الإعلام المقروء
يعد الإعلام المطبوع من أقدم وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، وسبق الإعلام الجماهيري المسموع والمرئي بأكثر من قرنين ونيف. وللصحف خصائص وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري الأخرى، ولكنها لا تستطيع تقديم الخبر بنفس السرعة التي تقدمها بها الإذاعة المسموعة، ولا تستطيع الاحتفاظ بالمعلومات كالكتاب، ولا تستطيع تقديم وجهات النظر بنفس الحجم الذي تقدمه بها المجلات، ولا تستطيع تقريب الواقع من المشاهد كما يفعله التلفزيون، ولكنها تفعل كل ذلك بصورة قد تكون أفضل من كل الوسائل الأخرى. ولهذا أصبحت الصحف جزءا لا يتجزأ من حياة الإنسان في كل المجتمعات. وترجع وسيلة الاتصال المطبوعة لعام 1454م عندما اخترعت الطباعة بواسطة الحروف المتحركة، بعد أن تمكن الإنسان من اختراع آلة قادرة على إعطاء صوراً كثيرة مطابقة للأصل يمكن تبادلها بين القراء.
وخدم هذا الاختراع الجديد في وقته مركز السلطة آنذاك، والمتمثل بسلطة الكنيسة. وسرعان ما انتشر مع استخدام المطابع على نطاق واسع. لتخدم المطابع عصر الإصلاح الديني خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، من خلال تمكينها من نشر الحوار وتبادل الأفكار في أمور الدين والدنيا. ونشرت المطابع كتب أرسطو، التي بقيت حبيسة المكتبات في القرون الوسطى، ونشرت روائع أدب عصر النهضة. ونقلت الأخبار التجارية للتجار في إنجلترا وألمانيا وغيرها من الدول. وساعدت المطابع في طباعة المنشورات مجهولة الهوية والمصدر والتي كان لها دور المحرض الأساسي إبان الثورتين الفرنسية والأمريكية. حتى قيل أنه دون الصحافة كان من المحتمل أن لا يحدث عصر النهضة، وكان من غير المحتمل حدوث الثورة الفرنسية أو الثورة الأمريكية من دون الصحافة.
وسرعان ما تحولت الصحف إلى حارس للديمقراطية، وأصبحت من القوى الكامنة وراء التربية والتعليم. ووفرت لسكان المدن فرصة الاتصال ببعضهم البعض، ووفرت فرص العمل للباحثين عنها، واليد العاملة اللازمة لتحقيق الثورة الصناعية. وساعدت الإعلانات التي نشرت على صفحات الصحف على تصريف السلع وخلق مبررات إنتاجها على نطاق كبير.
ومع مطلع القرن العشرين وفرت الثورة الصناعية للصحف المطبعة البخارية أولاً، ثم المطبعة الكهربائية، التي مكنت من تخفيض تكاليف الطباعة وساعدت على خفض قيمة النسخة الواحدة، وعلى زيادة الأرباح لأصحاب الصحف. وأدى زيادة عدد النسخ الموزعة وانتشار الصحف على نطاق واسع إلى جذب المعلنين الذين راحوا يشترون المساحات الكبيرة من صفحات الصحف لنشر الدعاية والإعلان عن سلعهم وخدماتهم.
وكل تلك الظروف خلقت الاتصال الجماهيري الذي وفر بدوره: 1- وجود وسيلة إعلام جماهيرية رخيصة الثمن يستطيع الإنسان العادي دفعه؛ 2- توزيع ضخم واسع الانتشار؛ 3- إعلانات مربحة؛ 4- قيام مؤسسات نشر ضخمة.
ومن الخصائص المميزة للصحف أو المواد المطبوعة بشكل عام أنها وسيلة الإعلام الجماهيري الوحيدة التي تسمح للقارئ بالسيطرة على ظروف التعرض الإعلامي. وتتيح الفرصة له بإعادة القراءة مرات ومرات. كما أن المادة المطبوعة تسمح أكثر من غيرها من وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري بتطوير المواضيع بأي حجم تتطلبه الحاجة. وهو ما أشارت إليه التجارب من أنه من الأفضل تقديم المواضيع المعقدة مطبوعة من تقديمها شفهياً، رغم أن هذه الميزة لا تشمل المواضيع البسيطة والسهلة. كما ويعتبر استخدام المادة المطبوعة للوصول للقارئ المتخصص وللجماعات الصغيرة أفضل من غيرها من الوسائل لرخص تكاليفها ومرونتها.
الإعلام المسموع
تعتبر الإذاعة المسموعة من وسائل الاتصال القومية التي يمكنها الوصول لجميع السكان بيسر وسهولة، متخطية كافة الحواجز الجغرافية والسياسية والحضارية. شاملة الجميع صغاراً وكباراً، متعلمين وأميين وأنصاف متعلمين، وجماعات يصعب الوصول إليها عبر وسائل الاتصال الأخرى. ولا تحتاج الإذاعة إلى أي مجهود من قبل المستمعين، خاصة أنها لا تتطلب أوقات فراغ ولا أوضاع معينة للاستماع. لهذا اعتبرت الوسيلة السهلة التي تبقي المستمعين على اتصال دائم مع الأحداث والمتغيرات الجارية من حولهم.
