كان الاعتقاد لوقت قريب بأن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري تتعامل مع أفراد منعزلين عن بعضهم البعض، متصلين بوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري مباشرة. ولم يتنبه الباحثون في الاتصال الجماهيري إلى تأثير العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع على النتائج التي يحققها مضمون المادة الإعلامية التي تحملها إليهم وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري.
ولكن الأبحاث العلمية التي أجريت خلال العقود الماضية التي رافقها تطور هائل في وسائل وتقنيات الاتصال أثبتت أن العلاقات المباشرة القائمة بين الأفراد المتصلين ضمن الأسرة أو العمل أو الشريحة الاجتماعية قد تساعد أو تعرقل الوصول لأهداف عملية الاتصال، وهو ما عرف بنظرية انتقال المعلومات على مرحلتين.
وقد توصل مؤلفو كتاب “اختيار الشعب” The People’s Choice، إلى نتيجة مفادها أن سريان مفعول مضمون المادة الإعلامية التي تحملها وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري قد لا يكون مباشراً كما كان مفترضاً من قبل، بل يصل أولاً إلى قادة الرأي في الشريحة الاجتماعية المعينة، ومن ثم ينتقل عن طريقهم إلى الآخرين. وأطلقوا على هذه العملية اسم “انتقال المعلومات على مرحلتين”. وذلك أثناء تحليلهم لعملية اتخاذ القرار أثناء الحملات الانتخابية في المجتمع الديمقراطي، وتوصلوا إلى أن الأفراد مازالوا متأثرين بالجدال والأخذ والرد مع الآخرين، وهم أكثر تأثراً بوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري. مما سمح لهم بتكوين فكرة تقضي بأن الأفراد يشكلون شبكات متصلة فيما بينهم، ينتقل من خلالها مضمون الرسائل الإعلامية التي تحملها وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري.
ومنذ عام 1957 حاول مركز الأبحاث الاجتماعية والتطبيقية بجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية أن يدرس هذه النتائج ويعمل على تطويرها. فظهرت نتائج دراسات مرتون، عن التأثير الشخصي والسلوك الاتصالي في منطقة روفير، ودراسة ديكاتور، عن اتخاذ القرار في مجال ترويج موضة الأزياء، وعادات التردد على صالات السينما، والشؤون العامة، التي قام بها مرتون، ولزرزفيلد،، ودراسة كولمان، وكاتز، ومينزل، عن أسلوب تعميم الأدوية الجديدة بين الأطباء. وهي الدراسات التي أعتمد عليها كاتز ليعرض فرضيته عن انتقال المعلومات على مرحلتين.
وعناصر انتقال المعلومات على مرحلتين تتضمن: 1- وقع التأثير الشخصي؛ 2- وسريان التأثير الشخصي؛ 3- والعلاقة بين قادة الرأي ووسائل الإعلام الجماهيرية.
وحاولت دراسة روفير، تحديد دور قائد الرأي وتأثيره على المحيط، ودراسة سلوكهم الاتصالي، وتحديد طبيعة التفاعل بين القادة والتابعين الذين قاموا أصلاً بتحديد القادة.
وأجريت دراسة ديكاتور، خلال الفترة 1945-1946 وجاءت خطوة بعد دراسة روفير، وشملت إضافة للتصويت في الانتخابات، القرارات في مجالات التسويق والتردد على صالات السينما، والشؤون العامة للأفراد. وتركز محور الدراسة على: 1- الأهمية النسبية للتأثير الشخصي؛ 2- ودراسة واقع القائد والتابع.
وحاولت الدراسة استخلاص ما إذا كان قادة الرأي يأتون من نفس الشريحة الاجتماعية التابعين لها، وكيفية انتقال التأثير. إذ ذكر حوالي ثلثي الأشخاص الذين تأثروا بآراء الآخرين حقيقة أنهم أجروا حواراً مع شخص من المؤثرين حول الموضوع المطروح، وأكد 80% منهم أنهم تلقوا نصيحة من الغير. بينما أكد قادة الرأي أنفسهم على أنهم قد تأثروا بالآخرين قبل اتخاذهم لقراراتهم.
