النظم الاجتماعية التي يعمل في إطارها القائم بالاتصال، ومكانته في النظام الاجتماعي، والأدوار التي يؤديها فيه، والمهام التي يجب أن يقوم بها، والوضع الذي سيراه الجمهور الإعلامي من خلاله.

ب- رسالة: لكل رسالة عناصر وتكوين، فالأفكار هي عناصر، وطريقة تنظيم تلك العناصر هي التكوين. وهناك أمور ثلاثة على الأقل يجب أن نراعيها بالنسبة للرسالة الإعلامية، وهي: 1- رموز الرسالة: التي يجب أن توضع في ترتيب معين، وفي تكوين لغوي له معنى، ليصبح لها معنى عند المتلقي، وإلا ضاعت الرسالة وفقد معناها؛ 2- مضمون الرسالة: وهي المادة التي اختارها المصدر ليعبر عن أهدافه. ومضمون الرسالة هو العبارات التي تقال، والمعلومات التي تقدم، والاستنتاجات التي يمكن الخروج بها، والأحكام التي يمكن اقتراحها. ويجب أن تقدم المادة بترتيب ما لبناء المضمون؛ 3- معالجة الرسالة: وتتعلق بالقرارات التي يتخذها المصدر، وبالطريقة التي يقدم بها المصدر رسالته. فهو قد يختار معلومة معينة ويتجاهل أخرى، وقد يكرر الدليل أكثر من مرة في سياق الرسالة ليثبت رأيه، وقد يلخص رأيه في البداية أو النهاية. وقد يذكر المصدر كل الحقائق في رسالته الإعلامية، أو أن يترك بعضها للمتلقي ليكمل بعض جوانبها التي لم تذكر في الرسالة صراحة (استنتاج)؛

ج- وسيلة: وهي وسيلة الاتصال الجماهيرية التي ستحمل الرسالة الإعلامية من المصدر إلى المتلقي. ويتوقف اختيارها على قدرات كلاً من المصدر والمتلقي على حد سواء؛

د- متلقي: وما ينطبق على المصدر،  ينطبق على المتلقي. لأن المصدر والمتلقي وفق نموذج برلو، متماثلان، وأحياناً هما شخصاً واحداً. وقد يتحول المصدر إلى متلقي أثناء عملية الاتصال، ويبقى المتلقي أهم حلقة في عملية الاتصال، وعلى المصدر أن يضع المتلقي في اعتباره دائماً عند اتخاذه لأي قرار يمس عوامل عملية الاتصال.

ومن نقاط الضعف في نموذج برلو أنه لم يتناول موضوع التقييم، أو راجع الصدى، أو التأثير المرتد، إلا في سياق المناقشة فقط.

نموذج الاتصال في الإطار الشخصي (نموذج التعلم)

التعلم هو التغيير الذي ينتج عن العلاقة الثابتة بين ما يدركه الفرد، والاستجابة التي يقوم بها، سواء أكانت هذه الاستجابة علنية أم خفية. ويحدث التعلم في حال استمرار الفرد القيام بنفس الاستجابات القديمة رداً على منبه جديد، أو قيامه باستجابة جديدة على منبه قديم. وهناك علاقة بين التعلم وعملية الاتصال، لأن هدف القائم بالاتصال أساساً هو تغيير سلوك المتلقي ليتعلم خبرات جديدة. ولنفرض أن شخصاً ما يسعى لينتخبه الناس لمنصب هام للمرة الأولى والناخبين لا يعرفونه من قبل، ويريد جعلهم ينتخبونه. ويعرف أن الناخبين قد انتخبوا غيره في السابق أي مروا بتجربة الانتخاب، أي لديهم استجابة قديمة. فيسعى إلى تغيير الاستجابة القديمة إلى منبه جديد يدخل ضمن عناصره، وهذه العملية بحد ذاتها هي عملية اتصال وتكمن فيها أهداف التعلم. أو أن أحد المنتجين يريد الإعلان عن سلعة معينة، معروضة للبيع منذ فترة دون إقبال المستهلكين على شرائها. وعلى ضوء نظرية التعلم نستخلص أن السلعة هي منبه قديم، استجاب إليها المستهلك بعدم الشراء، وأصبح الهدف الآن جعل المستهلكين يغيرون استجاباتهم للمنبه القديم ويقدمون على شراء السلعة القديمة. وهذه العملية بدورها حالة اتصالية تنطوي على مهارات التعلم.

