ازدادت أهمية المعلوماتية وتقنياتها في العصر الحديث بشكل كبير، بفضل تطور وسائل الاتصال وتقنياتها الحديثة. فالمعلومات أصبحت تحيط بنا من كل مكان ومن كل اتجاه وأصبحت طبقة تحيط بالكرة الأرضية كالغشاء الهوائي الذي يوفر لنا الحياة، طبقة تعود الإنسان عليها حتى كاد ينساها أو يجهل وجودها، عدا قلة من الناس الذين يتعاملون مع هذه الطبقة المعلوماتية ويدركون مدى فاعليتها وتأثيرها.
وقد أطلق خبير الاتصال بيير تايلهارد، على هذه الطبقة المعلوماتية التي تحيط بالكرة الأرضية اسم الـ”نوسفير”، التي يستفيد منها الإنسان المعاصر متلقياً سيلاَ من المعلومات تتضمن حقائق وآراء مختلفة يستخدمها في مواقف اتصالية يدخل فيها مع آخرين كمتحدث ومستمع، ولكنه لا يؤثر في عملية الاتصال كغيره من الفئات الاجتماعية الأكثر تأثيراً في عملية الاتصال كالمفكرين والصحفيين والكتاب والسياسيين ورجال الدين والأساتذة والمعلنين الذين يعطون من خلال وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية أفكاراً ومعلومات معينة في مواقف اتصالية أكثر مما يأخذون من معلومات، بحكم أدوارهم الاجتماعية التي تسمح لهم بالتأثير وتوجيه تفكير غيرهم من الناس.
وأصبح الاتصال اليوم حقيقة طاغية في حياتنا اليومية المعاصرة، وأصبح الناس أداة فاعلة في عملية الاتصال المستمرة على مدار الساعة مرسلين ومستقبلين على حد سواء بفضل تقنيات الاتصال الحديثة التي حولت العالم بأسره من خلال عمليات الاتصال المباشرة والمعقدة إلى ما يشبه قرية الأمس، ولكنها أصبحت قرية كونية لا تعترف لا بالحدود الجغرافية ولا بالحدود السياسية لمختلف الدول في العالم.
وفرض تطور تقنيات الاتصال الحديثة على الإنسان المعاصر تعلم مهارات جديدة لم يكن بحاجة لتعلمها قبل عدة عقود فقط، وأصبحت ضرورية له لمواكبة العصر واستخدام وسائل الاتصال الحديثة المعقدة حتى في اتصالاته الشخصية عبر شبكات الحاسبات الإلكترونية (الكمبيوتر) التي جعلت من الاتصال عملية سريعة وفورية وسهلة بالاتجاهين. ومع تزايد أهمية الاتصال في حياتنا اليومية المعاصرة، ازدادت أهمية أبحاث الاتصال. فما هي أبحاث الاتصال ؟
أبحاث الاتصال
يميل بعض علماء الاجتماع إلى التفريق بين الأبحاث الصحفية، والأبحاث الإعلامية الاتصالية رغم امتداد الدراسات التي استهدفت الصحافة خلال القرن العشرين إلى سائر مجالات الإعلام وقنواته انطلاقاً من مفهوم وحدة الفنون الصحفية والإعلامية ولاتصالية رغم تشعبها. ورغم اهتمام بعض المعاهد الصحفية في العالم بدراسة مجال واحد من المجالات الإعلامية، كدراسة الإذاعة والتلفزيون، أو الصحافة المطبوعة، أو الاتصال الشخصي كل على حدى. إلا أننا نعتبر أن مثل هذه الدراسات الناقصة لا تلبي حاجة البحث العلمي في مجال الإعلام والاتصال بشكله الملائم والمطلوب في القرن الواحد العشرين، في زمن تشعبت فيه قنوات الاتصال الجماهيري وتداخلت من خلال شبكات الاتصال الحديثة سمة الحقبة الأخيرة من القرن العشرين.
فالأسلوب العلمي الصحيح اليوم يربط بين أساليب الاتصال وتقنياته الحديثة كوحدة واحدة تتلاقى فيها قنوات الإعلام أصولاً وفروعاً. رغم التقسيم الذي سار عليه بعض الباحثين حينما فرقوا بين الأبحاث الصحفية، التي حاولوا حصرها بدراسة وسائل الإعلام أو الرسائل الإعلامية فقط، بينما حاول البعض الآخر حصر أبحاث الاتصال بعملية الاتصال فقط.
لأنه من الصعب جداً دراسة وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري دون الاهتمام بعمليات الاتصال والمواقف الاتصالية التي يتم من خلالها توجيه وتبادل المعلومات. فأي بحث يتناول الاتصال يجب أن يهتم بالجانبين معاً. فنحن لا نستطيع فهم ما تنشره وما تنقله أو تذيعه أو تبثه وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، دون أن ندرك عملية الاتصال، وكيف يؤثر مضمون وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري على الأفراد والجماعات المختلفة.
وحينما نحاول أن نعرِّف المادة الإعلامية نجد صعوبة بالغة في وضع حدود واضحة تحدد الأبحاث الإعلامية وتميزها عن غيرها من أبحاث العلوم الإنسانية. فأهداف واهتمامات أبحاث الاتصال واسعة جداً، لأنها لا تدرس وسائل الاتصال فقط، بل تتعداها لدراسة عمليات الاتصال. وهذا يحتم علينا الاهتمام بعلوم إنسانية أخرى منها التربية، وعلم النفس الفردي، وعلم النفس الاجتماعي، والاقتصاد، والأنثروبولوجيا، والقانون، والستسيولوجيا، والسياسة… الخ، فالصحافة أو الإعلام الجماهيري يشارك العلوم الإنسانية مسؤولية الكشف عن مختلف أوجه المشاكل التي تتضمنها عملية الاتصال الجماهيري في مختلف مراحلها.