وأشارت الدراسات إلى:
1- واقع التأثير الشخصي: لأن التأثير الشخصي كان أكثر وقعاً من تأثير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، خاصة أن أولئك الذين غيروا آراءهم خلال الحملة الانتخابية (ديكاتور). تحكمت بهم العناصر الأساسية التالية: أ- الاتصال بين الأفراد؛ ب – التأييد الجماعي الذي تلعب به الشخصية المؤثرة دوراً أساسياً.
وأن تآلف الرأي في الجماعات التحتية: العائلة، الأقارب، الأصدقاء، العمل .. الخ. يخضع للأدوار المختلفة التي يلعبها تأثير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري: وأن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري تلعب دوراً داعماً في تقوية الاتجاهات السابقة والقرارات التي تتخذ فعلاً. فلوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري دوراً إخبارياً يضفي الشرعية على القرارات المتخذة (إسناد).
2- سريان التأثير الشخصي: لأن قادة الرأي موجودين في كل الشرائح الاجتماعية. ويتمتعون بـ: ا- القيم الشخصية الذاتية؛ ب – القدرة والكفاءة والمعرفة والخبرة؛ ج- الموقع الاجتماعي المتميز.
3- قادة الرأي ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيري: لأن قادة الرأي يتعرضون لوسائل الإعلام الجماهيرية أكثر من أعضاء الجماعة. ويتراوح تأثرهم بوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري المحلية والقومية والعالمية.
والخلاصة: أن قادة الرأي مثلهم مثل أفراد الجماعة الآخرين يتعرضون لآراء الغير، إضافة لتأثرهم بمضمون المادة الإعلامية التي تحملها لهم وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري. لأن وسائل الإعلام الجماهيرية هي: 1- وسائل لنقل المعلومات؛ 2- مصادر للضغوط الاجتماعية؛ 3- مصادر للتأييد الاجتماعي.
مضمون المادة الإعلامية (الرسائل الإعلامية)
اهتم علم البلاغة بفن الخطابة وفن الإقناع منذ القدم، وقد عرف أفلاطون علم البلاغة بأنه علم (كسب العقول بالكلمات)، بينما عرفه أرسطو، بأنه (القدرة على كشف جميع السبل الممكنة للإقناع في كل حالة على حدى) كما وأدرك كلاً من أفلاطون، وأرسطو، ارتباط فن الإقناع بعلم النفس (علم العقل) الذي كان يحبو خطواته الأولى في ذلك الزمان، وهو ما يفسر اهتمام أرسطو، بفن الإقناع ومحاولته دراسة الطريقة التي يعمل بها العقل، معتمداً على علم العقل كما كان معروفاً آنذاك، محاولاً القيام بتحليل موضوعي لتلك الطريقة مبتعداً عن المعرقلات والاعتبارات الأخلاقية التي كانت سائدة آنذاك أيضاً.
ولم يختلف علم البلاغة الحديث عن سواه، إلا بتوافر الحقائق العلمية التي كان يفتقر لها علم البلاغة القديم. بعد أن وفرتها له العلوم الحديثة ومكنته من معرفة السلوك الإنساني الذي اهتم به علم النفس الحديث. واستطاع الإعلاميون توظيفها في رسائلهم الإعلامية لإقناع الجمهور الإعلامي المستهدف بتأثير أكبر.
وقد شهد الربع الثاني من القرن العشرين العديد من التجارب والأبحاث التي استهدفت تغيير الاتجاهات السيكولوجية، وقام بقدر كبير منها البروفيسور كارل هوفلاند، وزملائه وتلامذته بجامعة بيل في الولايات المتحدة الأمريكية، وساعدت على بناء أسس نظرية اتصال حديثة، وعلم بلاغة حديث يعتمد على أسس علمية واضحة.
وحينما نتحدث عن الرسالة الإعلامية، فهذا يعني أننا نتحدث عن مضمونها. منطلقين من فرضية أنه على القائم بالاتصال أن يتخذ عدة قرارات هامة قبل تقديم مادة مقنعة. فعليه أن يحدد الأدلة التي سوف يستخدمها والأدلة التي سيصرف النظر عنها أو يستبعدها، والحجج التي سيعتمد عليها، أو يسهب في وصفها أو يأخذ باختصارها. وماهية الأساليب التي سوف يتبعها لاستمالة المستهدف من المادة الإعلامية. ومنه نفهم أن أية رسالة إعلامية يقصد منها الإقناع هي نتاج عدة قرارات مسبقة يتخذها القائم بالاتصال للوصول إلى الغرض المطلوب، تتعلق ليس بالشكل وحده بل وبالمضمون والأسلوب، وتمليها كلها خصائص الجمهور الإعلامي ومهارات القائم بالاتصال.