وعملية التعلم تعتمد على استجابة الإنسان للمنبه من خلال إدراكه وحواسه. وتتضمن عملية التعلم: وجود المنبه، الذي يستطيع الفرد إدراكه بحواسه، وأن يدرك الفرد هذا المنبه، وأن يفسر الفرد المنبه الذي أدركه. ليكون استجابة معينة للمنبه. ومن ملاحظة الاستجابة نرى أن الفرد يحافظ على الاستجابة التجريبية إذا أدرك أن نتائجها مفيدة له، ويترك الاستجابة التجريبية إذا أدرك أنها غير مفيدة. ومن ذلك نستنتج أن مكونات عملية التعلم هي: تقديم منبه، وإدراك هذا المنبه، وتفسير هذا المنبه، والإقدام على استجابة تجريبية، وتقييم نتائج الاستجابة التجريبية، والقيام باستجابات أخرى، وتطوير العلاقة الثابتة بين المنبه والاستجابة. أي تطوير ما تعود عليه الفرد. وقوة العادة لدى الإنسان تنشأ عادة عن:

1- التكرار: عندما نتعلم مهارات جديدة، تؤدي الممارسة وتكرار حدوثها للوصول إلى الكمال؛ 2- العزل: يتعرض الإنسان لوسائل إعلام واتصال جماهيري مختلفة، ولكن إن استطاع مصدر الإيصال أن يعزل المتلقي، أو يقلل من الرسائل المتوافرة له، أصبح في إمكانه زيادة فرص تعرض ذلك المتلقي لرسالة المصدر هذا فقط، وليس للرسائل الأخرى المنافسة. وعمدت بعض الدول كالإتحاد السوفييتي السابق ودول المنظومة الاشتراكية إلى السيطرة التامة على وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، ولم تسمح بنقل رسائل إعلامية تنافس الرسائل الإعلامية الرسمية، وفرضت على الجمهور الإعلامي وجهة نظر واحدة فقط. ويرى البعض في تركيز ملكية وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية، في أيدي قلة من المالكين أمراً يدعو للقلق. فقد ازداد عدد المدن الأمريكية التي لا يوجد فيها صحفاً منافسة، ويعزو البعض ذلك إلى أسباب اقتصادية بحتة، وليس لأسباب سياسية وهذا غير منطقي؛ 3- مستوى الفائدة: فكلما زاد مستوى الفائدة من المنبه الجديد، كلما زاد مستوى الاستجابة له من قبل المتلقي؛ 4- تأخير الفائدة: ويؤثر على قوة الاستجابة، لأن الفائدة المباشرة تزيد من احتمال استبقاء تلك الاستجابة أكثر. ومنه يمكن أن نخرج بحقيقتين هامتين، هما: أن المادة الإعلامية التي توفر الفائدة المباشرة والسريعة، يحتمل أن يستجيب لها كل شخص، بينما المواد التي توفر فائدة آجلة، فقد يقرؤها من كان له حظاً أوفر من التعليم فقط؛ 5- الجهد المطلوب للاستجابة: فإذا تساوت الظروف، يلجأ الفرد إلى استجابات تحتاج إلى مجهود بسيط، ويعرض عن الاستجابات التي تحتاج لمجهود كبير. ولهذا يجب التقليل من المجهود المطلوب من المتلقي لتحقيق الاستجابة المطلوبة.

وعندما نقوم بإعداد الرسائل الإعلامية، أو عندما نتلقى رسائل إعلامية، أو نحلل عملية الاتصال علينا أن نأخذ بعين الاعتبار: 1- الاستمرار في تقديم الرسالة الإعلامية، مع أو دون تحقيق فائدة للمتلقي؛ 2- وجود أو عدم وجود منافسة بين المنبه أو الاستجابة، ومنبه واستجابة أخرى؛ 3- قدر الفائدة التي يشعر المتلقي أنه حصل عليها نتيجة للاستجابة؛ 4- الفترة الزمنية الممتدة بين القيام بالاستجابة والفائدة التي حصل عليها المتلقي؛ 5- المجهود المطلوب من المتلقي للقيام بالاستجابة المطلوبة.