ولقد أدرك علماء الاتصال الجماهيري منذ أواسط القرن العشرين، حقيقة أنه لا يمكن فهم عملية الاتصال عن طريق وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري دون فهم عملية الاتصال المباشر بين شخص وآخر، وعملية الاتصال داخل الجماعة الصغيرة بحد ذاتها. فبدون إدراك وفهم عملية الاتصال الفردي، والاتصال داخل الجماعة الصغيرة، لا يمكن فهم عملية الاتصال عن طريق مؤسسات ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، ولا نستطيع كذلك تقدير تأثير تلك المؤسسات والوسائل.
ومن المسلم به أن فهم ودراسة وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري هي من مسؤولية المختصين في شؤون الإعلام أساساً، ولكننا لا نستطيع أن ننكر اشتراك علماء السياسة والاقتصاد والمجتمع في هذه المسؤولية بشكل أو بآخر. ولكن المسؤولية تبقى أساساً على عاتق المختصين في الإعلام والاتصال الجماهيري المسؤولين عن دراسة عمليات الاتصال الجماهيري، والتعرف على تنظيم مؤسسات الإعلام والاتصال الجماهيري، وأساليب السيطرة الاجتماعية والحقوقية عليها، ومركز تلك المؤسسات في التنظيم الاجتماعي بشكل عام، ووظيفة تلك المؤسسات وجمهورها ومسؤوليتها، وطريقة اضطلاعها بتلك المسؤوليات، ودراسة طبيعة تأثير تلك المؤسسات. واكتشاف السبل لتحقيق فاعلية الإعلام والاتصال، واختيار أنجع الوسائل، والتعرف على طبيعة كل وسيلة منها. وطبيعة الجمهور المتلقي، ومشاكل نقل المعاني والرموز عبر وسيلة الاتصال الجماهيري.
تطور أبحاث الإعلام والاتصال
يمر التطور التاريخي لأي علم من العلوم الحديثة، بمراحل تطور متشابهة تبدأ من المرحلة الفلسفية التي ينصب الاهتمام فيها على تحديد المسارات الأساسية، وتكوين مفاهيم كلية وافتراضات أساسية، وتحديد طرق وأساليب البحث العلمي، بشكل يمكن بواسطتها جمع المعلومات والحقائق عن العلم المقصود. وتنتهي هذه المرحلة عند التوصل إلى اتفاق عام على بعض المبادئ والافتراضات الأساسية وبعض طرق وأساليب البحث العلمي.
وينتقل الاهتمام في المرحلة الثانية إلى تطبيق أساليب جديدة للبحث، مهمتها قياس صحة الافتراضات التي تم الاتفاق عليها في المرحلة الأولى الفلسفية، يرافقها تجميع حقائق مفصلة عن تلك الافتراضات. وتنتهي المراحل التجريبية بجمع جملة من الحقائق تستخدم في بناء نظرية علمية محددة، وهي المرحلة الثالثة التي تتابع فيها الأبحاث والتجارب وتؤدي إلى تطور البحث العلمي والوصول إلى نتائج جديدة ومقترحات تؤدي للوصول إلى نظريات علمية جديدة.
وقد بدأت الأبحاث العلمية في مجالات الإعلام والاتصال الجماهيري بالولايات المتحدة الأمريكية خلال عشرينات القرن العشرين، وركزت الأبحاث الأولى على دراسة وصفية لتاريخ الصحافة، والشخصيات الصحفية التي قامت بإصدار وتحرير صحف في كل مرحلة من المراحل المدروسة، وركزت الأبحاث التي جرت خلال تلك المرحلة على مفاهيم فلسفية معينة كحرية الصحافة وحق الأفراد في نشر آرائهم بدون تدخل السلطات، ودور الصحافة في المجتمع وغيرها من الاهتمامات العلمية.
وظهرت في المرحلة التالية دراسات علمية اعتمدت على نتائج الأبحاث التجريبية والميدانية الكمية وأعطت دراسات موضوعية بعيدة عن تحيز الباحث معتمدة على حقائق علمية ثابتة، واستخدمت أساليب القياس والتجربة للوصول إلى نتائج علمية مقنعة. وبالنتيجة توصل العلماء إلى تكوين نظرية علمية تم تطويرها خلال خمسينات وستينات القرن العشرين. وتوسع البحث العلمي بعد ذلك في مجال الاتصال الجماهيري ليشمل دراسات الإعلام الدولي وطبيعة الإعلام في الدول الأخرى وخاصة تلك التي تختلف مع الولايات المتحدة الأمريكية إيديولوجياً، أو التي تدخل ضمن مجال اهتمامات سياستها الخارجية والمصالح الأمريكية في العالم بشكل عام.
ورافق تطور الأبحاث العلمية في مجال الإعلام والاتصال الجماهيري اهتمام علماء السياسة والاقتصاد والمجتمع وعلم النفس والأنثروبولوجيا بعلوم الاتصال الجماهيري، وساهموا في تطويرها وبناء نظريات ومفاهيم أساسية لعلم الاتصال الجماهيري مما أعطى دراسات الإعلام والاتصال الجماهيري طابعاً متميزاً ساهم في اتساعها وشموليتها وإثرائها خلال النصف الثاني من القرن العشرين.










اترك رد