والهدف من تقديم مضمون المادة الإعلامية بالأساس هو جعل المتلقي يقبل الآراء التي نقدمها له، أو أن يعدل من معتقداته واتجاهاته، منطلقين من فرضية أن بعض العوامل المتصلة بالدوافع الشخصية سوف تلعب دوراً بارزاً في هذه العملية. لأن التجارب الفردية تجعل من المستهدف يفضل الأشياء التي تشبع احتياجاته، ويبتعد عن الأشياء التي لا تشبع تلك الاحتياجات. مطوراً معتقداته السياسية والاجتماعية والأخلاقية مكتسباً الجديد منها، من خلال الاتصال الشخصي، والاتصال الجماهيري الذي يحدث من خلال وسائل الإعلام.
وبالرغم من أن علماء السياسة والاجتماع وعلم النفس يؤكدون وباستمرار على أهمية الدوافع في تكوين الرأي العام، وعلاقتها بالتغيير الاجتماعي، إلا أنه ليس هناك سوى قدر قليل من المعلومات الدقيقة عن الظروف التي يتم في إطارها تسهيل العوامل ذات الصلة بدوافع تغيير الرأي. ولا يتوفر سوى قدر ضئيل جداً من الدراسات التجريبية التي تتناول تأثير مضمون الرسالة الإعلامية بمختلف صورها على الدوافع الفردية المختلفة.
الإستمالات العاطفية، والإستمالات المنطقية
لا توجد قاعدة ثابتة نعمم على أساسها أي من الإستمالات أفضل في أغلب الأحيان، إذ تشير التجارب المختلفة إلى أن الإستمالات المنطقية أفضل في بعض الأحيان من الإستمالات العاطفية، رغم أن الإستمالات العاطفية قد تصلح أكثر في بعض الظروف. وقد قارنت التجربة التي قام بها هارتمان، بين نوعين من الإستمالات من خلال فاعليتهما في دفع الناخبين للإدلاء بأصواتهم لصالح الحزب الاشتراكي في انتخابات عام 1936. واستخدمت في بعض المنشورات التي وزعت في إطار الحملة الانتخابية استمالة عاطفية قوية أكدت أن الاشتراكية تساعد على التخلص من الحروب، والفاقة، والخوف، وأن لها تأثير إيجابي على مستقبل الوطن، والرفاهية، والدولة. بينما استخدم في منشور آخر استمالة منطقية تعتمد على حجج واضحة تؤيد الاشتراكية. وزعت كلها في مجموعة من الدوائر الانتخابية. وتم الاحتفاظ ببعض الدوائر كمجموعة ضابطة ولم توزع فيها أية منشورات على الإطلاق. وكانت النتيجة أن الدوائر التي وزعت فيها منشورات الاستمالة العاطفية أعطت زيادة قدرها 50% أكثر مقارنة بنتائج الانتخابات التي كانت قد جرت في العام السابق، في حين بلغت الزيادة في الدوائر التي وزعت فيها منشورات الإستمالات المنطقية 35% فقط، بينما أظهرت المجموعة الضابطة التي لم توزع فيها أية منشورات زيادة بلغت 24% بالمقارنة مع انتخابات العام السابق. وهو الشيء نفسه الذي توصل إليه أيضاً مانيفي، وجرينبرغ، من دلائل تثبت أن الدعاية العاطفية تتفوق على الحجج المنطقية في أكثر الحالات.
بينما فشلت الدراسات الأخرى في التوصل إلى مؤشرات قاطعة تثبت تفوق نوع معين من الإستمالات المستخدمة على غيره من الأنواع. بينما أثبتت الدراسات التي أجراها الباحث كنور، أن الأسلوبين يتمتعان بنفس الفاعلية والتأثير تقريباً، في الدراسة التي أجراها على الحظر الذي كان مفروضاً آنذاك على الخمور في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن الجوانب الهامة في هذا المجال أيضاً المقارنة بين الإستمالات الإيجابية والإستمالات السلبية، لأن الاستجابة الإيجابية أصلاً معدة للوصول إلى نتيجة معينة مرغوبة أصلاً، بينما أن الاستجابة السلبية معدة لتجنب نتيجة غير سارة.