والتعلم والفائدة مرتبطان ولهما دوراً أساسياً في تقوية العادات السلوكية لدي المتلقي، وجعل عملية الاتصال أكثر فاعلية. وللفائدة دوراً أساسياً في تقوية العادات السلوكية وتحقيق أهداف عملية الاتصال. فنحن كمصدر للاتصال أو متلقين للاتصال، نريد إشباع حاجاتنا، وتحقيق أهدافنا. والهدف الرئيسي هو التأثير، فنحن نحاول التأثير على أنفسنا وعلى الآخرين وعلى الظروف المادية المحيطة بنا.

والإنسان يسعى دائماً إلى التقليل من إحساسه بالتوتر، ويسعى للحصول على الحقائق التي تساعده على زيادة يقينه عما يحدث فعلاً. وهذه العلاقة بين الحقيقة، والتوتر، تكمن في نظرية هوميوستيز، في التعلم، وتدخل في نظرية أسجود، وتاننباوم، عن مبدأ الاتفاق في الاتصال، ونظرية فستنجر، عن تنافر وتآلف المعرفة في السلوك البشري. وكلها متصلة بمفهوم الفائدة.

وفي أي ظرف اتصالي، علينا أن نختار موضوعات من خلال النتيجة التي نتوقع أن يحصل عليها المتلقي، وكقائمين بالاتصال علينا أن نتذكر أن الاستجابة التي نريدها من المتلقي تكمن في الفائدة التي يحصل عليها، وإلا فإنه لن يكررها ولن يتعلمها. وأن الاتصال الفعال يجب أن يؤكد الجوانب الإيجابية ويقلل من الجوانب السلبية، ولو أن التعلم يتطلب خلق توتر، وتقليل اليقين الفردي، ولكن هذا التوتر يجب أن يكون خلاقاً ليصبح ذو فائدة.

نموذج بارنلند، للاتصال بين فردين

أشرنا عندما استعرضنا نموذج بارنلند، للاتصال الذاتي إلى أن عملية الاتصال من وجهة نظره هي عملية دائرية، وأنه لا يهتم بالعناصر البنائية للاتصال بقدر اهتمامه بالعلاقات الوظيفية التي تحكم الجوانب التكوينية والقالب الاجتماعي الذي يحدث فيه التفاعل. وتناولنا مدى اهتمام بارنلد، بالدلالات المتنوعة التي تصنع التأثيرات الداخلية والخارجية.

وفي نموذجه عن الاتصال الشخصي بين فردين عملية الاتصال تزداد تعقيداً. وتتضمن ثلاثة إطارات من الدلالات متصلة كلها بالظروف المحيطة، والظروف السلوكية، والظروف اللفظية، ويجب مراجعتها لإضفاء معان عليها، ومقارنتها حتى يقدم كلاُ من الفردين على الاستجابة المناسبة، وهي: دلالات خاصة، ودلالات سلوكية غير لفظية، ودلالات سلوكية لفظية.

وبما أن الهدف من عملية الاتصال هو تقليل عدم اليقين، فإن لكل دلالة قيمة معينة في تحقيق هدف الاتصال. ويتطلب من الإنسان أن يبقى دائماً مستعداً لتلقي الدلالات المتوفرة، وتعديل معانيها حتى تتكون لديه صورة متكاملة عن الظرف الاتصالي. ولهذا يصبح التكيف مع الظروف هو معيار الاتصال الوظيفي الذي يتضمن الاتجاه للتفكير وفقاً لدرجات متنوعة ونسب متغيرة، واعتياد العمل أو التصرف المؤقت مع إدراك واع للتأثير المقيد أو المشروط بالزمن والمكان والأفراد والظروف والتطلعات والتوقعات، والتقدير العاطفي للمشاعر المتنوعة وما تبقيه تلك المشاعر من خلال عملية الاتصال.

وما تعتبره بعض الدراسات الأكاديمية خطأ في الحكم، أو انهيار لعملية الاتصال، أو اضطراب الشخصية، ما هو إلا نوع من الإهمال الاتصالي، عرف بقانون الظرف الكلي، أي الدرجة التي يستطيع أو لا يستطيع الفرد بمقتضاها الاستجابة للظرف الكلي. فالفرد قد لا يرى الدلالات الهامة الموجودة في الظروف المحيطة، وقد يحرف الدلالات اللفظية وغير اللفظية التي تعرض لها، وقد يعجز عن مراجعة الافتراضات غير الملائمة عن المكان والزمان، فإذا حدث ذلك سيكون صعباً أو مستحيلاً على الفرد إدراك المعاني التي ستسمح له المشاركة بالعمل بشكل فعال. وأخذ قانون الظرف الكلي في الاعتبار أو إهماله، أمر يمكن إثباته من خلال عمليات الاتصال البشري بكل مستوياتها، وإن كانت بين شخصين، أو أكثر. وهذا الإهمال الاتصالي موجود ويحدث في كل مكان وزمان ومع كل إنسان.