والمادة الإعلامية المسموعة قد تكون أكثر فاعلية وتأثيراً من المادة الإعلامية المنقولة عن طريق الاتصال الشخصي، لأنه يمكن تقويتها بالمؤثرات الصوتية (موسيقى) التي تترك انطباعاً أقوى لدي المستقبل. وهو ما أثبتته التجارب العلمية، من أن المواد الإعلامية البسيطة التي تقدم عن طريق الإذاعة المسموعة يسهل تذكرها أكثر من المادة التي تقدم مطبوعة، خاصة بين الأفراد الأقل تعليماً والأقل ذكاءً. كما يؤمن البعض بأن الإذاعة المسموعة من وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري القادرة على جعل المستمعين يشعرون بالمساهمة والاقتراب الشخصي من الواقعية، التي تشبه الاتصال الشخصي، وربما كانت الإذاعة المسموعة من أسهل وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري استخداماً على الإطلاق. رغم أنه في بعض المجتمعات المتقدمة أصبحت الإذاعة المسموعة من الوسائل الإعلامية التي يعرض الإنسان نفسه لها دون اهتمام أو اكتراث أو تركيز، أي أنه يستخدمها أساساً كمصدر للترفيه لا يحتاج خلالها لا للتركيز ولا للاهتمام.
ومن الخصائص الأخرى التي تميز الإذاعة المسموعة، أن المتلقي يكيف المضمون بطريقة تجعله يتفق مع توقعاته الخاصة. وظاهرة الإسقاط معروفة في علم النفس، وهي من الخصائص المألوفة في حياة الإنسان اليومية. ويلعب الإسقاط دوراً هاماً في الاستجابة التي يقوم بها الناس على الفنون الشعبية الجماهيرية. التي يفسرونها ويدركون مضمونها مع ما يتناسب ودوافعهم اللاشعورية وتوقعاتهم ورغباتهم. وهذا ينطبق على الإذاعة المسموعة أكثر من أية وسيلة إعلام واتصال أخرى، لآن الإذاعة المسموعة تنشط الخيال إلى أقصى حد.
الإعلام المرئي (التلفزيون)
هناك اعتقاد بأن الإعلام المرئي له فاعلية فريدة لأنه من وسائل الاتصال الجماهيرية التي تعتمد على حاستي السمع والبصر في آن معاً. وقد لوحظ أن هذه الوسيلة المرئية تستحوذ على اهتمام المشاهد الكامل، أكثر من أية وسيلة اتصال أخرى وخاصة بين الأطفال واليافعين. وأن الكثير من الكبار يقبلون دون أي تساؤل جميع المعلومات التي تعرضها عليهم الشاشة الصغيرة وكأنها واقعية. ويتذكرون المواد الإعلامية المعروضة عليهم عبر الشاشة الصغيرة بشكل أفضل.
والفارق بين الإذاعتين المرئية والمسموعة، هو في اختلاف طبيعة الاهتمام والتركيز أثناء التعرض للمواد الإعلامية. فالإذاعة المرئية تحتاج لانتباه أكثر يشمل حاستي السمع والبصر عكس الإذاعة المسموعة. ولا يستطيع المشاهد القيام بأي عمل آخر أثناء المشاهدة، بينما يستطيع المستمع السماع في أي ظرف كان. والمشاهد يندمج تماماً مع المواد الإعلامية المحددة المضمون التي يشاهدها عبر الشاشة الصغيرة، ولا يحتاج للتصور الذي يتحمل مشقته عند الاستماع فقط. إضافة لأن الإعلام المرئي يتطلب وقت تعرض أكبر، وتركيز أكبر، لدى المشاهدين عكس وسائل الاتصال الجماهيرية الأخرى. ومن المزايا الأساسية التي تتمتع بها وسيلة الإعلام المرئي:
- أنها أقرب وسيلة للاتصال الشخصي، فهي تجمع بين الرؤية والصوت والحركة واللون والتأثير. وتتفوق على الاتصال الشخصي بتكبير الأشياء الصغيرة، وتحريك الأشياء الثابتة؛
- وتنقل الحدث فور وقوعه من مكان الأحداث مباشرة؛
- وتسمح بأساليب متعددة للدعاية والإعلان؛
- وهي الوسيلة القوية التي تهم كل الجمهور الإعلامي في المجتمعات المتقدمة، التي أصبحت فيها الوسائل الإعلامية الأخرى تتجه لجمهور إعلامي متخصص ومحدود.










اترك رد