إستمالات التخويف
من بين الأنواع المختلفة للرسائل الإعلامية التي يحتمل أن يكون لها تأثير على دوافع الجمهور، تلك الرسائل الإعلامية التي تدعو بشكل محدد أو بشكل ضمني إلى قبول توصيات القائم بالاتصال لأنها سوف تجنب الفرد عدم القبول اجتماعياً أو أن يتجنب خطراً محدداً، أو حرمان من نوع محدد. وهو ما يطلق عليه اصطلاح “استمالة التهديد” للإشارة إلى مضمون الرسالة الإعلامية التي تتناول النتائج غير المرغوب بها التي قد تحدث فيما لو امتنع متلقي الرسالة الإعلامية عن قبول توصيات القائم بالاتصال، من خلال إثارة التوتر العاطفي لدى المتلقي وجعله أكثر عرضة للتعرض للاستجابة لمضمون الرسالة الإعلامية وتبنيه وفقاً لذلك المضمون.
وكثيراً ما تلجأ وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري إلى هذا الأسلوب لإثارة المخاوف لدى الجمهور الإعلامي، أخطار الحرب لتبرير الزيادة في النفقات العسكرية المرصودة في موازنة الدولة، أو إثارة المخاوف من الأمراض الخبيثة كي تحث الجمهور الإعلامي على مراجعة الأطباء في الوقت الملائم. فما هي العوامل الأساسية التي تحدد نجاح أو فشل استعمال إستمالات التخويف للوصول إلى الهدف المحدد لمضمون الرسالة الإعلامية ؟
هناك قدر كبير من الأدلة التجريبية التي تؤيد الافتراض القائل بأن أية عاطفة قوية تسبب الاضطراب كالخوف، أو الإحساس بالإثم (عقدة الذنب) أو الخجل أو الغضب أو الاشمئزاز…. الخ، وكلها تتمتع بخصائص الحافز الوظيفي للفرد. ولكن ماذا يحدث عندما يتعرض الفرد لمضمون رسالة إعلامية تسبب لديه ردود فعل عاطفية لا تبعث لديه السرور؟ في هذا الظرف هناك مبررات تدفع الفرد بشدة لتجربة الاستجابات الرمزية والعلنية المختلفة حتى يقلل من وقع هذه الحالة العاطفية المرهقة. وستحدد الاستجابات المختلفة التي يجربها الفرد أساساً خبرات التعلم السابقة التي نجحت في تخليص الفرد من الحالات العاطفية المماثلة. أي استجابة تقلل من شدة الحالة العاطفية، أو تريح الفرد يتم تدعيمها. وبهذا تصبح استجابة اعتيادية. بهذا يفترض أن الاستمالة التي تنطوي على تهديد يحتمل أن تجعل المتلقي يقبل نتائج القائم بالاتصال إذا كان: أ – التوتر العاطفي الذي أثير خلال الاتصال شديد بحيث يشكل حافزاً؛ ب – وإذا تضمنت الرسالة تأكيدات تخلق توقعات عند الفرد بأنه في الإمكان تجنب الأضرار وبالتالي تقلل التوتر العاطفي.
ومن الأساليب الأساسية لإثارة الاطمئنان أن يتخيل الفرد نفسه مشتركاً في نوع من أنواع النشاط يجنبه الأخطار الناجمة عن التهديد، وبهذا يتخلص من التوتر.
وكثيراً ما تسبب الرسائل التي تنطوي على تخويف تأثيرات غير مرغوبة أو عكسية. فهناك من الدلائل التي تشير إلى أنه حينما يثير القائم بالاتصال الغضب برسائل هجومية، يشعر المتلقي بالكراهية ليس نحو القائم بالاتصال فقط،، بل أيضاً نحو الجماعات والمشروعات والأهداف المقترنة به.