نموذج وستلي، وماكلين

يعتبر نموذج وستلي، وماكلين، ملائماً للاتصال الشخصي بين فردين، والاتصال الجماهيري. وينقسم هذا النموذج إلى أربعة مستويات، هي:

1- التركيز على وضع الفرد نفسه بين الأحداث والأشياء من حوله. وقد يكون الفرد هذا مراسلاً صحفياً، يختار ويكتب عن أحداث وأشياء لا حصر لها. ومن الطبيعي أنه لن يستطيع التأثر بكل المعلومات، ولا يستطيع استيعاب كل الأحداث التي تدور من حوله، لأن قدراته كفرد محدودة، ولهذا سيلجأ إلى التجريد وتحديد المعلومات التي سيأخذها. فتنتقل هذه المعلومات إليه عن طريق حواسه كالسمع والبصر بشكل مباشر، ويختار منها المعلومات التي يعتبرها صحيحة وتدرب على سماعها ورؤيتها وسماعها، وتناسبه وتلبي حاجاته وتساعده على حل مشاكله؛ 2- ويركز على المصدر الذي قد يكون فرد أو جماعة أو نظام اجتماعي، والمتلقي الذي يتأثر بوجود المصدر والأحداث والأشياء. فينقل المصدر للمتلقي معلومات إضافية بحكم وجوده، ويوفر المتلقي للمصدر راجع صدى (تأثير مرتد)، يحيطه علماً بتأثير رسالته الإعلامية، ووجهة نظر المتلقي الأصلية من موضوع الرسالة؛ 3- ويتعلق باختيار المصدر للمعلومات غير المتوفرة لدى المتلقي وتشبع احتياجاته ينقلها إليه عبر وسيلة اتصال مناسبة، وإلا أعرض المتلقي عن المصدر. والصحفي الناجح الذي يعرف كيف يشبع رغبات الجمهور الإعلامي ويجذب اهتمامهم هو محط اهتمام الجميع، بينما تحتاج الدولة لشبكة معقدة من المراسلين، بينهم رجال السلك الدبلوماسي، لنقل المعلومات اللازمة التي تساعد على تخطيط السياسة الخارجية للدولة؛ 4- ويركز على الرسالة الإعلامية التي يعتبرها النموذج هادفة: وتسعى إلى تعديل إدراك المتلقي والتأثير عليه. أو غير هادفة: لا يسعى القائم بالاتصال من خلالها التأثير على المتلقي. وهذا أمر هام جداً لتفسير عمل وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، على ضوء راجع الصدى المقصود، وغير المقصود الذي تحدثه الرسالة الإعلامية، أو وسيلة الاتصال الإعلامية، أو القائم بالاتصال.

نماذج الاتصال الجماهيري

عندما يزداد عدد متلقي الرسائل الإعلامية بشكل كبير، تحدث تغييرات جذرية في عملية الاتصال، ولابد للقائم بعملية الاتصال في هذه الحالة من التكيف معها ومواجهتها، ومن أهم هذه المتغيرات: نقص التفاعل بين المرسل والمتلقي، والمتغيرات التي تطرأ على طبيعة راجع الصدى من الجمهور الإعلامي. ونتيجة لثورة وسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة التي تنقل ترددات البث الإذاعي والتلفزيوني عبر الأقمار الصناعية، وعبر شبكة الانترنيت العالمية، زاد استخدام الاتصال الجماهيري، وأصبحنا جميعاً نستخدم وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، مما فرض علينا أن نعرف خصائصها وطبيعتها وكيفية تأثيرها علينا. ومن النماذج الهامة للاتصال الجماهيري:

نموذج ولبر شرام

استخدم ولبر شرام، في نموذجه الذي قام بتقديمه عام 1954، وطوره عام 1971 نفس العناصر الأساسية لنموذج شانون، وويفر، لراجع الصدى والتشويش. وأضاف إلى النظام التركيبي الذي أشار إليه شانون، النظام الوظيفي، أي تأثير التعلم على السلوك والجوانب الدلالية وتأثيرها، وقدم في نموذجه مفاهيم هامة عن الإطار الدلالي للمرسل والمستقبل، وأهمية الخبرة المشتركة بينهما في تسهيل عملية الاتصال وتوصيل المعاني.

