الإعلام وتحليل المضمون الإعلامي

أ. د. محمّد البخاري

النتائج المطلوبة وغير المطلوبة من نشر المواد الإعلامية على الفرد والمجتمع

النتائج المطلوبة للمجتمع: هي تقوية الشعور بالمساواة بين أعضاء المجتمع الواحد، وتعبئتهم لمواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وتأمين الخدمات الإعلامية لمؤسسات المجتمع المختلفة، وأخبار المال والأعمال، ونشرات الملاحة الجوية والبحرية، والنقل …. الخ.

والنتائج المطلوبة للفرد: التعريف والتنبيه بالظروف المحيطة، وتوفير الأخبار المحلية والدولية، وأخبار المجتمع، ونشرات الإذاعتين المسموعة والمرئية، والإعلانات التجارية.. وغيرها.

وهناك وظائف أخرى لنقل المعلومات عن طريق وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، منها إضفاء هالة من الهيبة والمكانة تزيد من تأثير الأفراد المضطلعين على الأحداث المحلية والعالمية داخل الجماعة، وتعزز من دورهم كقادة للرأي داخل الجماعة. ويضيف لازرفيلد، ومرتون، أن وظيفة تعزيز مكانة وسطوة ونفوذ الأنظمة التي تركز عليها وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، وتسلط الأضواء عليها، داخل المجتمعات المستهدفة. ضمن المقولة الشائعة: “إذا كان لك شأن في المجتمع، ستصبح محوراً لاهتمام الجماهير وإذا أصبحت محوراً للاهتمام في المجتمع، فلا شك بأن لك شأناً”.

وهنا لابد من الإشارة إلى التأثير الكبير للحملات الإعلامية على أنماط التفكير الاجتماعية عندما تتصدى للفساد، وتعمل على تعزيز العادات السلوكية الصحيحة في المجتمع، كنمط للتفكير والحياة الاجتماعية بشكل عام.

نتائج نشر المعلومات غير المطلوبة اجتماعياً: تهديد كيان المجتمع وإثارة المشاكل والحسد والكراهية والبلبلة، نتيجة لنشر معلومات عن العالم دون سياسة إعلامية واضحة، ودون أي نوع من الرقابة أو التوجيه السليم. وأصبحت هذه المشكلة اليوم تهدد مجتمعات بأكملها بعد الثورة المعلوماتية التي شملت العالم بأسره مع نهاية القرن العشرين بفضل تطور تقنيات الاتصال ودخولها عصر عولمة وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري. وإثارة الخوف والذعر في صفوف الجماهير، من تكرار التحذير من الأخطار المحيطة التي تهدد حياة الإنسان والمبالغة فيها.

نتائج نشر المعلومات غير المطلوبة فردياً:  زيادة التوتر والخوف من وطأة حرب الأعصاب من المعلومات التي تحذر من الأخطار المحيطة. مما يؤدي إلى أثار وخيمة لا يحمد عقباها. وقد يؤدي تكرار التنبيه بالخطر لخلق شعور من العجز والإحباط لدى الفرد، تخلق عنده شعوراً من الإخفاق يمنعه عن مواجهة الأخطار بروية وهدوء، فيقع فريسة سهلة لتلك الأخطار. والتأثير التخديري لكثرة نشر المعلومات غير المرغوبة على الأفراد، وما ينتج عنها من اللامبالاة السياسية لديهم. وتعتبر الباحثة المصرية د. جهان أحمد رشتي، أن “وسائل الإعلام الجماهيرية من أكثر وسائل التخدير فاعلية وأن تأثيرها كبير إلى درجة أنها تجعل الفرد الذي يدمنها غير مدرك بأنه مريض”.

والتأثير الثقافي الذي أتاحته عولمة وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، والذي أصبح من الصعب السيطرة عليه أو توجيهه. أصبح من ناحية يوفر نوعاً من الحوار الثقافي بين الشعوب، ومن ناحية أخرى يؤدي إلى سيطرة ثقافة الأقوى، ويهدد بغزو ثقافي حقيقي قد يؤدي إلى طمس الملامح الثقافية الأصيلة للشعوب الأضعف.

كما وتقوم وظائف وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري بوظائف أخرى، كالتحليل والتفسير والتعليق على الأحداث. ونقل الثقافة من جيل إلى جيل وتعزيز الأفضل من الخبرات الثقافية المتوارثة، والترفيه والتسلية، وكلها يجب أن يتناولها التحليل الوظيفي بالدراسة والتمحيص.

نموذج ملفن دوفلور، وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية كأنظمة اجتماعية

يعتمد نموذج ملفن دوفلور، على الفكرة التي أضافها عن المضمون منخفض التذوق لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، وهو مصدر النقد اللاذع من قبل البعض. واعتبره دوفلور، العنصر الأساسي الذي حافظ على التوازن المالي للنظام الإعلامي. لأن المضمون منخفض التذوق للمادة الإعلامية يرضي أذواق القطاع الأكبر في السوق الإعلامية، وهذا يوفر لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري الاستقرار رغم المضمون الهابط والهجوم المتواصل من قبل النقاد.