العوامل التي تؤثر على إثارة التوتر العاطفي
مضمون الاستمالة التي تنطوي على تهديد يجب أن يكون له معنى عند المتلقي وإلا فإنه لن يستجيب لها. فإذا لم يجرب الفرد أبدأً التهديد أو يسمع عنه فالتوقعات الناتجة عنه لن تثير توتراً عاطفياً. ويضاف إليها: 1- العوامل المتصلة بالمصدر ومدى وثوق المتلقي بقدرات القائم بالاتصال؛ 2- ومدى تعرض المتلقي لرسائل سابقة، سبق وناقشت وتنبأت بنفس الموضوع.
لأن الافتراض الأساسي أن يثار الخوف والمشاعر غير السارة بشدة، لدفع الفرد لتجنب الحالة العاطفية المؤلمة، أو الهرب منها، كأن “يتخيل نفسه مثلاً يقوم بعمل دفاعي ناجح أو بصرف انتباهه بأحلام اليقظة السارة”.
والأفراد يتأثرون بالخوف بطرق عاطفية متعددة منها: 1- زيادة يقظتهم واهتمامهم بالمعلومات عن الخطر، والتفكير بالتصرف المطلوب لمواجهة كل الاحتمالات؛ 2- والبحث عن تأكيدات تبعث الطمأنينة وتخفف التوتر العاطفي؛ 3- وزيادة احتمالات تكوين اتجاهات جديدة تعتبر حلاً وسطاً بين الحذر والميول الباعثة للطمأنينة.
ويجب أن نأخذ في الاعتبار نوع استجابة الجمهور المستهدف لتحقيق أقصى قدر من الفاعلية وإثارة درجة عالية من التوتر العاطفي، والتي تعتمد على: 1- درجة الخوف التي يستطيع الفرد تحملها؛ 2- وما إذا كان سيطبق التهديد على نفسه؛ 3- وقبوله للبدائل؛ 4- وخصائص شخصيته.
وباختصار يجب أن نوازن بين استخدام استمالات التخويف القوية، بخطة محددة للعمل أو السلوك ذات فاعلية واضحة. ولا يجب أن يكون التهديد معتدلاً بحيث يجعل المتلقين يتهاونون، أو مبالغاً فيه بحيث يبدو مضحكاً.
مضمون الرسالة الإعلامية وأسلوب تقديمها
أولاً: الوضوح والضمنية: تشير الأبحاث العلمية إلى أن الإقناع يصبح أكثر فاعلية إذا حاولت الرسالة الإعلامية أن تذكر نتائجها أو أهدافها بوضوح، بدلاً من أن تترك للجمهور الإعلامي عبء استخلاص النتائج بنفسه. فقد وجد الباحثان هوفلاند، وماندل أن نسبة الأفراد الذين عدلوا اتجاهاتهم تمشياً مع مضمون الرسالة الإعلامية بلغت الضعف عند ذكر النتائج بشكل محدد، مقارنة بالرسالة الإعلامية التي ترك نتائجها ليستخلصها الجمهور الإعلامي بنفسه.
وقد عرض الباحثان ماندل، وهوفلاند، على عينة من الطلبة تسجيلات لبرنامجين مستمدين من برنامج إذاعي يساند إعادة تقييم العملة، متماثلين تماماً باستثناء أن أحدهما ذكر نتائجه بوضوح وتحديد، بينما ترك الآخر نتائجه ضمنية ليستنتجها المستمع. وكانت نسبة التغيير بين أفراد المجموعة التي استمعت للبرنامج الذي ذكر أهدافه بوضوح 47,9% في حين بلغت نسبة التغيير 19,3% فقط بين أفراد المجموعة الثانية التي استمعت إلى البرنامج الذي لم يوضح أهدافه، وتركها ضمنية ليستنتجها المستمع. وهو ما أكده أيضاً كاتز، ولزرزفيلد، عندما أكدا “أنه كلما كان الاقتراح الذي يقدمه القائم بالاتصال محدداً، كلما ازداد احتمال إتباع النصيحة المقدمة.
وهنا يجب أن نعير اهتمامنا لاعتبارات أخرى إضافة للوضوح والضمنية في تحديد الأهداف، مثال: 1- مستوى ذكاء وتعليم المتلقي؛ 2- درجة صلة الموضوع بالإضافات أو أهمية الموضوع؛ 3- نوعية القائم بالاتصال.