وقام شرام، بتطوير نموذجه الأول عن الاتصال الجماهيري، بعد أن مهد لذلك بسلسلة من النماذج. احتوت على: مصدر، وأداة لوضع الفكرة في رموز، وإشارة، وأداة لفك الرموز، وهدف.

واعتبر المصدر وأداة ترميز الفكرة، جزآن منفصلان موجودان في شخص واحد، وأداة فك الترميز والهدف هما جزآن منفصلان موجودان في شخص آخر. وهذا النموذج يبدو إلى حد ما مماثل لنموذج شانون، وويفر ولكنه لا يتضمن عنصر التشويش.

أما في نموذجه الثاني، قدم شرام فردين متصلين ضمن حالة تداخل بين خبراتهما، فالرسالة مكونة من إشارات تعني شيئاً لكل منهما. وكلما تشابه إطارهما الدلالي زاد من احتمال تطابق معنى الرسالة الإعلامية عندهما. وهنا لابد من الإشارة إلى أن معنى كل كلمة في أي لغة له عدة أبعاد، وهذا المعنى يختلف بين فرد وفرد، ومن ثقافة إلى أخرى.

والرسالة الإعلامية في نموذجه الثالث ليست سهلة وبسيطة كما يبدو للوهلة الأولى، فالكثير من المعاني التي تتضمنها تكمن خارج إطار الكلمات المنطوقة التي نسمعها، وطريقة نطق الكلمات والحركات الإيمائية التي يقوم بها المتحدث تعطي مدلولات ومعاني قد تختلف وتتناقض مع ما ينطق به من كلمات. ويحدث نفس الشيء للرسائل الإعلامية التي تنقلها وسائل الإعلام الجماهيرية، فالصفحة التي تنشر المادة الإعلامية، ومكان هذه المادة على الصفحة، والمؤثرات المحيطة بها على الصفحة ذاتها، ونوع الحروف المستخدمة، كلها عناصر تشترك في نقل معان تؤكد ما جاء في المادة الإعلامية، أو تسهم في إضعاف تأثير مضمونها، لأن المادة الإعلامية تتضمن عدداً كبيراً من الدلالات غير اللفظية، تسهم في تكوين المعنى الذي يخرج به القارئ.

واختيار أي مادة إعلامية يتوقف على مدى صواب الاختيار، الذي يجب أن يعتمد على مدى الفائدة، ومدى الضرر التي ستقدمه تلك المادة للجمهور الإعلامي. وأشار ولبر شرام، إلى حقيقة هامة، وهي: أن التعرض للرسائل الإعلامية والأحداث كثيراً ما يحدث بالصدفة، لمجرد مصادفة وجود الفرد في مكان الحدث، أو مكان تواجد الرسالة الإعلامية. بينما نرى في حالات أخرى أن الإنسان يسعى دائماً نحو المواد الإعلامية المفيدة التي سبق وتعرض لها في الماضي، فهو يختار القنال الإذاعية أو التلفزيونية المفضلة، أو البرنامج الإذاعي أو التلفزيوني المفضل. ويقرأ للكاتب الذي يفضله، والمفكر الذي يثق برأيه. وكلها تدخل ضمن عادات الاستماع والمشاهدة وتوقعات الفائدة التي سيجنيها من التعرض للرسائل الإعلامية وفهمه لدلالاتها المختلفة.

ويؤكد في نموذجه الرابع، على حقيقة مفادها أن اشتراك كل فرد في عملية الاتصال لا يقتصر على كونه مرسلاً فقط أو متلقياً دائماً. فالفرد سواء أكان مرسلاً أم متلقياً يقوم بترميز المنبهات، ويقوم بتفسيرها انطلاقاً من خبراته الخاصة. ومهما كانت النتائج من عملية الاتصال فالإنسان يقوم بشكل دائم بفك رموز الرسائل الإعلامية التي يتلقاها وعلامات الظروف المحيطة به، ويفسر تلك الرموز والعلامات على ضوء ما يدور في ذهنه من رموز وعلامات. ومن الخطأ القول أن عملية الاتصال تبدأ من نقطة، وتنتهي في نقطة، لأن عملية الاتصال هي عملية دائمة لانهاية لها تؤثر وتغير في تفسيراتنا وعاداتنا وقدراتنا المعرفية.