ويشير دوفلور، إلى مواضيع أخرى هامة غير تأثير المادة الإعلامية، ويجب أن تحظى باهتمام الخبراء والباحثين. منها حقيقة أن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في المجتمعات المتقدمة، مستمرة في العمل والانتعاش رغم ما تقدمه من مضمون أدانته دائماً الصفوة من قادة المجتمع ورجال السياسة والتربية والتعليم.

ويطالب دوفلور، في نموذجه بدراسة وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، كأنظمة اجتماعية تعمل في ظل نظام محدد، من الظروف الاجتماعية والثقافية التي يتألف منها المجتمع. بشكل تؤدي نتائج تلك الدراسات إلى تحقيق استقرار أكثر للنظام الاجتماعي والإعلامي بشكل عام.

والنظام الاجتماعي هو تجميع للأنماط الثقافية المتوقعة، والتصرفات التي تحقق الاستقرار الاجتماعي، وتتكرر وفق نمط معين وهذا التكرار هو انعكاس للثقافة التي يشترك فيها أعضاء المجتمع من خلال دور كل منهم. ويعكس هذا النظام جوانب التكيف السيكولوجي، وبدوره يعتبر مصدراً للثقافة، ويمكن تحليله وظيفياً.

والتحليل الوظيفي يركز على ظاهرة معينة تحدث في إطار نظام اجتماعي معين. ويحاول إظهار النتائج التي تسهم في استقرار النظام ككل. وقد وصف كارل همبل، منطق التحليل الوظيفي، بالتالي: “أن موضوع التحليل هو مادة ما، تتسم بالاستمرار النسبي، وتحدث في نظام معين ويهدف التحليل إلى إظهار هذا النظام. ويحوي هذا النظام ظروف داخلية، وخارجية، وعند اشتراك الظروف الداخلية والخارجية، ينتج الاستعداد للتأثيرات التي تشبع احتياجاً وظيفياً ضرورياً للنظام، كشرط لاستمرار النظام في العمل بشكل ملائم وفعال”. ويطبق هذا النوع من التحليل على وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، من أجل تحديد المضمون المنخفض ثقافياً لما تنقله وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري إرضاء لرغبات الجماهير العريضة وتحديد أنواع تلك المواد الإعلامية، وتصنيفها وفق التالي:

1- مضمون متسم بانخفاض الذوق توزعه وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري على نطاق واسع، وتتعرض له قطاعات واسعة من الجمهور الإعلامي ويثير حفيظة وغضب النقاد، لما يسببه من تدهور للذوق العام والآداب والأخلاق عن طريق إثارة العادات السيئة اجتماعيا؛ 2- مضمون لا تختلف حوله وجهات النظر وتوزعه وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري على نطاق واسع، ولا يثير أية ردود فعل لدى النقاد. ولا يؤدي إلى رفع أو خفض الذوق العام، ولا يهدد المستوى الأخلاقي في المجتمع؛ 3- مضمون يتسم بالذوق الرفيع وتوزعه وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري على نطاق واسع، ولكن بنسبة تعرض أقل من قبل الجمهور الإعلامي، ويعتقد النقاد أنه يسهم في رفع مستوى الذوق العام، والمستوى الأخلاقي في المجتمع، ويسهم في تعليم أفراد المجتمع ويرفع من سويتهم الثقافية.

ويفترض دوفلور، وجود تضاد في المضمون الإعلامي على شكل ثقافة عليا، وثقافة هابطة المستوى. متصل بخصائص الجمهور الإعلامي الذي يعتبر العنصر الأساسي لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري.

وينتقل المضمون الإعلامي في النظام الذي يعتمد على الربح والخسارة عن طريق موزع إلى الجمهور الإعلامي، تربط بينهما هيئة للبحث. وكنظام متشابك يرتبط فيه منتج المادة الإعلامية مع ممولها وموزعها، ولكل منهم أهدافه الخاصة به. وتقوم وكالات الإعلان بالربط بين الممول والموزع والمنتج وهيئة البحث، عن طريق تقديم الأفكار والخدمات. وتسيطر عليها كلها أنظمة فرعية متمثلة بالهيئات التشريعية التي تسن القوانين الناظمة لعمل وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، وتصبح بذلك عنصراً هاماً في النظام الإعلامي كله.


عودة إلى …

اترك رد


أشهر التدوينات

تبرّع لدعم استمرار مدوّنة البخاري

مرة واحدة
شهري
سنوي

تبرّعك يعيننا للاستمرار

إنشاء تبرع شهري

إنشاء تبرع سنوي

اختيار مبلغ

€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00

أو إدخال مبلغ مخصص


تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تبرعالتبرع شهريًاالتبرع سنويًا