ثانياً: تقديم الرسالة الإعلامية لأدلة وشواهد: لتدعيم تأثيرها، مستمدة من معلومات واقعية أو آراء تنسب لمصادر أخرى غير القائم بالاتصال.
ثالثاً: عرض جانب واحد من جوانب الموضوع أو عرض الجانبين المؤيد والمعارض في نفس المادة الإعلامية: وهو ما أكده هوفلاند، ولمزدين، وشيفلد، في كتابهم “تجارب على الاتصال الجماهيري” الذي تتضمن نتائج سلسلة أبحاث أجراها قسم المعلومات والتعليم في وزارة الدفاع الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية. عندما أيدوا أن تقديم الحجج المؤيدة والمعارضة هو أكثر فاعلية وأقدر على تغيير وتحويل الفرد المتعلم، خاصة عندما يكون الجمهور الإعلامي متردداً، يكون تقديم الرأي والرأي الآخر أكثر فاعلية وتأثيراً بكثير من تقديم رأيٍ أحادي الجانب من الموضوع المطروح، بينما يختلف الوضع بالنسبة للأفراد الأقل تعليماً الذي يبلغ التأثير فاعلية ملحوظة عندما يتم طرح جانب واحد من جوانب الموضوع، وهذا ينطبق أيضاً على الأفراد الذين يؤيدون أصلاً وجهة النظر المعروضة في الرسالة الإعلامية، وتأثيرها هنا لا يتعدى كونه مدعماً ومعززاً للمواقف الجاهزة لديه.
بينما توصل بتنجهاوس، وبيسهارت، إلى نتائج تؤكد أن تقديم الرأي والرأي الآخر في المادة الإعلامية أكثر فاعلية في تغيير اتجاهات الشرائح الاجتماعية الحاصلة على تعليم عالي. كما وظهر أن تقديم الرأي والرأي الآخر في حياد واضح، وإن كان هذا الحياد وهمياً، قد يحدث تأثيراً سلبياً في الحالات التالية: 1- إذا ساور المتلقي أدنى شك بحياد المصدر؛ 2- إذا كان الحياد متوازناً مما يؤدي إلى ضياع التأثير المطلوب. لأن هذه الحجج تلغي بعضها بعضاً.
وظهر هذا في البحث الذي أجراه شانك، وجولدمان، عندما استخدما حججاً تؤيد وتعارض الخدمة المدنية. وفي البحث الذي أجراه تستلويت، وكمنتزي، على عينة من 750 طالباً في معاهد الطيران في الولايات المتحدة الأمريكية، و 400 طالباً من طلبة المدارس العليا يؤيدون أصلاً اشتراك الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الكورية.
والمادة الإعلامية التي تعرض الرأي والرأي الآخر أكثر قدرة على تحصين الجمهور الإعلامي من الدعاية المضادة، أكثر من المادة الإعلامية التي تعرض وجهة نظر واحدة من الموضوع. وهو ما توصل إليه لمزدين، وجانيس، في البحث الذي أجرياه عام 1954 على مجموعة من الطلبة الجامعيين، حيث جرى تعريض مجموعتين منهم لنصين من برنامج إذاعي واحد، تضمن أحدهما رأياً واحداً من الحقيقة، وتضمن النص الآخر الرأي والرأي الآخر، ونجحت الطريقتان في إحداث تغيير في الاتجاه المطلوب. ومن ثم تم تعريض الجميع لمادة إعلامية تعرب عن وجهة النظر المعارضة فقط، فكانت النتيجة أن هبطت نسبة التأييد إلى 2% في المجموعة التي تعرضت لمادة إعلامية تعرض الرأي المؤيد فقط. بينما استمرت نسبة التغيير السابقة في المجموعة التي تعرض للمادة الإعلامية التي عرضت الرأي والرأي الآخر، وهو ما يدعم وجهة النظر حول تحصين الجمهور الإعلامي ضد الدعاية المضادة.