ويقوم النموذج الخامس الذي وضعه شرام، على نظامين للاتصال الذاتي، يرتبطان بالتأثير المرتد راجع الصدى الذي يمر باتجاهين. فيعدل القائم بالاتصال بموجبه من رسائله الإعلامية ويحاول التقليل من التشويش الحاصل خلال عملية الاتصال، للتقليل من التحريف في مضمون الرسالة الإعلامية أثناء عملية نقلها.

والاتصال الجماهيري بطبيعته هو: السعي للوصول إلى جمهور إعلامي كبير، لا تعرف مؤسسات الإعلام والاتصال الجماهيري عنهم سوى القليل. وتساعد بحوث الإعلام والاتصال التقليل من هذه المشكلة عن طريق توفير معلومات أكثر عن الجمهور الإعلامي لمؤسسات الإعلام والاتصال الجماهيري، تساعدها على الاستخدام الأمثل لإمكانيات وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، وفي اختيار رسائل إعلامية أكثر فائدة، وأكثر فاعلية وتأثيراً. بمضمون يرضي أكبر قدر ممكن من الجمهور الإعلامي. مع مراعاة المتغيرات الحاصلة بشكل دائم. وإلا فشلت المؤسسة الإعلامية في أداء الدور المطلوب منها ضمن النظام الاجتماعي. والمؤسسة الإعلامية بحد ذاتها هي عبارة عن نظام معقد، له إضافة لمشاكله الخارجية مع الجمهور الإعلامي، مشاكله الداخلية المتعلقة بالاتصال داخل المؤسسة، والتعامل مع الأحداث ومصادر المعلومات، وسياسات العمل واتخاذ القرارات وتنفيذها، وأقلمة العاملين الجدد مع الجو العام للعمل… الخ. وعملية الاتصال الجماهيري يتم بين:

مؤسسة إعلامية تحصل على أخبار من مصادر متنوعة، تقوم بفك رموزها، وتفسيرها، ومن ثم تعبر عن آرائها الخاصة عن طريق إعادة ترميزها وإعدادها في مواد إعلامية كثيرة، توجه إلى جماهير غفيرة، مؤلفة من أفراد في جماعات صغيرة أو كبيرة عبر وسيلة اتصال جماهيري، ليقوم كل متلقي بعدها بتفسير مضمون المادة الإعلامية وفهمها بطريقته الخاصة، ويتم التفسير على ضوء اتفاق أو عدم اتفاق الفرد مع أنماط تلك الجماعة، أو الجماعات. وتحصل المؤسسة الإعلامية على راجع صدى، هو أقل بكثير في عملية الاتصال الجماهيري من راجع الصدى في الاتصال الشخصي.

وتمتلك وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري قدرات هائلة لتوسيع أفق الجمهور الإعلامي الكبير ومد سمعه وبصره إلى مسافات بعيدة بلا نهاية أو حدود، ومضاعفة أصواتنا وكلماتنا المكتوبة لتصل إلى أماكن بعيدة جداً حيث ينتظرها الجمهور الإعلامي، وتراقب الأحداث نيابة عنا وتخبرنا عما يجري من حولنا، ومع ذلك نجدها تواجه صعوبات كبيرة عندما تتنبأ بمدى التأثير على الجمهور الإعلامي بشكل عام.

وأخيراً فإن نظرة ولبر شرام، إلى الاتصال الجماهيري تقوم على أنها عملية دائرية واحدة تربط بين المرسل والمتلقي وبالعكس عن طريق راجع الصدى.


عودة إلى …

اترك رد


أشهر التدوينات

تبرّع لدعم استمرار مدوّنة البخاري

مرة واحدة
شهري
سنوي

تبرّعك يعيننا للاستمرار

إنشاء تبرع شهري

إنشاء تبرع سنوي

اختيار مبلغ

€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00

أو إدخال مبلغ مخصص


تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تبرعالتبرع شهريًاالتبرع سنويًا