وقد لخص هوفلاند، وجانيس، وكيلي، في البحث الذي أجروه عام 1953 فوائد المواد الإعلامية التي تعرض رأياً واحدا من الموضوع، والمواد الإعلامية التي تعرض الرأي والرأي الآخر، بالتالي: 1- عرض الرأي والرأي الآخر أكثر فاعلية على المدى الطويل من عرض جانب واحد في الأحوال التالية: آ – عندما يتعرض الجمهور الإعلامي بغض النظر عن الرأي الأصلي لهذا الجمهور للدعاية المضادة بعد تعرضه للمادة الإعلامية التي تضمنت الرأي والرأي الآخر؛ ب- عندما لا يتفق رأي الجمهور الإعلامي أصلاً مع وجهة نظر القائم بالاتصال، بغض النظر عن تعرضه للدعاية المضادة بعد ذلك. 2- تقديم الرأي والرأي الآخر أقل فاعلية من تقديم رأياً واحداً، إذا كان الجمهور الإعلامي يتفق أصلاً مع موقف القائم بالاتصال ولا يتعرض بعد ذلك للدعاية المضادة.
رابعاً: ترتيب الحجج الإعلامية: في الرسالة الإعلامية التي تؤيد وجهة نظر معينة يتطلب من القائم بالاتصال أن يقرر ما إذا كان القائم بالاتصال سيقدم حججه الأساسية في بداية النص أم أنه سيحتفظ بها لنهاية النص، أما في الرسائل الإعلامية التي تعرض الرأي والرأي الآخر فالقائم بالاتصال يجد نفسه أمام مشكلة أي من الرأيين يقدم أولاً.
فحينما نقدم جانباً واحداً للموضوع، إما أن نؤجل أقوى الحجج إلى نهاية الرسالة الإعلامية وهو ما يسمى بالذروة، أو تقدم الحجج الرئيسية في البداية تليها الحجج الأضعف، بترتيب عكس ترتيب الذروة.
وتتوقف فاعلية الرسالة الإعلامية في تغيير الاتجاهات على مقدرة الجمهور الإعلامي على فهم مضمون الرسالة الإعلامية وتذكره، وهو ما يرتبط بدوافع التعلم لدى الفرد، في ظروف الاتصال الجماهيري. إذ يؤدي غياب اهتمام المتلقي بالرسالة الإعلامية إلى عدم تعرضه لها، والذي يفسره بإغلاقه لجهاز الراديو أو جهاز التلفزيون أو تحوله لقنال أو برنامج آخر، أو انصرافه عن مطالعة المادة المطبوعة.
فعندما لا يهتم المتلقي بما يقال فمن الأفضل البدء بالحجج القوية والأكثر إثارة للاهتمام، لإثارة انتباهه. أما عندما يكون المتلقي مهتماً فالأفضل تأجيل الحجج القوية إلى نهاية المادة الإعلامية وفق ترتيب الذروة لتهيئته للحجج الأقوى. ومعنى ذلك أن ترتيب الحجج يخضع لتقييم الجمهور الإعلامي، وأنه لا توجد قاعدة ثابتة لترتيب الحجج في عملية الإقناع.
خامساً: استخدام الاتجاهات أو الاحتياجات الموجودة: وهي ربط المادة الإعلامية بالاتجاهات القائمة لدى الجمهور الإعلامي. والسعي لإعادة تشكيل القيم السائدة، وليس استخدام تلك القيم، وهو ما يجعل من العملية الإعلامية أكثر صعوبة. ولكنها تجعل الجمهور الإعلامي يشعر بالراحة وبإمكانية إشباع احتياجاته القائمة.
سادساً: تأثير رأي الأغلبية: حيث أثبتت التجارب أن الجمهور الإعلامي يميل ببساطة لتلك الآراء التي تتفق ورأي الأغلبية أو الرأي الشائع.
سابعاً: التكرار بتنويع وتأثير تراكم التعرض للمادة الإعلامية، وخاصة التكرار على فترات مدروسة ومتنوعة، مما يزيد من فاعلية المادة الإعلامية، وتذكر الجمهور الإعلامي بالهدف المقصود، وتثير رغباته واحتياجاته في الاتجاه المطلوب. وهو ما أيدته بحوث روز، وعالم النفس ثورندايك، وجوزيف جوبلز، وبارتليت، وفيري مرتون، وكيت سميث، ولزرزفيلد، وأنيس، وماير.










اترك رد